الأحد 20 أكتوبر 2019 م - ٢١ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخبرة في القرآن الكريم .. مفهومها ومواضعها (3)

الخبرة في القرآن الكريم .. مفهومها ومواضعها (3)

.. فالخبرة كذلك هي عبارة عن مجموعة الأخطاء التي اقترفتَها، وحصَّلتَها في حياتكَ العملية، وتستطيع أن تستفيد منها في المستقبل، فلا تقع فيما وقعتَ فيه سلفاً.
وأما الخبرة في مجال العمل، فيطلق عليها المعرفة، وتُكتَسَب ـ كما هو معلوم من خلال الواقع ـ من الدراسة، والممارسة، والخطأ والصواب، ومن الركام المعرفي وأحداث الحياة، ومشاكلها ومن القراءة والاطلاع وحضور المناسبات والمؤتمرات والدورات والندوات والدروس، ومجالس أهل الحل والعقد، وفض المنازعات، وقراءة الكتب الثقافية والفكرية وجهود السلف في المجالات الحياتية المتنوعة والمختلفة.
ومن مواضع الخبرة في القرآن الكريم نجد ما قام به سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ عندما طلب إحضار عرش بلقيس قبل وصولهم إليه، فلم يستعن إلا بذوي الخبرة وأهل التخصص، فقد جاء في القرآن الكريم:(قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ، قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ، وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ، قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (النمل 38 ـ 44)، وهنا نرى أن سليمان ـ عليه السلام ـ عندما سأل قال أيكم يأتيني بعرشها؟ فسأل الملأ الذين منهم ذوو التخصص فقال أحدهم:(أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين)، فهو مستطيعٌ بصير بعمله، وقوي على تحمل مسؤولياته، وأمين في أداء وظيفته ورسالته ومهامه، وهي ميزات مطلوبة مع التخصص، لكنَّ الذي عنده علم من الكتاب، وهو الشخص العابد، الواصل بالله الذي هو عبد رباني لربه قال:(أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)، فجعله مقدَّما على الآخر لأن إنجاز الأعمال بسرعة ودقة هو في الواقع الخبرة الحقيقية، والفيصل في أيِّ عمل، وخصوصاً أن بلقيس كانت من قومٍ ذوي حضارة ضاربة في أطناب الأرض، وممتدة في أعماق الزمن؛ ولذلك علَّمَنا سيدُنا سليمانُ ـ عليه السلام ـ كيف نستعمل قدراتِنا، ونوجه طاقاتنا، ونختار أهلَ الخبرة الحقيقيين ،ومن في يدهم إنجاز الأعمال في لحظات، حتى إذا وجد العرشَ بين يديه مستقرًّا عنده، ذكَر فضلَ الله عليه، وعاد شاكرا حامدا مُرْجِعًا كلَّ فضل إليه، شاكرا بين يديه، ثم بعد ذلك طلب من أهل الاختصاص أن ينكِّروا لها عرشها، فجاء المتخصصون في هندسة البناء، وأرباب الزخارف، ومن هم ضاربو الأقدام في النقش، والحِلَى .. وغيرها، حتى إنها عندما سُئِلت:(أهكذا عرشك؟) أجابت إجابة دبلوماسية، تتناسب مع حضارتها، وكونها ملكة متأصلة في الملك:(قالت كأنه هو)، ثم عاد سليمانـ عليه السلام ـ بقوله:(وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين)، أيْ: أنه يعلم فنونَ العلم، وتخصصاته، ونوعيته، وأنه باتصاله بالله عنده ، وتحت يده وفي مملكته الشاسعة الأركان، جميعُ أهل العلم، وذوو التخصص، ويختار منهم الأصلحَ، ومن ذوي الخبرة المجيدينَ في تسيير شؤون المملكة، والحكم، حتى رضختْ بلقيسُ، واستكانت، وعادت إلى الله ورحابة طاعته، بعدما تبيَّن لها بالواقع أنها مسبوقةٌ بالحضارة والعلم، وأن حضارتها دون مستوى حضارات المتصلين بالله، الذين يأخذون بالأسباب، ويصلون إلى قمم أوج الحضارة، ولكنهم لله عابدون، ولربهم راكعون ساجدون، فقالت بلسان الصدق، ودموع الخشية وفؤاد الإقرار واليقين:(إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، أقَرَّتْ بظلمها لنفسها، وأنها قد أسلمت مع سليمان، وليس بسليمان، مما يدل على فهمها، وواسع خبرتها، وعلمها بالردِّ العلميِّ العقَدِيِّ السليم، هكذا كانت الخبرة والعلم والتخصص الدقيق سببًا في إسلام أمة بكاملها، وعودة مملكة بأسرها إلى الله، فالخبرة لها دورٌ غيرُ منكور في العمل الدعوي، وفي نشر الفضيلة والخير بين الناس، والأخذ بأيديهم إلى طريق الله الصحيحة، وسبيله المستقيمة، ونواصل حديثنا حول الخبرة في مقالات لاحقة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

د/جمال عبدالعزيز أحمد*
* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى