الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 م - ١٦ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ينابيع المعرفة أطفأت حمم الحروب (2ـ8)

ينابيع المعرفة أطفأت حمم الحروب (2ـ8)

سعود بن علي الحارثي

ثانيا: المحطات والدوافع .
إنهما العلم والمعرفة رفعتا من مكانة أمم ودول، وبقينا نحن العرب في خانة الشعوب الضعيفة المستهلكة أو (العالة)، نستفيد فقط من التسهيلات التي تقدمها تلك المكتشفات المتتابعة. (ميونيخ ـ براغ ـ سالزبورج ـ أنسبوك)، تلك هي المحطات الرئيسية التي تضمنها برنامج هذا العام مع الأسرة، ميونيخ لأنها وجهة رئيسية من وجهات الناقل الوطني (الطيران العماني)، وكنا بحاجة إلى خط رحلة مباشر لتجنيب أنفسنا الإرهاق والتعب وإلا فإن أسعار تذاكره كانت الأكثر مبالغة من حيث القيمة، أما (براغ) التحفة الفنية رفيعة الذوق فقد أسرتني وفرضت نفسها علي في ذلك التقرير المصور الذي نشرته مجلة (العربي) الكويتية قبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف، فتعلقت بها وقررت حينها زيارة هذه المدينة العريقة بتراثها الهائل في تنوعه وجماله وتصميم عمارتها المهيب الذي يسلب العقول، وقد تأخرت كثيرا وآن الأوان أن أحقق رغبة لم تفارق خيالي رغم سنوات التطواف في عشرات المدن العريقة، إنها براغ عاصمة التشيك اليوم، وعاصمة الدولة الأم تشيكوسلوفاكيا قبل ذلك، ولا غرو أن أطلق عليها (المدينة الذهبية، وأم المدن، وقلب أوروبا)، ومدينة (المئة برج)، ولا عجب أن حافظت براغ على جمالها الأخاذ، وعمارتها الفاتنة ومعالم جسدها الهندسي الأنيق، الذي يشكل لوحة فنية لا مثيل لها في كل أوروبا، ذاك لأنها سلمت من التدمير في الحرب العالمية الثانية، فحافظت على سحرها المعماري الذي أبهرني وأنا في مرحلة الطفولة، بـ(خلاف الكثير من مدن أوروبا الوسطى)، ولا عجب كذلك أن تم إدراجها في العام 1992م، ضمن (لائحة اليونسكو كموقع تراثي عالمي)، فقد تأسست في القرن التاسع الميلادي، وكانت (مقرا لملوك بوهيميا)، وجعل منها تشارلز الرابع عاصمة للدولة الرومانية المقدسة، فحق لها أن تتربع على عرش أوروبا كأجمل مدينة في القارة. امتزجت في عمارتها من كنائس وقصور وحارات وأزقة قديمة جميع المدارس والعصور التاريخية والفنون المعمارية المتعاقبة القوطي ـ الباروكي ـ عصور النهضة، وأخذت من مغتصبيها والعابرين على ترابها (السويديين ـ الفرنسيين ـ ألمانيا النازية ـ روسيا الشيوعية …) الفنون والثقافات والدروس والتجارب والأنظمة التي اندمجت وتعايشت واستثمرت لتصبح براغ بحق جوهرة أوروبا النفيسة. ولا غرابة أن يعيش الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري ردحا من الزمن في هذه المدينة المرتوية دائما من عذب نهرها المتدفق ليل ونهارا (فلتافا)، المسكونة بعبق التاريخ الموغل في الماضي البعيد، وبروح الجمال والفخامة والانسجام بين مختلف مكوناتها وأطيافها، وأن يستلهم (من تقاليدها وجمال طبيعتها ومعالمها) أكثر من خمس عشرة قصيدة من عيون شعره، تغنى في عدد منها بجمالها الفاتن (أعلى الحسن ازدهاء وقعت * أم عليها الحسن زهوا وقعا * وسل الجمال هل في وسعه * فوق ما أبدعه أن يبدعا)، وله حكايات ومواقف مع فاتنات براغ. وفي واحدة منها بحسب ما (يروي كروباتشيك عن الجواهري أنه في قصيدة “بائعة السمك” الشهيرة قصة حقيقية، تقول إنه في إحدى المرات وفي فترة أعياد الميلاد كان الجواهري يزور ساحة العاصمة حيث محلات بيع الأسماك التي يتم تناولها في أول أيام العيد، وهناك جذبت انتباهه بائعة تشيكية جميلة وهي تقتل إحدى الأسماك بناء على طلب من الزبون، فاقترب منها مبهورا بما رأته عيناه وسألها كيف يمكن أن تقدم فتاة بمثل هذا الجمال والرقة على قتل كائن حي بمثل هذه القسوة، فأجابته أنها تعلمت القسوة من الرجال). ومن مشاهيرها الكبار الكاتب الأديب المعروف (فرانز كافكا)، الذي ولد في العام 1883م، عندما كانت براغ (جزءا من الإمبراطورية النمساوية المجرية). واختيار مثلث (ميونيخ ـ براغ ـ سالزبورج)، فلأنها من أجمل مناطق العالم وأكثرها تميزا وبهاء في نقاء الطبيعة ورونقها وتنوعها وتجانسها، ولأنها مناطق آمنة ويمتاز أهلها بحسن المعشر والطيبة وإجراءاتها سهلة ميسرة، والأنظمة والقوانين والقيم فيها مترسخة وعادلة ومتسامحة وإنسانية، والمشاهد والصور تستوقف السائح وتبلغه العديد من الرسائل القيمة والمقارنات العميقة التي تستحق أن ترصد وتوثق، والأحداث التاريخية بتحولاتها الهائلة مع ما تثيره من أسئلة وجدليات فكرية تحتوي على الكثير من الدروس والمنافع، وهي المهد الذي استقبل واحتضن أعظم الشخصيات الفكرية والسياسية والثقافية والعلمية، واليوم هي كذلك المنطقة التي تستقبل مئات الألاف من المهاجرين الذين تضخهم مدننا العربية التي كانت يوما ما مهد الحضارة ومركزها، ووجهت الانتقادات خلال السنوات الأربع المنصرمة إلى مستشارة ألمانيا، أنجيلا ميركل، على سياستها في استقبال اللاجئين السوريين بحجج ومبررات كثيرة معظمها عنصرية ترتبط بالإرهاب والثقافة المتخلفة والأفكار غير السوية التي (يحملها العرب النازحين من مناطق الصراعات والحروب)، لكن سياسة المستشارة الألمانية أتت ثمارها واستفاد الاقتصاد الألماني من المهاجرين السوريين، فبحسب صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، (انخرط عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين في سوق العمل بألمانيا عبر بوابة التدريب المهني الذي صمم خصيصا للوافدين الجدد الذين جاؤوا إلى القارة العجوز هربا من الحرب والفقر)، وأكدت الصحيفة أنه ومع (انخفاض معدلات البطالة في ألمانيا إلى أدنى معدلاتها منذ 30 عاما، فقد الشباب الألمان رغبتهم بالتدريب المهني لتتجه الشركات إلى اليد الوافدة المدربة والتي خضعت لنظام التدريب المهني)، حيث بلغ عدد المسجلين في برنامج التدريب على العمل (بنهاية عام 2018 أكثر من 400 ألف شخص). وفي رحلة سابقة مع ثلة من الأصدقاء إلى ألمانيا والنمسا، قدرت بأنها تستحق أكثر من زيارة، ففي هذه الأماكن الخلابة تشعر الروح والنفس والعقل بالهدوء والراحة والاسترخاء والجمال الحقيقي، ومن هذه المدن كنا ننطلق كل يوم صباحا في برنامج معد لمشاهدة وزيارة والاستمتاع والاطلاع على المواقع السياحية المختلفة والمتنوعة من قصور وبحيرات وجبال الألب وأسواق ومتاحف وغابات وبساتين لا يحيط بها النظر تكتسي بأشجار وثمار التفاح والعنب والبرتقال والفراولة، والتجول مشيا بين الأزقة والحارات القديمة والاستمتاع في مقاهيها الجميلة باحتساء أكواب القهوة والعصائر الطازجة وتناول المخبوزات الطرية والآيس كريمات بنكهاتها المتعددة، فالحياة جميلة ومتعها متعددة ومحفزات السعادة كثيرة وروح السفر تبث النشاط والبهجة في الجسد والعقل وتجدد الحياة والأفكار وتطور الثقافة، وتعزز الوعي وتدعو إلى التدبر والتأمل، فلا قيود تأسرنا ونحن نعيش هذا الفضاء الواسع والمجال الرحب مستمتعين بجسد الطبيعة الفاتن .

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى