الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 م - ٢٣ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / حصاد الحادي عشر من سبتمبر
حصاد الحادي عشر من سبتمبر

حصاد الحادي عشر من سبتمبر

لو دققنا النظر في حصاد النتائج التي جنتها الولايات المتحدة الأميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر، وما تبعه من حروب في منطقة الشرق الأوسط، سنلحظ أن جل النتائج كانت سلبية، سواء كانت بالنسبة للولايات المتحدة، أو حتى لشعوب ودول المنطقة، إذ تسببت السياسات الأميركية في تكبيد المنطقة خسائر فادحة، وجعلها تدفع أثمان سياسات تحاسب عليها والإدارات الأميركية قبل أن تحاسب عليها الأنظمة والشعوب العربية والإسلامية، لأنه لولا السياسات الغربية وخصوصا الأميركية المتحيزة ضد المصالح والقضايا العربية والإسلامية لما كانت لأحداث الحادي عشر من سبتمبر أن تحصل من الأساس.
وبالنظر إلى نتائج تلك الأحداث وما أسفرت عنه من كوارث غير مسبوقة في منطقة الشرق الأوسط، يثور التساؤل من جديد عن المستفيد الحقيقي من تلك الأحداث، فما نشهده من عمليات تقسيم وتفتيت للدول العربية والإسلامية بشكل لا يمكن تصوره، إنما يشير بأصابع الاتهام إلى المنظمات الصهيونية العالمية المتحالفة مع اليمين المتطرف في الولايات المتحدة، والتي تسعى منذ زمن بعيد لتحويل الكيان الصهيوني إلى إسرائيل الكبرى، وذلك من خلال بث الفرقة وإثارة الحروب الطائفية في البلدان العربية والإسلامية في منطقة الشرق الأوسط، وبحيث لا تصبح هناك دولة أكبر من إسرائيل، وهو ما نشاهده اليوم بشكل أو بآخر، يتمثل في ذلك المسلسل الكارثي الذي نعاني تبعاته بعد الحادي عشر من سبتمبر.
وحتى بالنسبة للداخل الأميركي سنلحظ أن الولايات المتحدة لم تعد أفضل حالا عما كانت عليه قبل الحادي عشر من سبتمبر، بل صارت أسوأ بكثير وتعاني العديد من التحديات الداخلية والخارجية، ليس هذا فحسب، بل ووصلت إلى حالة من الضعف جعلت الحكومة الروسية تتدخل في انتخاباتها الرئاسية وتنجح في ترجيح كفة مرشح بعينة، وهو ما لم يكن متخيلا في السابق، خصوصا وأن الولايات المتحدة تباهي العالم بتقدمها التكنولوجي وقوتها العسكرية والاستخباراتية.
وما يثير الانتباه أن السياسات الأميركية المتسببة في وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر لا تزال كما هي دون تغيير، بل في العديد من الحالات باتت أسوأ مما كان يحدث في السابق، وما صفقة القرن التي ترعاها الولايات المتحدة، ويدفع باتجاهها الرئيس الحالي دونالد ترامب، إلا خير دليل على الغطرسة والانحياز الأميركي ضد المصالح العربية والإسلامية، هذا بخلاف غض الطرف عن الانتهاكات الصهيونية المستمرة للأراضي والمقدسات الإسلامية في فلسطين.
وتجهل تلك الإدارة وغيرها أن تلك السياسات تمثل قمة الاستفزاز للمشاعر العربية والإسلامية، وأن استمرارها يضر بالمصالح والعلاقات الأميركية مع دول وشعوب الشرق الأوسط، وأن الشعوب العربية والإسلامية وإن رضخت لتلك السياسات تحت وطأة الضغوط التي تفرض عليها من قبل بعض الأنظمة، إلا أن ذلك لا يعني قبولها ولا رضاها عن التنازل عن حقوقها، لأن تلك الحقوق ليست ملكا لنظام ولا جيل، بل هي ملك الأمة كما هي ملك كل الأجيال وليس جيل بعينه، وكلنا يتذكر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عندما عرض عليه مؤسس الدولة الصهيونية ثيودور هرتزل التنازل عن جزء من أرض فلسطين لإقامة وطن لليهود عليها، مقابل تسديد كل ديون الدولة العثمانية، عندما رد عليه وأخبره بأن فلسطين وقف إسلامي لا يملك هو ولا غيره التنازل عن شبر منها لا للصهاينة ولا لأي قوة آخرى في العالم مهما كانت التحديات والأثمان التي تدفع في مقابل ذلك.
ولذلك فإن على الولايات المتحدة بإداراتها المختلفة أن تعي حقيقة الأوضاع والتحديات في منطقة الشرق الأوسط، وأن تعلم مدى حساسية القضية الفلسطينية بالنسبة للشعوب العربية والإسلامية، وأن المساس بتلك القضية إنما يستثير مشاعر الملايين من المسسلمين في المشرق والمغرب، ويملأ قلوبهم بالحقد والكره تجاه الولايات المتحدة والغرب، وهو ما يؤثر بالسلب في نهاية المطاف على المصالح الغربية والأميركية، ويقوض أسس الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

د.أسامة نورالدين
كاتب صحفي وباحث علاقات دولية
Onour95@gmail.com

إلى الأعلى