الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 م - ٢٣ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الأغوار الفلسطينية صمام أمان لمستقبل إسرائيل

الأغوار الفلسطينية صمام أمان لمستقبل إسرائيل

محمد بن سعيد الفطيسي

في العام 1949 كتب بن جوريون في يومياته (إن السلام أمر أساسي, ولكن ليس بأي ثمن)(1 ). أما بالنسبة للحقيقة التي استمرت إسرائيل تؤكدها وتثبتها بالقوة والسلاح على أرض الواقع وطوال سبعة عقود فهي أن الأرض أولا, والسلام لاحقا. حتى أن هذا الأخير لا يأتي ثانيا على جدول أعمال القيادات الإسرائيلية المتلاحقة.
أما في العام 2019م فيقرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التأكيد على شعار ان الأرض تأتي قبل السلام، وأنه لا سلام مع أحد قبل أن يتم ضم كل الأراضي التي لا محالة من ضمها بسبب ضرورة التوسع في المستوطنات الإسرائيلية لمواجهة الزيادة المستمرة في عدد السكان، وبالتالي الحاجة إلى الموارد المختلفة وعلى رأسها المياه. وبمعنى آخر، حلم الدولة الكبرى، حيث وفي خطوة متقدمة جدا تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضم الأغوار الفلسطينية وشمال البحر الميت لإسرائيل إذا فاز بالانتخابات.
و(تكمن أهمية الأغوار العظمى في كونها منطقة طبيعية دافئة وخصبة يمكن استغلالها للزراعة طوال العام، كما تتربع فوق أهم حوض مائي في فلسطين. وتشكل الأغوار ربع مساحة الضفة الغربية، ويعيش فيها نحو 50 ألف فلسطيني بما فيها مدينة أريحا، أي ما نسبته 2% من سكان الضفة الغربية)( 2)، وبتصوري الشخصي فإن مشكلة المياه التي تعاني منها إسرائيل، الأمر الذي ينعكس سلبا على الاقتصاد الإسرائيلي بشكل خطير جدا، تعد أحد أهم الأسباب التي دفعت نتنياهو إلى الإسراع بخطوة ضم الأغوار الفلسطينية وشمال البحر الميت لإسرائيل.
مع ضرورة التأكيد على أن هذا التوجه الإسرائيلي ليس وليد اللحظة أو كونها فكرة راهنة لمواجه مشكلة المياه القائمة ( 3) أو غيرها من العقبات الأمنية التي يمكن أن يكون لهذه البقعة الفلسطينية العربية دور في المساهمة عبرها في استمرار الحياة في الشرايين الإسرائيلية التي تصارع مشكلة نفاد الوقت منها كل يوم بل (تعود المخططات الإسرائيلية لفصل منطقة الأغوار عن بقية محافظات الضفة الغربية إلى العام 1967م عقب الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية… وقد كان لبنيامين نتنياهو في العام 2005م تصريح حول منطقة الأغوار أكد فيه على أن إسرائيل لن تتخلى أبدا عن منطقة الأغوار وأنه لن يتم إدراج منطقة الأغوار في أي من عمليات الانسحاب الإسرائيلية، وأن الأغوار ستبقى تحت سيطرة إسرائيل إلى الأبد، فهي الدرع الشرقي للدفاع عن إسرائيل)(4 )
وبين العام 1949 و2019 عقود كافية لكل ذي لب للتأكيد على ثابت من ثوابت الصراع العربي الإسرائيلي، وهو أن الأرض لدى الحكومات الإسرائيلية المتوالية ليست حتى مقابل السلام، بل الأرض أولا. والأرض ثانيا، (فللأرض في العقيدة اليهودية والفكر الصهيوني كما تطالعنا به كتبهم الدينية والتاريخية ودورياتهم الثقافية والسياسية منزلة خاصة, تتعدى كونها مساحة جغرافية أو إقليما وطنيا, فهي رمز لاهوتي, يجري من خلاله تبليغ سلسلة من الرسائل المقدسة للشعب التائه… وأن وجود هذه (الدولة) هو تجسيد للوعد الإلهي, ومن السخف أن يطالب أحد بإثبات شرعيتها بغير ذلك)( 5)
ومع نفاد الوقت أمام حكومة نتنياهو نظرا للتزايد في عدد سكان إسرائيل، وبالتالي الحاجة إلى مزيد من الطعام والماء والسكن، وغيرها من التحديات التي تواجه وجودها المفروض بالقوة، تحاول حكومة هذا الأخير تسريع وتيرة الحلول (التلفيقية) عبر التوسع بزيادة عدد المستوطنات من جهة، وضم المزيد من الأراضي الفلسطينية من جهة أخرى.
وفي دراسة تحت عنوان: كيف ترى إسرائيل نفسها عام 2020 للدكتور سليمان أبو ستة خلصت هذه الدراسة إلى النقاط التالية وهي أن (هدف إسرائيل التوسع الجغرافي والاقتصادي عن طريق معاهدات “سلمية” (إن أمكن)، تسمح لها بالتوغل في البلاد العربية وليس العكس. كما تبين الدراسة أن إسرائيل على وشك الانفجار إلى الخارج، ولذلك تحتاج إلى مساحة جغرافية، وسكان (يهود)، وموارد طبيعية (مياه وبترول). وأن السلام بالنسبة لإسرائيل هو اعتراف العرب بإسرائيل وإبقاء الوضع الحالي كما هو وتهدئة الوضع في فلسطين (ضروري جدا) – عن طريق حكم ذاتي أو دويلة. ليست هناك أي نية في إعادة الحقوق الثابتة إلى أصحابها. أما عن آمال وطموحات إسرائيل فإنها تتعدى العرب كثيرا، حيث (لم يعودوا يمثلون لها أكثر من إزعاج) وتصل إلى العالم كدولة صناعية كبرى ذات تخصص)( 6)
أخيرا.. وأنا أتصفح كتاب كولن تشابمن الموسوم بأرض الميعاد شد انتباهي الفقرة التالية وهي تقع تحت عنوان: قد ينفد الوقت، يقول تشابمن (ثمة في التوقعات الرزينة حول المستقبل عنصر طارئ جدا يحذرنا من أنه وفي وقت قريب قد لا يبقى شيء لأحد، فمع حلول عام 2020 ستصبح كثافة إسرائيل مشابهة لهولندا، وأن النمو المتوقع للسكان مع حلول العام 2050 عند اليهود والعرب سواء بالنمو الطبيعي أو بالهجرة يشير إلى أعداد مقدرة بحوالي 12 مليون نسمة في إسرائيل/ فلسطين، مع العلم أن البلد الآن يعاني من مشاكل حادة في تأمين المياه وثمة صعوبة في زيادة كميتها في المدى المنظور)( 7)
ــــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ بول فندلي . الخداع, ترجمة د. محمود يوسف, شركة المطبوعات للتوزيع والنشر, بيروت/ لبنان, ط1/1993م
2ـ الأغوار المهددة بالضم الإسرائيلي.. حدود الفلسطينيين وسلّة غذائهم, موقع الجزيرة, تاريخ النشر 11/9/2019 تاريخ الدخول 13/9/2019م على الرابط : https://www.aljazeera.net/news/politics/2019/9/11
3 ـ لمزيد من المعلومات حول مشكلة المياه في إسرائيل وارتباطها بالمخططات الإسرائيلية تجاه منطقة الأغوار, أنظر:
دراسة: د. جاد اسحاق وجولييت بنورة, السياسات الإسرائيلية تجاه الأرضي في الأغوار, معهد الأبحاث التطبيقية بالقدس على الرابط :- https://www.arij.org/files/admin/specialreports/Final%20Report.pdf
4 ـ “Netanyahu Warns Against PA Terror State, Leaving Jordan Valley.” Israel National News, 03 June 2005.
5 ـ محمد بن سعيد الفطيسي, الثابت والمتغير في الصراع العربي الإسرائيلي, المركز الفلسطيني للإعلام, تاريخ النشر 13/فبراير/2012م. تاريخ الدخول 13/9/2019م على الرابط : https://palinfo.com/83268
6 ـ د. سلمان أبوستة, كيف ترى إسرائيل نفسها عام 2020, موقع الذاكرة الفلسطينية, وجهات نظر، القاهرة، العدد 31، 1/8/2001, تاريخ النشر 1/10/2015, تاريخ الدخول 13/9/2019م
الرابط : http://hebroo111.over-blog.com/2015/10/2020.html
7 ـ كولن تشابمن, أرض الميعاد لمن؟ – الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المستمر – الشركة العالمية للكتاب, بيروت/ لبنان, ط ع 1/2004م

إلى الأعلى