الأحد 20 أكتوبر 2019 م - ٢١ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / بولتون والعرب

بولتون والعرب

كاظم الموسوي

استلم جون بولتون يوم 2018/4/9 ذكرى احتلال بغداد عام 2003 منصبه الجديد، مستشارا للأمن القومي بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو أحد مهندسي وداعمي غزو واحتلال العراق. وطرد من منصبه بتغريدة عشية الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، وذكراها الأميركية، هذا العام. كنت قد كتبت هذا المقال عنه ونشر في 16/4/2005، قبل أكثر من 14 سنة وأعيد نشره الآن للاطلاع، لا شماتة بأصدقائه العرب والمحتفلين به بأنواطهم وشهاداتهم بالتراهن والتخادم:
أثار اختيار الرئيس الأميركي بوش الابن لجون بولتون إلى وظيفة سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة استياء العديد من الدبلوماسيين الأميركيين قبل غيرهم من المتضررين سابقا من عمل بولتون أو مستقبلا. من هو جون بولتون؟ ولماذا تم هذا الاختيار وهذا الاحتجاج عليه؟
يعد بولتون أحد أبرز زعماء المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية، وقد عبر وهو المحامي، وخريج جامعة ييل الأميركية، دارسا الحقوق فيها، عن استهزائه بالقانون الدولي وبعمل ومواثيق المنظمات الدولية، خصوصا الأمم المتحدة، وبالمحكمة الجنائية الدولية وميثاق روما لها، ولديه أقوال وآراء مشهورة فيها. وخدم في الإدارات المختلفة موظفا بامتياز لتنفيذ المصالح الأميركية والإسرائيلية، وقبول كل تكليف له بغض النظر عن مستواه الإداري، وسجله في القضايا الدولية والمتعددة الأطراف التي تعامل معها مزعج ومشهود له بنهاياتها المريحة للاستراتيجية الإمبراطورية، كما أشار العديد من المحللين السياسيين الأميركيين خصوصا.
شغل العديد من الوظائف المساعدة لوزير الخارجية، وآخرها في قضايا الحد من التسلح والأمن الدولي، وقد اعترض وزير الخارجية السابق الجنرال كولن باول على تعيينه، ولكن الوزيرة رايس، لم توافق وحسب وإنما قدمته كرجل من مساعديها الجدد في إدارة جانب مهم وحساس من السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وفي تقديمها له ذكرت ما قاله رئيسها بوش في اجتماع الجمعية العامة في أيلول/ سبتمبر الماضي من رغبة بلاده في تمتين العلاقة مع الأمم المتحدة وتعاونها مع أعمالها وتمني النجاح لمهماتها كأساس مهم في الدبلوماسية الأميركية. وبعد حديث صار متكررا عن أعمال بلادها في نشر الحرية والديمقراطية في العالم، لا سيما في ما يسمونه غربيا الآن بالشرق الأوسط الكبير، وذكرت أسماء بلدان متعددة، لو شرحتها لوقعت في تناقض مع ما تدعيه ووقائع الأحوال فيها، ولكنها وهذه ضمن إطار سياستها الجديدة تعتمد على الصورة التلفزيونية لما تريده واشنطن منها والإيحاء بها أمام العالم، سواء كانت لها يد فيها أو الادعاء بنتائجها. وعند وصولها لتقديم السفير الجديد الذي رشحه رئيسها بوش وصفته بالخبير والدبلوماسي البارع، والشخص المناسب لمهمته في الأمم المتحدة. وأفادت بأنها مع الرئيس بوش اختارا جون بولتون لهذا المنصب لأنه يعرف من أين يؤكل الكتف فيها. وعددت مناقبه في تشكيل تحالفات دولية لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأميركية وتنفيذ سياساتها.
ما يهم العرب منها ما ذكرت من نجاحاته فيما قام به في التفاوض مع ليبيا لتجريدها من مشاريعها في بناء أسلحة دمار شامل، وفي عمله المستمر لتغيير المنظمة الدولية وإدانة عمل وكالاتها ومنظماتها المتعددة التي تقدم خدمات انسانية عامة. والقضية الأخرى الأساسية هو ما قام به عام 1991، حيث كان مفتاح ومخطط الحملة وراء إلغاء قرار الأمم المتحدة رقم 3379 الذي يعتبر الحركة الصهيونية حركة عنصرية. ومن بعدها عمل خلال فترة 1997- 2000 مساعدا لمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، وزير الخارجية الأميركي السابق جيمس بيكر، في قضية الصحراء الغربية.
وفي رده الدبلوماسي على تقديم الوزيرة أعاد تذكيرها بسجله الحافل بمساهماته في المنظمات الدولية وقضايا التعاون والحد من التسلح والأمن الدولي ونقده لسياسات الأمم المتحدة ومنظماتها التي تنتقد الولايات المتحدة باستمرار، ومواقفه منها، ولا سيما قرار عام 1975 الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية وعمله على إلغائه، الذي به مسح أعظم وصمة لحقت بسمعة الأمم المتحدة، كما قال حرفيا.
لماذا كرر بولتون ورايس هذه القضية، التي تهم العرب أساسا، ونضالهم المشروع من أجل حقوق الشعب الفلسطيني العادلة وقرارات الأمم المتحدة، الشرعية الدولية المعترف بها؟ بالعودة إلى القرار وكيفية إصداره تعرف الإجابة عن السؤال وعن مستقبل غيره من الأسئلة المشابهة التي سيقوم بها بولتون في منصبه الجديد.
القرار 3379 صدر عن الأمم المتحدة في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1975 أقر اعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري بالاستناد إلى قرارات سابقة أصدرتها المنظمة عام 1963 داعية إلى القضاء على كل أشكال التمييز العنصري، وقرارها عام 1973 الذي أدانت فيه جملة أمور التحالف الآثم بين العنصرية والصهيونية، وإعلان المكسيك بشأن مساواة المرأة ومساهمتها في الإنماء والسلم عام 1975 والذي أعلن المبدأ القائل بأن “التعاون والسلم الدوليين يتطلبان تحقيق التحرر والاستقلال القوميين، وإزالة الاستعمار والاستعمار الجديد، والاحتلال الأجنبي، والصهيونية، والفصل العنصري والتمييز العنصري بجميع أشكاله، وكذلك اعتراف بكرامة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها”. ومعتمدة على ما صدر من دورة رؤساء دول وحكومات الوحدة الإفريقية في آب/ أغسطس 1975 والذي رأى أن: “النظام العنصري الحاكم في فلسطين المحتلة والنظامين العنصريين الحاكمين في زيمبابوي وجنوب إفريقيا ترجع إلى أصل استعماري مشترك، وتشكل كيانا كليا، ولها هيكل عنصري واحد وترتبط ارتباطا عضويا في سياستها الرامية إلى إهدار كرامة الإنسان وحرمته”. وكذلك الإعلان السياسي واستراتيجية تدعيم السلم والأمن الدوليين وتدعيم التضامن والمساعدة المتبادلة فيما بين دول عدم الانحياز اللذين تم اعتمادهما في مؤتمر وزراء خارجية دول عدم الانحياز في أغسطس 1975 واللذين أدانا الصهيونية بوصفها تهديدا للسلم والأمن العالميين وطلبا مقاومة هذه الأيديولوجية العنصرية الإمبريالية”. ولهذا عمل بولتون على إلغاء هذا القرار في 16 ديسمبر عام 1991، وهنا لا بد من التساؤل عن معنى هذا العمل ووصفه وتوقيتاته والانتباه لها ولما وراءها من دلالات سياسية وتاريخية. أليس هذا الإلغاء حاملا لأكثر من معنى وعلى أكثر من صعيد؟ ولماذا هذا القرار بالذات؟ لا شك في معرفة سيرة حياة ومواقف الذي يحتفى بتعيينه في هذا المنصب وما قدم به وعلى أساسه اختير لهذا الموقع المباشر والمؤثر على مصير المنظمة الدولية وميثاقها وقراراتها، تعكس دلالات عديدة، بل ولها معانٍ خطيرة وأبعاد أخرى، ليس أقلها أنها تنذر بعواقب شديدة وربما تأثيرات على مصائر شعوب، لا قرارات وحسب. فهو كما وصف بأنه حاد في أحكامه ويُحل الحرام ويحرم الحلال، كما يوصف، وإذا كان هذا موقفه من المنظمة ومن قراراتها فماذا يمكن التوقع منه ومن مواقفه من قرارات أخرى متواصلة مع قرار إدانة الصهيونية وتعريفها واستغلال التغيرات في موازين القوى واغتنام الفرص في إلغاء أو تحوير قرارات الأمم المتحدة رغم كل الملاحظات والاحتجاجات على ازدواجية المعايير في التعامل مع بعضها وبعض تطبيقاتها مع بعض البلدان، وفي خصوص العرب ماذا عليهم أن يتوقعوا من هذا الرجل وماذا يتوجب عليهم من استعدادات لإنجازاته القادمة؟!

إلى الأعلى