الأحد 20 أكتوبر 2019 م - ٢١ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / المعارضة .. في زمن “اليوتيوب”

المعارضة .. في زمن “اليوتيوب”

محمد عبد الصادق

شهدت دول العالم الثالث، بداية من خمسينيات القرن الماضي ـ مع ظهور حركات التحرر ونيل الاستقلال ـ أنواعا وأشكالا متعددة من المعارضة لأنظمة الحكم، وكانت الأنظمة الحاكمة تتعامل مع معارضي الداخل؛ إما بالسجن أو تحديد الإقامة أو الوصول إلى تفاهمات ووضع خطوط حمراء لا يتعدونها، وكانت المشكلة دائما في معارضي الخارج، حيث يكونون في الغالب خارج السيطرة، وكانت وسائلهم الكتابة بالصحف والمجلات الأجنبية، أو إطلاق الإذاعات الموجهة بمساعدة الدول التي احتضنتهم، لمهاجمة الأنظمة الحاكمة، بعد تقوية إرسالها لتستطيع اختراق الحدود والوصول إلى آذان المستمعين، وكانت الحكومات تجابه ذلك، بفرض رقابة شديدة لمنع دخول الكتب والصحف والمنشورات الأجنبية المشكوك في أمرها والشوشرة على الإذاعات المعادية الموجهة، بحيث تحتاج إلى هوائي ضخم لتميز صوتها بصعوبة.
مع ظهور شبكة الإنترنت، أصبحت مهمة المعارضين أكثر سهولة في ممارسة معارضتهم ونشر آرائهم على نطاق واسع عبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، سواء بالكتابة أو الصوت أو الفيديو عبر “اليوتيوب”، ورغم إنشاء إدارات لمكافحة الجرائم الإلكترونية، مهمتها تتبع أصحاب الحسابات المعارضة، إلا أن هناك استحالة في منع وصول هذا النوع من الرسائل والفيديوهات إلى مرتادي شبكات التواصل الاجتماعي، خصوصا القادمة من خارج البلاد، ولم يعد أمام الحكومات حل، سوى الرد على هذا الانتقادات وتفنيدها أو دحض الشائعات ونفيها.
في منتصف الخمسينيات ـ مثلا ـ ظهرت إذاعة “صوت مصر الحرة” وبثت برامج دعائية مضادة لثورة 23 يوليو وهاجمت جمال عبدالناصر, وكان وراء إطلاقها الصحفي الوفدي الشهير محمود أبو الفتح صاحب جريدة “المصري” الناطقة بلسان حزب الوفد ونقيب الصحفيين المصريين ـ في ذلك الوقت ـ ورغم أن أبو الفتح أيد ثورة يوليو عند قيامها، ولكنه سرعان ما انقلب عليها بسبب رفض الضباط الأحرار العودة لثكناتهم، ورفضهم عودة الأحزاب السياسية، وتمت مصادرة الصحيفة ومطابعها وهرب أبو الفتح وعائلته إلى لبنان، وهناك التقى مع السفير الفرنسي الذي دعاه لوضع خطة لتشويه سمعة عبدالناصر, واتفق معه على استخدام الترددات القوية لإذاعة فرنسا الحرة، التي أنشأها شارل ديجول في الأربعينيات، لشحذ همم الفرنسيين لمقاومة هتلر والاحتلال النازي لباريس ـ زمن الحرب العالمية الثانية.
وسبب موقف فرنسا من جمال عبدالناصر، هو قراره الشهير بتأميم قناة السويس التي كانت تديرها شركة فرنسية؛ نالت حق الامتياز من الخديوي سعيد بعد حفر القناة وتشغيلها على يد الفرنسي فرديناند ديليسبس.
جن جنون فرنسا ودبرت للعدوان الثلاثي على مصر؛ لضرب مشروع عبدالناصر بالاشتراك مع بريطانيا وإسرائيل، والتقت رغبة فرنسا مع أبو الفتح، وبثت الإذاعة نبأ مقتل عبد الناصر في غارة جوية على مبنى مجلس قيادة الثورة، واستضافت عملاء يتحدثون اللهجة المصرية، وأخذوا يهللون ويهتفون فرحا بالخبر الذي تبين كذبه.
وكثيرا ما سخر “ناصر” في خطاباته من هذه الإذاعة، عندما قال في أحدها: “تسع محطات بتهاتي ما عملت أي شيء في هذا الشعب، ولم تحقق أي هدف من أهدافها، ولغاية النهارده إذاعة “صوت مصر الحرة” بتتكلم باسم الاستعمار وبتذيع من باريس، وتعبر عن الحقد الذي يشعر به المستعمرون بعد أن فشلوا وانهزموا وانتزعنا منهم النصر”.
وبعد فترة قصيرة، فشلت “صوت مصر الحرة” في تحقيق أهدافها وتوقف بثها، بعدما انصرف عنها المستمعون، وعقب حرب السويس تم سحب الجنسية المصرية من أبو الفتح وأعطاه نوري السعيد الجنسية العراقية؛ نكاية في عبدالناصر، ولكن سرعان ما سحبها منه عبدالكريم قاسم بعدما استولى على السلطة في العام 1958م، ومات أبو الفتح غريبا وحيدا في أوروبا في نفس العام ولم تقبله أي دولة عربية ليدفن فيها ـ سوى تونس ـ حيث كان الحبيب بورقيبة على خلاف شديد مع عبدالناصر.
واستمر استخدام المعارضين للإذاعات الموجهة في السبعينيات لمهاجمة نظام السادات، الذي كانت له عداوات مع معمر القذافي وصدام حسين الذي قاد جبهة الصمود والتصدي، وتعرض لحملة شرسة من معارضيه، بسبب توقيعه معاهدة كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل، وعقب ظهور الفضائيات توقف استخدام الإذاعة، وتحول المعارضون للمحطات الفضائية لممارسة هجومهم على الأنظمة الحاكمة، ومع ظهور شبكة الإنترنت في التسعينيات، وجدت المعارضة ضالتها، فمن خلالها سقطت أنظمة وتم عزل حكام ظلوا صامدين في كراسيهم سنين طويلة.

إلى الأعلى