السبت 19 أكتوبر 2019 م - ٢٠ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / إحاطة أممية بعين واحدة

إحاطة أممية بعين واحدة

احمد صبري

لا نبالغ إذا قلنا إن الإحاطات التي تقدمها بعثة الأمم المتحدة (يوناني) إلى مجلس الأمن حول الأوضاع في العراق افتقدت للمصداقية، ولم تلامس الحقيقة، وهي عادة ما تجامل الحكومات المتعاقبة من دون أن تحدد مسؤولية الأطراف التي ساهمت في تردي الأوضاع السياسية والأمنية والصحية والاجتماعية والتربوية.
وقراءة متأنية لآخر إحاطة قدمتها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس إلى مجلس الأمن في التاسع والعشرين من الشهر الماضي تؤكد ما ذهبنا إليه فغابت عن إحاطتها أو تناست عن ذكرها ملفات غاية في الخطورة، وهي مصير المفقودين والمغيبين ومحنة المعتقلين، وتحول العراق إلى غابة للمخدرات وللسلاح بفعل تغول ميليشيات الحشد الشعبي في الحياة السياسية.
كما غاب عن إحاطة ممثلة الأمم المتحدة في العراق محنة النازحين التي تحولت خيامهم إلى وطن بديل، وما يجري في حزام بغداد وسامراء وصلاح الدين والأنبار ونينوى وديالى من تغيير ديمغرافي واعتقالات وتهجير قسري ينذر بصراع خطير.
وفي إشارة عابرة، مشددةً على الأهمية القصوى لضمانات قوية بشأن الاحتجاز والإجراءات القانونية والمحاكمة العادلة، وفي محاولة لإيهام المجتمع الدولي بحقيقة الأوضاع بالعراق نقتبس من إحاطتها ما يلي: “الحقيقة القاسية هي أن الحكومة تحتاج إلى الوقت لتحقيق الوعود. ولا يمكنها القيام بذلك وحدها.. إنها مسؤولية مشتركة”.
وهنا نسأل: هل يكفي 16 عاما للحكومات المتعاقبة كي تفي بوعودها؟ أم أن المسؤولة الأممية تحتاج إلى وقت ربما يتجاوز المهلة الماضية كي يستمر الوجود الأممي في العراق وما يترتب عليه من هدر أموال العراق لتغطية مهمة بعثتها بالعراق؟
وهنا نستغرب إغفال المسؤولة الأممية التنبيه إلى مخاطر استشراء الفساد وهدر المال العام، وهو الأمر الذي أشار إلى مخاطرة حتى الحكومات المتعاقبة. وعندما نستعرض الإحاطة الجديدة لبعثة الأمم المتحدة التي ينبغي أن تتمتع بالمصداقية والشفافية فإننا نكتشف أنها تعاملت مع التحديات الخطيرة التي يواجهها العراق بعين واحدة، وأغفلت في تحديد مسؤولية المتسببين في استمرارها.
وعندما تستذكر هينيس ـ بلاسخارت “الأهمية التاريخية” لزيارة وفد مجلس الأمن لبغداد في 29 حزيران/يونيو 2019 فإننا نتساءل: ماذا حققت هذه الزيارة الأممية للعراق؟ هل زارت جرف الصخر وكشف ما يجري في هذه المدينة المعزولة عن العالم وأيضا الرزازة والصقلاوية وحزام بغداد أو زارت نينوى التي تحولت إلى ركام وأثر بعد عين؟ وهل اصطحبت بعثة مجلس الأمن لزيارة المعتقلات والسجون لتطلعهم على المآسي والجرائم التي ترتكب بحق آلاف المحتجزين لتنصفهم ولو بسطر في إحاطتها؟
وفي محاولة لذر الرماد في العيون تقول المبعوثة الأممية في العراق:
إنه رغم عودة 4.3 مليون شخص إلى ديارهم، فإن وتيرة العودة قد تباطأت ولا يزال حوالي 1.6 مليون نازحٍ ينتظرون بشدّة العودة إلى ديارهم بأمان وكرامة.
ونصحح أن عدد النازحين الذين عادوا إلى ديارهم يتجاوز المليون بقليل، اضطر بعضهم إلى العودة من حيث أتوا بسبب تدمير مدنهم وخلوها من أي خدمات للعيش، كما أن المتبقي من النازحين يتجاوز ثلاثة ملايين لا يزال الكثير منهم ممنوعين من العودة لديارهم لأسباب أمنية أو طائفية.
وإمعانا بالتضليل رحّبت هينيس-بلاسخارت بجهود الحكومة لوضع جميع المجموعات المسلحة تحت سيطرة الدولة، في حين أنها تعرف أن هذه الميليشيات أصبحت أكبر من الدولة ولا تأتمر بقراراتها وهي تتلقى الأوامر من خارج الحدود ومنخرطة في عملية الصراع بالوكالة في المنطقة، ومع هذا تتحدث عن المساعي الوطنية والدولية الرامية لإعادة بناء عراق مستقر ومزدهر؟
وعندما نضع هذه الحقائق أمام المسؤولة الأممية فإننا نتطلع إلى أن تأخذها بنظر الاعتبار في إحاطتها المقبلة لتضع المجتمع الدولي ممثلا بمجلس الأمن أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية بالتعاطي مع بلد احتل ودمر خارج ولايته بأكاذيب كشفت فيما بعد بطلانها تعاقبت عليه حكومات فاسدة فشلت في إدارة شؤون العراق، وحولته إلى ضيعة للفاسدين وبلد منكوب وباب للمخدرات ومسلوب الإرادة تتحكم بمستقبله قوى وأحزاب استقوت بنظام المحاصصة الطائفية لتقصي وتهمش الآلاف من خصومها زادت من معاناة العراقيين، وخلفت ملايين العاطلين عن العمل والأرامل والأيتام والنازحين والمعتقلين والمغيبين وهدر نحو ألف مليار دولار ذهبت إلى جيوب اللصوص وحيتانهم من دون أن يرى العراقيون النور في نهاية النفق.
ونختم بالقول للمسؤولة الأممية: إن الشمس لا تحجب بغربال.

a_ahmed213@yahoo.com

إلى الأعلى