الأحد 20 أكتوبر 2019 م - ٢١ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام (26)

مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام (26)

بقي لدينا أمر مهمٌ جداً في موضوع الحقوق ومنظومته وهو يصب في مصلحة التناغم بين الحق ومتعلقه تناغماً ذاتياً، وليس تناغماً اعتبارياً، ومن الطبيعي أن معرفة هذه الخصوصية الخاصة لا يمكن إدراكها بسهولة ولربما تكون مستعصية على الإنسان الذي لا يقف على حقائق الأشياء بكل جهاتها وعوالمها ومراتبها.
هناك لعبة تسمى بلعبة بــ(بانوراما الألغاز)، وهي لعبة أقرب ما تكون إلى الأشكال الهندسية، والمطلوب فيها أن يوضع كل شكل في محله حتى تتكامل اللوحة لتظهر لنا رسماً أو صورة لمعلم ما، أو لإنسان ما وهكذا، ولا يمكن إحلال أي شكل محل شكل آخر لأن القصة التي تم قص الشكل عليها لا يمكن لأي شكل آخر أن يحل محله، لهذا تعد اللعبة من المحفزات العقلية والذهنية للتفكير، وهنا نطرح هذه التساؤلات: ترى ما علاقة (بانوراما الألغاز) بموضوع )الاحتياج الذاتي(؟!. وهل لمعرفة تلك اللعبة أثرٌ على ما نحن فيه من مسائل (الحق والحقوق)؟! وهل يوجد في حياتنا “بانوراما” الاحتياج الذاتي للإنسان والكائنات؟!.
إن الإنسان يتشكل من كل من:(البدن)، (الروح)، (النفس)، (العقل)، ونقول إن هذا الرباعي من قبيل “بانوراما الألغاز أو الألعاب، فإن )العقل( يريد التزود بالمعارف والثقافة، إلا أننا نجد في الساحة الفكرية والمعرفية مجموعات هائلة وكثيرة وكبيرة من المعارف والثقافات، ومنها ما يتعلق بموضوع الحقوق، وهنا سيطرح هذا التساؤل: هل كل الثقافات والمعارف المتعلقة بالحقوق بالخصوص والتي في الساحات الإنسانية تركب على الطبيعة العقلية، وعلى ما صمم عليه؟! هل كل تلكم الثقافات والمعارف المطروحة في الساحات البشرية هي كلها يحتاجه العقل؟! ومثل هذا الكلام يجري على كل من (البدن)، و(الروح)، و(النفس) .. فتأمل!.
فهل كل الأطعمة والأغذية الموجودة على وجه الأرض تنفع الإنسان؟!، وتنسجم مع تركيبته المركبة من ذلك الرباعي؟!،
حيث أن النظرة غير محددة فقط بمستوى البدن فنقول أن الغذاء الفلاني يتلائم مع البدن، أو لا أقل لا يضره، وإنما الكلام في ملائمة ذلك الغذاء لكل ما في هذا الإنسان من مركبات مادية ومعنوية، إنه لمن المهم فهم العلاقة بين تركيبة الإنسان وبين (الغذاء) (البدني والعقلي والروحي والنفسي)، وذلك لاختيار ما يناسبه وما لا يناسبه، وبالتأمل والنظر فيما يحيط بالإنسان، ويقع ضمن دائرة تفاعله فسوف تتسع النظرة البانورامية، فعلى سبيل المثال: إن الماء يقع ضمن احتياجات الإنسان، وعليه استعماله بمقدار حاجته، وأن يتجنب الإسراف، وأن يحافظ على البيئة المائية من التلوث والنقصان، وأن ينتبه إلى احتياجات سائر الكائنات الحية إلى الماء، فهو ليس الوحيد منها من يحتاج إليه، وهذا يعني أن على هذا الإنسان تحديد إطار احتياجه للماء وإطار استعماله له، والكلام المتقدم يجري أيضاَ على الهواء بكل أصنافه، والتراب، وعلى ما يحيط به من البيئة النباتية والحيوانية والسمكية وكذاك بيئة الطيور، فإن البحث عما يناسب الإنسان وتركيبته من هذه المجموعة الكبيرة، ونحو متزن معتدل من غير إفراط ولا تفريط لن كون أمراً هيناً ولا سهلاً.
وهنا فإننا نضطر للبحث عن المدرسة (المنهج والطريق والأفكار وما يصدر من الإنسان لبناء نفسه ومحيطه) التي تحمل مشروعاً بانورامياً دقيقاً يستطيع أخذ الشئ المناسب وبحجم مناسب وبكمية مناسبة ولربما يدخل في هذا عامل الزمان والمكان المناسبين ووضعه في محله المناسب وبدقة متناهية، وهنا يطرح هذا التساؤل والذي نطرحه وبشكل مستمر: هل توجد مدرسة بشرية تتمكن من وضع هكذا مشروع للبشرية جمعاء؟!.
الجواب: ستتفق معي في عدم وجود مدرسة بشرية بهذه القدرة، ولربما يقرب هذا إلى الخيالـ ولكن .. نرى استحالة انعدام هكذا مشروع من حياة الإنسان والوجود، فإن الطبيعة التي عليه هذا الإنسان والوجود من الدقة والتناسق والتناسب والانتظام تأبى عدم وجود مشروع بمستواه، فالوجدان يشهد أن المنظومة الوجودية هي التي تقودنا إلى القول باستحالة عدم وجود هكذا مشروع.
وهنا سيرد هذا التساؤل أيضاً: أن يكون المشروع بذاته يعمل فهو أمر مستحيل، إذن لابد وأن يكون هناك من يعمل على تحقيق هذا المشروع في حياة الإنسان، وعلى رفع مستواه إلى درجة التكامل والرقي التام، فمن يقف وراء هذا المشروع العملاق؟!، لقد أصبح الجواب عندك عزيزي القارئ.

هلال بن حسن اللواتي

إلى الأعلى