السبت 19 أكتوبر 2019 م - ٢٠ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / تونس مرة أخرى..
تونس مرة أخرى..

تونس مرة أخرى..

أجريت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التونسية، هذا الأسبوع، وشهدت مؤشرات النتائج اقتراب المرشحين قيس سعيد ونبيل القروي من خوض جولة الإعادة بعدما حصل كل منهما على 18.4% و15.6% على الترتيب من إجمالي أصوات الناخبين الذين بلغت مشاركتهم 45% من أصل نحو 7 ملايين ناخب.
من يتابع النتائج الأولية للانتخابات التونسية، ويلقي نظرة على توزيع أصوات الناخبين يكتشف أن هناك معطيات اجتماعية وسياسية جديدة أفرزتها العملية الانتخابية خلال المراحل السابقة منذ ثورة الياسمين 2011، منها أن الناخب التونسي لم ينجذب إلى أي من الشعارات التقليدية، سواء دينية ممثلة في عبدالفتاح مورو بثقله وتاريخه السياسي والحزبي أو تميل بعض الشيء إلى العلمانية مثل عبير موسى القادمة من زمن زين العابدين وتحمل عداءً خالصًا لتيار النهضة؛ بل إن الناخب لم ينجذب أيضًا إلى المعارضة أو ممثلي الحكومة، وجاء تحيزه للمواطن البسيط المتعلم قيس سعيد فأعطاه أكثر الأصوات، وتبعه في الترتيب نبيل القروى الذي استعد مبكرا ببرامج المساعدات الإنسانية والتي أثرت في قطاع ليس بالقليل ممن انجذبوا إلى تلك الهدايا بدافع الاحتياج أو النيات الحسنة، وصاحب ذلك الدعاية المجانية التي اكتسبها كضحية تتصارع مع أهل الحكم، وهذه النوعية من الصراعات تجذب الناس بطيب خاطر، فاستنبط الشارع التونسي اختراعا جديدا لم يعرف له مسمى من قبل، وهو صناعة تونسية خالصة تنسجم مع تطلعات الأغلبية الساحقة من أفراد الشعب.
أثناء متابعتي للدعاية الانتخابية مع الأسر التونسية، لم أجد إجماعا أسريا على مرشح أو محاولة إجبار على تبني مرشح بعينه؛ بل كانت كل النقاشات تدور وكأنك تشاهد مناقشة برلمانية بين المعارضة وأهل الحكم، وكل يدلي بدلوه حسب ثقافته ودرجة تحصيله العلمي ومدى تصوره لما يقدمه المرشح القادم، ويكون في النهاية الاختيار حسب البرنامج الذي يلائم الصوت الانتخابي.
هذه النقاشات مع الناخبين جذبتني للذهاب إلى مركز اقتراع المغتربين بالسفارة التونسية بمسقط والذي شهد حضورًا جيدًا، فتأكد يقيني في أن الأصلح هو من سيختاره الناخب، فكل ناخب يدخل بهدوء يعطي صوته وينصرف، ولم أشاهد أي مناقشة أو تأثير بين ناخب وآخر كتلك النقاشات التي تدور أحيانا مثل من سترشح؟ أو لمن أعطيت صوتك؟
وجاءت النتائج التمهيدية التي أعلنتها مؤسسة “سيغما كونساي” باحتلال قيس سعيد صدارة الترتيب، يليه نبيل القروي، ومن خلفهما باقي المرشحين، ليتأهب المرشحان لخوض جولة الإعادة لاختيار الرئيس الجديد، وأيًّا كانت النتائج النهائية ومن سيفوز بها، فإن الفائز الأول هو هذا الناخب الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع وهو يحلم بأن تستمر مسيرة الديمقراطية والحرية والأمل في غد أفضل.
كما أن تونس برهنت على (الألفة) المجتمعية، وأنها ما زالت صاحبة المركز الأول في الوعي السياسي والمجتمعي، وتثير الإعجاب بتفوقها في معادلة الديمقراطية العربية، والبحث عن استنباط جديد يصب في مصلحة التنوير القادم من المغرب العربي إلى الشرق والشمال والجنوب، فقط يتبقى الجولة النهائية والتي سيسبقها نزال آخر للانتخابات التشريعية والتي يأمل الشارع التونسي أن يكون الوفاق هو عنوانها بين ممثلي المجلس التشريعي والفائز برئاسة الجمهورية؛ إنها الديمقراطية التي نحلم أن تمتد إلى كل شارع عربي.

جودة مرسي

إلى الأعلى