الأحد 20 أكتوبر 2019 م - ٢١ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / بوتين محلل شرعي

بوتين محلل شرعي

أحمد مصطفى

استرعت انتباهي في قمة اسطنبول بين تركيا وإيران وروسيا بشأن روسيا جلسة الرؤساء الثلاثة على المنصة في المؤتمر الصحفي الذي أعقب المباحاثات. فقد جلس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المنتصف بين الرئيس التركي رجب أردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني. تتجاوز الدلالة بالطبع أي ترتيب بروتوكل أو الترتيب لصورة ما، وقد أكد بوتين ذلك المعنى باستشهاده بآيات من القرآن الكريم في رده على أسئلة تتعلق بالأحداث الجارية في المنطقة من السعودية إلى اليمن. وكأنما أراد بوتين أن يظهر للعالم، والعربي والخليجي منه بخاصة أنه يقوم بدور قيادي في “محور” آخر أمام محور تقوده أميركا. فالرئيس بوتين، الذي أعاد بناء الدولة الروسية بعد فترة انهيار في ظل حكم بوريس يلتسين وما سبقه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، لا يقر بنهاية العالم ثنائي القطبية.
كانت القمة الثلاثية بالأساس لمناقشة الوضع في سوريا وتحديدا مصير ما تبقى من الجماعات الإرهابية في إدلب والتدخل العسكري التركي في سوريا (وهو عمليا احتلال لا ينقصه سوى الضم على طريقة إسرائيل مع فلسطين). ولا مكان للتساؤل: كيف يناقش وضع سوريا ومستقبلها في غياب السوريين؟ ولنا فيما يجري بشأن فلسطين نموذجا، إذ تطرح أميركا وغيرها المبادرات والقرارات والاتفاقات وتعمل مع القوى الإقليمية على تمريرها طالما وافقت عليها إسرائيل. وبما أن إيران وتركيا على خلاف بشأن في سوريا، فتركيا مع الجماعات وإيران مع الدولة والحكومة فإن بوتين الذي يبدو مع الدولة والحكومة لا يريد أيضا أن يخسر من مع الجماعات، لأن السياسة لا تعرف تحالفات دائمة وتحمل المفاجآت دوما. لكن الرئيس الروسي يدرك أيضا أنه يتعامل مع قوتين إقليميتين تختلفان أيديولوجيا ضمن العالم الإسلامي ليس فقط لزعامة إيران لطوائف الشيعة وسعي تركيا لزعامة السنة، وإنما لأن كلتيهما من البراغماتية والانتهازية السياسية بالقدر الذي يعني تجاوز ذلك الانقسام الطائفي لحساب المصلحة الآنية.
وفي ظل حاجة إيران إلى استمالة تركيا في الصراع الإقليمي الأوسع في المنطقة من غير المتوقع أن تتخذ موقفا متشددا بشأن سوريا، وكذلك تركيا التي انحسر دورها الإقليمي بشدة مع كسر شوكة “الجماعة” الحليفة لها في دول عدة آخرها تونس لم تعد ترفع شعارات عنترية وإنما تركز على حدودها وحمايتها. هذا بالإضافة طبعا للمشاكل الداخلية التي يعاني منها البلدان المختلفان طائفيا وسياسيا فإيران تعاني من عقوبات وتوتر مع الولايات المتحدة وجيرانها الخليجيين وتركيا تعاني انشقاقات سياسية وضغطا اقتصاديا داخليا مع ضياع فورة النمو الاقتصادي. وفي ظل هذا الوضع للطرفين اللذين اجتمع معهما بوتين أعد روسيا “بديلا مؤقتا” يمكن استخدامه في محاولة العودة للأسرة الدولية، وبمعنى أكثر وضوحا الاتفاق مع أميركا والغرب.
الواضح أيضا أن روسيا تدرك هذا الوضع ولا تبالغ في قدراتها الإقليمية والدولية، حتى مع وجودها العسكري في المنطقة عبر قواتها في سوريا وتعاونها مع دول أخرى مثل مصر وغيرها. لكن سعي بوتين للعب دور دولي لا يترك له أفضل من هذه المنطقة المضطربة وأطراف صراعاتها التي تعاني من ضغوط ليمارس نفوذا يمكنه من كسب أوراق في اللعبة الدولية مع أوروبا وأميركا. وبما أن الصين، حتى الآن على الأقل تركز على الدور الاقتصادي ولم تبرز تطلعاتها السياسية بعد، فتلك فرصة بوتين التي لا يجب أن يفوتها. ولأن بوتين يأتي من خلفية استخباراتية من زمن الاتحاد السوفييتي فهو يعرف المنطقة العربية والعالم الإسلامي، وربما هذا ما دفعه لمحاولة ارتداء “عمامة” وسطية في تصريحاته في المؤتمر الصحفي بعد قمة اسطنبول. ولأنه أمام كاميرات الصحفيين وميكروفوناتهم فجاء استخدامه لآيات القرآن موجها لشعوب المنطقة المعروفة بتدينها بدرجات متفاوتة.
طبعا لا ينتظر الإيرانيون ولا الأتراك من بوتين أن يكون “قائدهم” في صراع دولي يجري على أرض المنطقة في بؤر عدة، لكن ليس أمامهم عمليا سوى محاولة تصوير أن هناك “محورا آخر” يواجه المحور الأميركي ـ الإسرائيلي. وهنا بالتحديد لا يتجاوز الدور الروسي ما يقوم به “المحلل الشرعي” الذي يستعان به للالتفاف على الطلاق والعودة إلى الزواج. ولا بأس لدى بوتين أن تلعب روسيا ذلك الدور طالما أنه يفيد استراتيجيتها طويلة الأمد بألا تغيب كقوة دولية عن ساحة التفاعل قبل بروز نظام عالمي جديد. وبالنسبة للطرفين الإقليميين تركيا وإيران فالخيارات محدودة وليس هناك سوى روسيا ـ بوتين في الوقت الراهن. والمثير في الأمر أن الأطراف كلها تدرك أهداف بعضها والانتهازية السياسية فيها، لكن التفاهم هو من باب “فقه الضرورة” الآنية. وبما أن الرئيسين الإيراني والتركي مسلمان، بغض النظر عن مذهبيهما، فإن بوتين كان الكاسب الوحيد بإشاراته لآيات القرآن الكريم في إيضاح موقفه من الأحداث الجارية في منطقة أغلبيتها من المسلمين.
ومع إدراك بوتين لأن دوره ربما لا يتجاوز مهمة المحلل الشرعي إلا أن الاستفادة القصوى من أي موقف هي سياسة تساعد على بلوغ الأهداف، خصوصا وأن القمة حول سوريا وتحديدا بشأن مصير جماعات أغلبها يرفع شعارات دينية متشددة. فجاء كلام بوتين ربما أكثر اعتدالا من نظيريه الإيراني والتركي.

إلى الأعلى