الأحد 20 أكتوبر 2019 م - ٢١ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الغذاء والأرجنتين والترقيع

الغذاء والأرجنتين والترقيع

عادل سعد

تعددت أسباب اللجوء إلى إعلان حالات الطوارئ في العالم لمواجهة الكوارث التي تصيبنا، أفرادا وجماعات، الأسباب كثيرة، اجتياحات عواصف وأعاصير، أو فيضانات، أو جفاف، أو زلازل، أو بؤر فوضى واحتكاكات إرهابية، أو هجمات جراد، أو قوارض، أو تغول فاسدين. ولكن أن تكون المطالبة بإعلان حالة الطوارئ لأسباب غذائية فإن للحال شأنا آخر لا بد أن يستوقفنا بالمزيد من الاستغراب والانتباه إذا أخذنا بالمراجعة أنها المرة الأولى التي تتم فيها الدعوة إلى إعلان حالة طوارئ من هذا النوع؛ أقصد هنا ما حصل في الأرجنتين خلال الأيام القليلة الماضية عندما طالبت هيئات برلمانية ومنظمات مدنية وكنائس إعلان ذلك، نظرا لتفاقم أزمة الغذاء في المتوافر وارتفاع الأسعار واختفاء بعض الأغذية الأساسية.
وقياسا على حجم المعلن من تلك الأزمة، يتبين بأن ما تعانيه الأرجنتين لم يكن فقط نتيجة ركود اقتصادي وبطالة وفاقة وانحسار تنموي، وفوضى سياسية متكررة، بل والجنوح إلى الترقيع، وليس إلى المعالجات الجذرية التي يمكن أن تتصدى بجدارة للمشكلة.
إن نسخة الاقتصاد الارجنتيني مشابهة لواقع بعض الدول النامية التي تحاول الاقتراب من متطلبات النشوء الاقتصادي بالحال الذي عليه مجموعة الدول الناشئة (البريكس)، البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا، لكنها في الوقت نفسه ما زالت تخضع لنفوذ مضاربات السوق، وتتعرض إلى متاعب لصعوبة السيطرة على تحديات خلاصاتها الانكشاف.
واستطرادا، إذا كانت الأرجنتين قد استجمعت حالها في احتمال اللجوء إلى إعلان طوارئ غذائية رغم ما تمتلكه من ثروة زراعية هائلة وموارد طبيعية متنوعة فإننا عربيا بحاجة ماسة إلى إجراءات من هذا النوع في أكثر من بلد واحد بمساهمات تكاتفية بين كل مكونات الدولة الواحدة؛ لأن احتمالات الإصابة بذات الداء الأرجنتيني على الطريق إن لم تكن بعض الدول العربية قد أصيبت بهذا العارض لكنها تتستر عليه.
إن أربعة إلى خمسة اقتصادات عربية تظل مرشحة لإعلان طوارئ غذائية إذا لم تتمكن أن تعيد النظر في أولويات السياسات التنموية القائمة الآن بعيدا عن عمليات الترقيع، وإعادة النظر في أسبقيات التنمية على أساس قيم التضامن الوطني في مواجهة هذا التحدي، وليس فقط بتحميل الحكومات المسؤولية الكاملة عن ذلك.
إنني إذ أشير إلى هذه النقطة الجوهرية في التعاطي مع الأزمات التي تضرب بعض البلدان العربية، فإن من المنطق أن نتناول حقيقة أن أغلب هذه البلدان تعتمد على الغذاء المستورد بين أربعين إلى ستين بالمئة من حاجتها الغذائية، كما أنها تعاني أيضا من توسع انحسار الرقعة الزراعية مع شحة في مصادر المياه ونقص في جودة المنتج، إضافةً إلى أنها تفتقر إلى منظومة تعاون ينبغي أن تسود بينها في تكوين سلة غذائية مشتركة تخفف من وطأة اعتمادها على ما تستجلبه من واردات غذائية خارجية، مع ملاحظة أن اقتصاد الأرجنتين أرجح كفاءة من اقتصادات البلدان العربية المقصودة.
إن السنوات المقبلة هي سنوات تفاقم الحاجة إلى المزيد من المصادر الغذائية قياسا بالنمو السكاني، وما تفرضه تجارة الغذاء في العالم من تقلبات، إضافةً إلى المخاوف المناخية والبيئية المحتملة التي يمكن أن تؤدي إلى نقص شديد في حجم المقادير الغذائية المطلوبة للاستهلاك. وإذا كان قد قيل (أطعم الناس أولا ثم حاسبهم على الفضيلة)، فإن بلدانا عربية بعينها ذات الكتل البشرية الكبيرة قد تكون مرشحة للوقوع في حيز النقص الغذائي الكبير، ليس فقط في المعروض منه وإنما صعوبة الطلب عليه نتيجة البطالة واتساع العوز الاقتصادي.
ولنا أيضا أن نشير إلى ضرورة الابتعاد عن نزعة الإسراف، وبالمقابل لملمة الأوضاع باتجاه سياسات تنموية لا تسمح بحصول ثغرات أيا كان حجمها، والكف عن الاستنفار الزائف.
علينا أن نفكر عربيا إلى الحد الذي نرى فيه إلقاء كيس بلاستيك واحد على شواطئ منطقة مائية، أو في حقل زراعي قد يكون تورطا في تبديد وإهدار فرصة غذائية، وتصنيع جوع لأكثر من مواطن واحد.

إلى الأعلى