الأحد 20 أكتوبر 2019 م - ٢١ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / المرحلة التالية حبلى بالتطورات

المرحلة التالية حبلى بالتطورات

علي بدوان

تشي الوقائع على الأرض بأن السلطة الوطنية الفلسطينية باتت مقتنعة اليوم أكثر من أي وقت مضى بضرورة تغيير نهجها وأسلوب تعاملها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، والانتقال إلى حالة من التصعيد السياسي والدبلوماسي والشعبي، ومواجهة سياسات الاحتلال وحكوماته المتعاقبة، والقائمة على المراوغة وكسب الوقت لفرض وقائع تهويدية زاحفة جديدة. كما في الدخول بعملية مواجهة سياسية مع الجانب الأميركي. وبالفعل تم هذا الأمر عندما قررت السلطة الوطنية الفلسطينية قطع الاتصالات مع الإدارة الأميركية، وعدم استقبال ممثليها ومبعوثيها إلى المنطقة، وهو القرار الذي ما زال ساريا منذ أكثر من عشرة أشهر حتى الآن، وكذلك رفض مبادرات واشنطن وصفقاتها المنحازة للجانب “الإسرائيلي”.
وحقيقة، إن المزاج العام في فلسطين يصرخ بأعلى الصوت، ويطالب بالتعجيل والإسراع والعمل على تنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقرار الرئيس محمود عباس بوقف العمل بكل الاتفاقيات التي أبرمت مع الاحتلال دون مواربة ودون لف أو دوران، وإعلان موت اتفاقية أوسلو وتبعاتها وملحقاتها، وما يتعلق بكل ملفاتها السياسية والأمنية والاقتصادية، والعودة إلى خيارات الشعب الفلسطيني ومطالبه الصريحة والواضحة في التصدي للاحتلال بكافة الوسائل المشروعة والمتاحة في ظل ما يعلن اليوم عن ما يسمى بــ”صفقة القرن” ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية.
القرار جاء لأن السلطة الوطنية الفلسطينية لم يعد في مقدورها أن تكون بلا سلطة، وهي أمام تحديات جسيمة تتعرض لها، وآخرها الهدم في مناطق (أ) جنوب القدس في (صور باهر) وحي وادي الحمّص، وقبله احتجاز أموال المقاصة التي تعود للجانب الفلسطيني لقاء الضرائب المجباة عن البضائع المتدفقة باتجاه مختلف مناطق الضفة الغربية، والأزمة المالية التي تعيشها السلطة الوطنية الفلسطينية بشكل عام، ما أثّر سلبا بقطاع مجتمعي واسع يتمثل بموظفي الحكومة في عموم المناطق المحتلة عام 1967 وقطاع غزة.
نعم، لم يعد لدى السلطة الوطنية الفلسطينية ما بإمكانها التنازل عنه. حقيقة تتردد كل يوم، وتصرح بها قيادات السلطة الوطنية الفلسطينية وعموم القوى والفصائل في رام الله وعموم فلسطين والشتات، منذ بدأت علائم “صفقة القرن” الأميركية المسمومة بالظهور، مع اعتراف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالقدس عاصمة لكيان دولة الاحتلال وما تبع ذلك من إجراءات، كان من بينها أيضا الاعتراف الأميركي بضم الجولان السوري المحتل من قبل دولة الاحتلال.
وفي هذا السياق، فإن الضغوط المسلطة على السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها المرجعية العليا لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وعلى شخص رئيسها محمود عباس يتكرر الآن، في استحضار (فج) لمقولة “إسرائيلية” سابقة، عن “فقدان الشريك الفلسطيني”، وهي مقولة سبق وأن تم العزف على وترها “إسرائيليا” وأميركيا، أيام الرئيس الراحل ياسر عرفات.
وفي مسارات الضغط يتم الآن أيضا استمرار دولة الاحتلال في مشاريعها التوسعية في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، وصولا إلى قيام الراعي الأميركي بمحاولة سحب آخر ما بقي من أوراق قوة من يد السلطة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني. وتجفيف مواردها المالية، وموارد وكالة الأونروا توازيا مع السعي إلى شطب قضية اللاجئين الفلسطينيين والتي تشكل عنصرا مهما من عناصر القضية الفلسطينية. كل تلك المعطيات أوصلت السلطة الوطنية الفلسطينية لرفع الصوت عاليا ضد ممارسات كل من الولايات المتحدة و”إسرائيل” واتخاذها قرارها بتعليق العمل بالاتفاقيات الموقعة. وتهديدهما بالانفكاك من “التزامات أوسلو”. لكن استمرار الضغط الخارجي والإقليمي قد يعطي القرار إياه المتخذ فلسطينيا “طابع التذبذب في ظل تلك التهديدات” اليومية التي تلوح بها دولة الاحتلال والإدارة الأميركية، رغم أن “السيل بلغ الزبى”، وخصوصا أن دولة الاحتلال تتحكم بكافة خيوط اللعبة على الأرض، وعلى سبيل المثال بإمكانها قطع الكهرباء عن الضفة الغربية بحجة عدم دفع المترتبات المالية، وبإمكانها أيضا فرض حصار جزئي أو كلي على حركة مسؤولي وقيادات السلطة، وفي المقابل فإن السلطة الوطنية الفلسطينية بوضع صعب، وحرج، وغير مهيأة لأي رد فعل “إسرائيلي” سوى إرادة الناس ونزولها للشارع.
وعلى الأرجح، إن السلطة الوطنية الفلسطينية، وفي تحركها السياسي، أرادت وقف العمل بالاتفاقيات من جانب واحد، لتحقيق ثلاثة أهداف: أولها لإعطاء الجمهور الانطباع بأن السلطة الوطنية الفلسطينية لديها المزيد من الأوراق لمواجهة سياسات الاحتلال، التي لا يمكن لها أن تجبرها على الخضوع والنزول عند إملاءاتها في نهاية المطاف. وثانيها لخلق جو من الترقب والانتظار وتوقع حدوث تطورات ما، ذات بعد إيجابي، على صعيد الإقليم وعموم المنطقة. وثالثها محاولة إثارة الدول الأوروبية، وخصوصا دول الاتحاد، لتقوم بعمل ما والتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في مناورة محقة ومشروعة لاستدعاء ضغط دولي على الاحتلال لإجباره على التزام الحدّ الأدنى من بنود الاتفاقيات الموقعة، وترسيخ حل الدولتين بدلا من نسفه، بدلا من سياسة الانتظار والمراوحة، التي تجلب المزيد من الضم الزاحف للضفة الغربية واستمرار عملية تهويد القدس، انتقالا لتهويد مدينة الخليل كما اتضح في زيارة نتنياهو الأخيرة للمدينة وللحرم الإبراهيمي، وتهييج جمهور المستوطنين في المدينة.
المرحلة القادمة قد تكون حبلى بالتطورات، فالإدارة الأميركية تُعيد الآن ترتيب أمورها، من إزاحة الرجل الصقري جون بولتون، إلى استقالة المبعوث جيسون جرينبلات، إلى التأجيل المتواصل للإعلان الرسمي والكامل لمشروع “صفقة القرن”، وانتظار نتائج الانتخابات التشريعية “الإسرائيلية” للكنيست الـــ22.
وفي الجانب الفلسطيني، إن المطلوب الآن، وعلى درجة من الأهمية، يفترض اتخاذ قرارات جريئة تعيد توحيد الصف الفلسطيني تحت راية العمل الكفاحي في مواجهة الاحتلال ومجموعات المستوطنين المسلحين بكل أشكاله الممكنة، وخصوصا الكفاح الشعبي السلمي، حيث لا تزال التجربة تثبت التجارب أنه الأنجع.
أخيرا، إن مواجهة “صفقة القرن”، يتطلب، تحقيق وحدة وطنية فلسطينية فعالة، وإنهاء كل عوامل التوتير والانقسام في الساحة الفلسطينية، ونجاح اللجنة التي شُكّلت لإقرار آليات لتعليق العمل بتلك الاتفاقيات منوط بعدة شروط، أبرزها ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية الائتلافية، ودون الشراكة والوحدة سيكون إعلان وقف الاتفاقيات خطوة منفردة وقفزة في الهواء.

إلى الأعلى