الخميس 17 أكتوبر 2019 م - ١٨ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ينابيع المعرفة أطفأت حمم الحروب (3ـ8)

ينابيع المعرفة أطفأت حمم الحروب (3ـ8)

سعود بن علي الحارثي

ثالثا: ما خطه القلم بين مسقط وميونيخ .
من مطار مسقط الدولي، بتصاميمه المريحة ومرافقه الهادئة وإجراءاته السهلة وصخب مسافريه الذين انشغلوا بتفقد جمالياته التي تدعو إلى التأمل والإعجاب، تحركت طائرة النقل الوطني في الساعة الثانية والربع ظهرا، عبر مدرجه الطويل محلقة شيئا فشيئا في سماء مسقط (العامرة)، ومنها عبر محيطات وبحار وأجواء دول كثيرة إلى مطار ميونيخ (فرانس جوزف ستراوس)، الذي يستقبل في العام ما يقارب الـ(40) مليون مسافر، ويمكنه أن يستوعب ضعف هذا العدد في المستقبل، ومن المحزن والمؤسف أن يواصل النقل الوطني تعميق خسائره على الرغم من الارتفاع الملحوظ لأسعار تذاكر العديد من الوجهات مقارنة بشركات طيران أخرى، ومنها بالطبع وجهته إلى ميونيخ. ففي الوقت الذي تم الإعلان فيه عن خسائر بلغت (مليارا وثلاثمئة مليون ريال عماني)، يعلن فيه الطيران القطري عن أرباح تصل إلى (2.667) مليار دولار في ظل حصار خانق تفرضه دول الجوار الشقيقة على الدوحة. إن خسائر الناقل الوطني والعديد من الشركات الحكومية التي أنهكت الموارد المالية للدولة، واستفزت المجتمع، تحتاج إلى تشخيص من فريق متخصص ومستقل، لمعالجة الأزمات المالية المتتالية، وإحداث إصلاح شامل في هيكلة هذه الشركات، والجدية في تفعيل دور المحاسبة والمساءلة وتشديد العقوبات لسد منافذ التلاعبات المالية وأوجه الفساد والأخطاء إن وجدت، وتعزيز مركزها المالي، لتتمكن من الإسهام في تنويع الدخل وليس العكس. من يتصور بأن هذه المدينة العصرية (ميونيخ)، المحتشدة بكل معاني وصور الحداثة، بصناعاتها العملاقة، وحياتها الاجتماعية المزدهرة، باقتصادها النامي والمتقدم، بعشاقها من الملايين الذين يفدون إليها من كل أصقاع العالم، ببنائها الحضاري وفنونها المعمارية التي تفتن البشر بجمالها، والتي تعتبر (بفنانيها وشعرائها المركز الفعلي للفن) في أوروبا، كانت قبل تسعين عاما فقط المهد الذي احتضن الفكر النازي مستثمرا الأوضاع المأساوية وحالة الكساد التي تعيشها المدينة بعد الحرب العالمية الأولى من دمار وفوضى عارمة وشلل اقتصادي شبه كامل، قاد إلى تفاقم وانتشار السرقات والبطالة والجوع، لبث أفكاره ونشر دعوته وتحقيق مكاسب شعبية، فكان الإعلان المشؤوم على ألمانيا خاصة وعموم أوروبا عامة في صباح يوم من أيام العام 1932م، عندما (فوجئت السلطات بوقوع ميونيخ في يد هتلر الذي احتل المباني العامة كلها، وأرغم الصحف بالتهديد على إعلان انتصار الثورة). في تأكيد على أن انتشار الأفكار وتقبلها ونجاح الثورات يتحقق في بيئة يكون فيها الشعب في حاجة لمن ينتشله من مخالب المحن والأزمات ويعالج مشاكله ويقوده إلى بر الأمان. ميونيخ في عالم اليوم وبعد أكثر من تسعين عاما تتربع ضمن المدن الأكثر ثراء وازدهارا ونموا في قطاع المال والأعمال والاقتصاد، وتحتضن أهم الصناعات الألمانية، والتفتت إلى مجال سياسة المؤتمرات بتنظيم حوالي (400 معرض مختص في المنتجات الأساسية والاستهلاكية والتكنولوجيا) في العام، إنها ميونيخ التي تمتلك أقوى اقتصاد (بين جميع المدن الألمانية)، والتي يطلق عليها (القاعدة الاقتصادية شديدة التنوع)، و(مجموعة كبيرة من الصناعات المتنامية)، و(تحتل موضع الصدارة باحتضانها أكبر عدد من شركات التأمين)، وتطلب بلوغ هذه المرحلة المزدهرة صراعات وحروبا وثورات وتحولات وتجارب متتابعة قبل أن يصل الشعب إلى اختيار حكومته بإرادته في نظام ديمقراطي مؤسسي قائم على المشاركة والمحاسبة والمساءلة تحكمه القوانين والأنظمة، يعبر الكاتب النمساوي (ستيفان تسفايج عن هذه الحقيقة في كتابه (عالم الأمس)، قائلا (ففي الفترة الواقعة بين نمو شعر لحيتي، والوقت الحاضر الذي أخذ يخطه الشيب، في نصف القرن هذا، حدثت تغيرات وتحولات جذرية أكثر مما حدث في عشرة أجيال من البشر). وفي مكان آخر من الكتاب يضيف (إن ما أشعر به هو أن العالم الذي نشأت فيه، وعالم اليوم، والعالم الذي يتوسطهما، هي عوالم منفصلة بالكلية). مع العلم أن الكاتب عاصر الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتوفي في العام 1942م. وفي أكتوبر 1990م، قادت التحولات التي شهدتها المنطقة إلى وحدة ألمانيا من جديد، ليتبوأ اقتصادها ضمن (رابع أكبر اقتصاد في العالم) بعد الولايات المتحدة الأميركية واليابان والصين، والاقتصاد الأضخم على مستوى أوروبا. وكانت ولا تزال الصناعات الألمانية تتمتع بسمعة متميزة على مستوى العالم، من حيث الجودة والقوة والقدرة على البقاء والتحدي، وما زلت أذكر في سن الطفولة وفي ريعان الشباب بعد ذلك، فقد كانت الصناعات الألمانية في الأسواق المحلية، بدأ من إبرة الخياطة وانتهاء بالسيارة، تتميز بالجودة والإتقان والجمال الأخاذ والقوة أضفت عليها سمعة حسنة لا تقارنها أية صناعات أخرى، يفاخر بها البائع والمروج في المصنع والسوق، وعندما يعترض المستهلك أو المشتري على الثمن الباهظ للسلعة، يفحمه مالكها بالقول (إنها ألمانية الصنع، ولدي خيارات أخرى لسلع بأسعار أقل إذا رغبت؟)، ولكن من سيختار صناعة غير ألمانية حتى وإن كانت بسعر أدنى في ذلك الوقت؟

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى