الأحد 20 أكتوبر 2019 م - ٢١ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / إدارة السقوط…!
إدارة السقوط…!

إدارة السقوط…!

هل يزعجك السقوط وإن كان حلما؟ أعتقد أنه من الأحلام المزعجة لغالبية البشر لما يحمله معنى السقوط نفسه. والسقوط عكس الارتفاع الذي يسعى له جميع البشر، سواء في أخلاقهم أو قدراتهم أو مهاراتهم الخاصة. ففي الوقت الذي لا يألون جهدا في الارتقاء أو الارتفاع يحرصون على عدم السقوط. ويُعرف السقوط في علم الفيزياء بأنه “سقوط الجسم باتجاه مركز الأرض من دون التأثير عليه بقوة أخرى غير القوة المكتسبة من الجاذبية الأرضية”، مع الأخذ في الاعتبار أن السقوط بالتعريف الفيزيائي لا يتأثر بكتلة الجسم؛ أي ليس لها تأثير على سرعة سقوطه، ما يدل على أن آلية السقوط واحدة مهما اختلفت نوعية الأجسام. وكلمة السقوط في اللغة العربية تختلف حسب نوع الجسم الساقط؛ فيقال عن الماء انهمر والصخور انحدرت والجدران انقضت والنجوم هوت والإنسان خر.
ويعد فصل الخريف أو كما يعرف بفصل السقوط هو فصلا تتساقط فيه أوراق الأشجار ليأتي فصل الربيع الذي تنمو فيه أوراق جديدة نضرة تبهج العين وتنعش النفس، إلا أن عملية سقوط الأوراق تلك تسبقها رياح بكل الاتجاهات تتفاوت قوتها بين المتوسطة والقوية، رياح تسعى إلى إسقاط أوراق الأشجار القديمة لتصبح مجردة من جمالها وهيبة الحياة. لتعود تنمو أوراق أكثر نضرة وجمالا وقدرة على ضخ أكسجين الحياة؛ وهكذا هي دورة الطبيعة سقوط فنمو؛ ونمو فسقوط. ومن أجمل الأشياء الممتعة لدى الكبار والصغار هو مداعبة نبتة الهندباء وانتشار بذورها في الهواء؛ لحظة تبعث بالفرح والأمل لانطلاقها. لكن ومهما طال بها البقاء في الهواء سوف تسقط على الأرض لتنبت نبتة جديدة في مكان ما. وعليه فهل آلية السقوط ونتيجته تحدد مدى تقبلنا له؟
قد أكون جازمة أن مدى تقبلنا للسقوط يختلف حسب نتيجته أو نهايته، فانهمار الماء على الأرض العطشى شيء مريح بل مبهج ومفرح لجميع الكائنات، لكن هذا الانهمار يكون مزعجا إذا ما تسبب بالفيضانات والسيول المدمرة، وكذلك الحال في انقضاض الجدران وانحدار الصخور. وإن كان الأمر كذلك في الطبيعة؛ فما وضع الإنسان؟ أليس هو جزءا من الطبيعة وقوانين الكون الفيزيائية؟
السقوط ليس سيئا على النحو الذي يظنه كثير من الناس، فليس كل سقوط يعني النهاية فقد يكون بداية جديدة. فسقوط الأوراق سبب لاستعادة الأشجار جمالها وحيويتها؛ وسقوط بذرة سبب لوجود نبتة جديدة، وانهمار الماء سبب في تحريك المياه الراكدة ونمو حياة جديدة. إلا أن هذا الأمر يختلف بالنسبة للإنسان؛ فدائما ما يكون السقوط شيئا مؤلما ـ على الأقل بالنسبة له ـ لذا يحاول تجنب السقوط والانهيار.
يظل معنى السقوط عند الإنسان بأنه النهاية؛ لذا تجد الخوف والقلق منه شيئا متلازما له. فحين تقرأ عن نهاية المستشار الألماني أدولف هتلر، ـ وحسب أكثر الروايات قبولا ـ أنه عانى مما وصفه بعض المؤرخين بالانهيار العصبي قبيل موته، وهذا الانهيار ناتج عن شعوره بسقوطه التدريجي. يحاول الإنسان قبل السقوط؛ العمل على تجنبه أو إدارته بكل ما أوتي من قوة، إلا أن هذه الإدارة قد تظهر في الانهيار أو التخبط أو الخوف من اتخاذ قرارات أو اتخاذ قرارات متضاربة؛ ظنا منه أن هذه الإدارة ستوقف عملية السقوط، كما في محاولة الطفل بدفع بذرة الهندباء للأعلى ليساعدها على الانطلاق في الهواء بكل ما أوتي من قوة حتى لا تسقط ـ رغم أن سقوط تلك البذرة يعني بداية حياة ـ ففي النهاية ستخور قواه وينقطع نفسه حتى يوقن أنه لا جدوى مما يقوم به. لكن هل يمكن إدارة السقوط ليصبح نقطة للارتقاء أو يكون أقل تأثيرا وألما؟
من وجهة نظري أعتقد أنه يمكن إدارة السقوط أو تجنبه، وقد تساعد هذه الإدارة في التقليل من مساوئ السقوط أو الآثار الناتجة عنه. وحتى نستطيع تحقيق هذه الإدارة علينا معرفة أسباب السقوط والإلمام بالجوانب المؤدية إليه، فربما تكون هناك أسباب بسيطة لم نعرها اهتماما وقد تكون أسبابا عميقة تحتاج إلى اجتثاث أكثر من معالجة؛ وهذا السبر لإدارة السقوط سيمنحنا فرصة لاتخاذ القرار وتقديم معادلة؛ السماح والاستلام لسقوط أو إدارة نتائجه بما يضمن إعادة الجمال والقوة والتغيير للأحسن. مع الأخذ بعين الاعتبار الإجابة على عدة تساؤلات حول هذه الإدارة: هل يمكن أن نظل ندفع للأعلى لما مصيره السقوط؟ وإذا كان نعم فإلى متى؟ وما نتيجة ذلك الدفع والإصرار عليه؟
وعلينا أن نؤمن بأن السقوط والانهيار يتبعه ارتقاء وقوة وتغيير في مسار تجنب الإخفاقات إلى نجاحات، والأهم من ذلك أن تكون هناك رغبة شديدة وشفافية واضحة بتحقيق بداية جديدة تعقب ذلك السقوط.

د. رضية الهاشمية

إلى الأعلى