الأحد 20 أكتوبر 2019 م - ٢١ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : انتخابات من أجل ثوابت الاحتلال

شراع : انتخابات من أجل ثوابت الاحتلال

خميس التوبي

هناك من يبدي اهتمامًا كبيرًا بمجريات الانتخابات الإسرائيلية لأسباب مختلفة ومتعددة، تعود إلى المهتم بمتابعة الحدث وما سيفرزه من نتائج لها آثارها بكل تأكيد على المسار الداخلي لكيان الاحتلال الإسرائيلي، ولها أيضًا تداعياتها على المسار الخارجي، وخصوصًا ما يتعلق بملف القضية الفلسطينية، وملفات المنطقة الساخنة؛ لكون هذا الكيان الغاصب يعد اللاعب الأبرز والمؤثر الأكبر في تسخين هذه الملفات وفي مساراتها.
وبغض النظر عن من هو الفائز الذي أراده الناخب الإسرائيلي، فإن جميع أطياف قطعان المستوطنين وعلى مختلف تدرجاتهم ومستوياتهم الدينية أو العلمانية، وعلى مستوى أحزابهم التي تجمعهم تشترك في الثوابت التي يرتكز عليها الاحتلال الإسرائيلي، وهي رفض حدود عام 1967، ورفض عودة اللاجئين الفلسطينيين، ورفض قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وعاصمتها القدس، واعتبار القدس المحتلة عاصمة موحدة لكيان الاحتلال الإسرائيلي، واحتلال أراضي الضفة الغربية كافة بما فيها الأغوار ومدينة الخليل. وكذلك مواصلة سفك الدم الفلسطيني والعربي، ونهب الأراضي وتصفية ما فوقها من بشر وحجر وشجر، والاستيلاء على ما تحتها من ثروات، سواء كانت مائية أو نفطية أو غازية أو معدنية، والعمل على تمزيق دول المنطقة وشعوبها، وكسر شوكتها، ومنع وحدتها وتقاربها، ونشر الفتن الطائفية والمذهبية، وتأجيج الخلافات واختلاق ما يغذيها ويؤججها من أسباب وفبركات ومؤامرات، والعمل مع القوى الاستعمارية الموجدة لهذا الكيان الغاصب المسخ على إدارة الملفات الساخنة؛ لكونها الوسيلة المواتية للاستمرار في عملية تمزيق العرى والأواصر، وتدمير العلاقات البينية، ونهب الثروات ومقدرات شعوب المنطقة، وحلب من تريد حلبه.
لذلك، من يمعن النظر إلى طبيعة ما يسمى بـ”الانتخابات الإسرائيلية التشريعية” بعين فاحصة ومنطقية وموضوعية، يجد أنها مجرد بازار للمزايدة معمدة بالإرهاب والعنصرية وإراقة أكبر قدر من دماء الفلسطينيين والعرب، وسرقة أكبر مساحة من أراضيهم وحقوقهم، والزج بأكبر عدد من الفلسطينيين في معتقلات الاحتلال دون جنح أو جرائم ارتكبوها؛ أي مزايدة على تحقيق أكبر تصفية وتطهير للوجود الفلسطيني والعربي، وطمس كل ما يمت بذلك، وتدمير أي مظهر من مظاهر القوة في المنطقة، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو تعليمية أو صحية أو تنموية، أو ديمغرافية أو جغرافية، وهدم ركائز الاستقرار والسلم الاجتماعي، وضرب مظاهر التعايش والتسامح الجامعة لكل مجتمع من مجتمعات دول المنطقة، وبسط مظلة التطبيع المجاني وعلى حساب حقوق الشعب الفلسطيني.
والمثير للسخرية أن ثمة من يرى بيني جانتس رئيس أركان الحرب الأسبق أقل تطرفًا عن منافسه بنيامين نتنياهو، مع أن كل الأدوار التي قام بها كل جنرالات وقادة الحرب في الكيان المحتل لا تعكس هذا الانطباع. ففي دعوى قضائية أقامها مواطن فلسطيني يحمل الجنسية الهولندية أمام محكمة هولندية ضد جانتس يتهم فيها جنرال الحرب بالتسبب في استشهاد ستة من أفراد أسرته خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة سنة 2014، كتب جانتس إلى المحكمة يتفاخر بانتمائه إلى “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”.
ما يحسب لكيان الاحتلال الإسرائيلي أنه نجح في كسب معركة توفير الظروف مدعومًا بالدور الترامبي على وجه التحديد، وذلك بالقدرة على استثمار المراهقة السياسية في المنطقة، وتجييرها لخدمة كيان الاحتلال الإسرائيلي والقضايا التي تشغله، وهو ما أتاح المساحة اللازمة وهيأ الأجواء الملائمة لانتقال الولايات المتحدة من النقيض الموارب بالعنوان الخادع “الراعي الأول لعملية السلام وإنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي” إلى النقيض الآخر المكشوفة أوراقه وحقائقه أمام العالم أجمع، والقائم على الانحياز الأميركي الكامل لكيان الاحتلال الإسرائيلي وسياساته الاحتلالية والإرهابية والعنصرية، مع ما يتطلب ذلك من دعم سياسي ودبلوماسي وعسكري واقتصادي. هذا الاستثمار في المراهقة السياسية أخذ كل من الصهيو ـ أميركي يجنيه في صور خطوات وقرارات غير مسبوقة، بل لم يأتِ أي مسؤول أميركي عليها تصريحًا أو تلميحًا. فأقاما قطار التطبيع المجاني الذي سمح لهما بالانتقال من محطة إلى أخرى، فجاءت محطة الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال الإسرائيلي، لتتلوها المحطة التالية مباشرة وهي القرار الأميركي بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى مدينة القدس المحتلة، ثم محطة عرقلة عمل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” وذلك في إطار الدور الصهيو ـ أميركي في القضاء على مهمة الوكالة، والقضاء على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وأخيرًا وليس آخرًا من محطات قطار التطبيع الاعتراف الأميركي بسيادة كيان الاحتلال الإسرائيلي على هضبة الجولان السوري المحتلة.
إن هذا التحول غير المسبوق والمنعرج الخطير الذي أدخلت فيه المنطقة هو ما يحرص عليه الناخب الإسرائيلي اليوم، ويعمل على استمراره؛ أي أن تتحقق ثوابت الاحتلال الإسرائيلي التي ذكرناها آنفًا، وبالتالي قضية اختيار الشخصية التي يجب أن تقود هي قضية ثانوية، فتاريخ جنرالات الحرب الإسرائيليين أو من غيرهم الذين تعاقبوا على رئاسة حكومة الاحتلال الإسرائيلي لم يخرج أي منهم عن ثوابت الاحتلال الإسرائيلي، وإنما مدار عمله ودوره ينطلق منها ومن أهمية تحقيقها على أرض الواقع. لذا، بمجرد انتهاء فترة الانتخابات داخل الكيان المحتل، وإعلان الفائز فيها، يبدأ العمل بتشكيل الحكومة، ولا يكون هناك أي مظهر للفوضى والمواجهات أو التخوين أو غير ذلك، كما هو حال دول في هذا العالم.

khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى