الأربعاء 16 أكتوبر 2019 م - ١٧ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أن تزور بغداد ويخيب الأمل (2-1)

أن تزور بغداد ويخيب الأمل (2-1)

كاظم الموسوي

يشعر الزائر إلى بغداد بعد غياب، بشعور مرتبك بين الفرح ونشوة اللقاءات والزيارات العائلية والأصدقاء والكنوز الحضارية والثقافية، وبين ما يصدم به.. يتحمس نفسيا وعاطفيا وتأخذه الصور المتتالية لحضن الأم والأهل والوطن.. ولكن لا تتم هذه الأمور، كما السفن والرياح، ولا تفي ما يشعر به المواطن العراقي الزائر، في أعماقه، منذ اللحظات الأولى قبل الوصول إلى المطار، والمشاهدة من شبابيك الطائرة من السماء إلى الأرض ومن ثم النزول من الطائرة. لماذا تنقلب المشاعر ويحصل ما يخيب الأمل، ومن المسؤول عنه ومن يتحمل ما جرى ويجري؟! أسئلة كثيرة جارحة وقاسية لكل زائر وضيف ومواطن يقارن بين ما يراه وما عاشه وجربه في المطارات والبلاد التي انطلق منها باتجاه بغداد.
فوضى وتدافع وممارسات لا تعبر عن احترام “وطني” للزائرين كلهم. فالمعروف أن المطار مؤسسة عراقية عامة وليس بيتا أو مضيفا للعلاقات الشخصية والمعارف والوساطات المميزة بين الزائرين، إذ إن المفترض أنهم متساوون في رحلتهم وسفرهم ووصولهم. لا تمييز ولا إزعاجات فردية أو جماعية. لا سيما بعد تصريحات المسؤولين والجهات المختصة حول فتح المطار والاستقبال. وبعد كل تلك السنوات للأسف الشديد أو بدونه ما زالت الصورة قائمة كما هي، حتى الأشجار وملايين الدولارات التي صرفت عليها لم تتغير وتفتح أبواب الطرق والمواصلات وتغطي تجزئتها بين المطار وساحة عباس بن فرناس ومنها إلى عنوان كل مسافر. كانت التصريحات الرسمية التي نشرت عن إلغاء هذا التقسيم والسماح لاستقبال الزائرين مباشرة من مخرج المطار وتوديعه عنده، ولكنها باتت تصريحات “فضائية” كغيرها من التصريحات والأقوال والمواعيد والوعود وفقدان الشعور بالمسؤولية والحرص على التعاملات النزيهة وراحة المواطنين الزائرين. وإذا كان الدخول إلى الوطن من بوابة الطائرة وقاعات المطار بهذا الشكل من الملاحظات المتناقضة والسلبية، فإن عودة الزائر وتوديعه للوطن، الخروج منه، يتم بمأساة فعلية لا يشعر بها المسؤول ولا يهتم بها وتكشف واقعا مؤلما وفسادا صارخا في الإحساس والموقف والاحترام، يمكن اختصارها بأنها إهانة مقصودة للمواطن، وإساءة واضحة موجهة ومنظمة لإذلاله وتخيب أمله في وطنه وإمكانية تطوره. وتزداد الصورة قتامة بعد كل الإزعاج والإساءة وكشف المستور والفضائح التي تزكم الأنوف في المراجعات الرسمية والمعاملات الحكومية، تبرز الكارثة في خطوة العودة والوصول إلى أسوار ساحة عباس بن فرناس، حيث تبدأ عملية أو مسلسل التصرفات التي ترقى إلى الإهانات. وهذه خلاصة موثقة، يدفع السائق أربعة آلاف دينار رسم دخول لمسافة مئة متر فقط للوصول إلى سيارات شركة النقل الخاصة والتي تأخذ أجرة عامة خمسة آلاف دينار للفرد وهناك سيارات تكسي أيضا بسعر عدد الأفراد. (لمن هذه الرسوم ومن يتابعها وكم تدخل ميزانية الدولة منها وهل هناك شفافية في تحصيلها وإيداعها؟!)
ماذا تسمى هذه الممارسات؟! وهل هي تعكس أو تعبر عن موقف الحكومة والجهات المختصة للمواطن الزائر؟! ومن يمسح الانطباعات التي يحملها عن توديعه بهذه الصور التراجيكوميدية التي تدعي حرصها على سلامة المواطن وأمنه؟! فبعد مسافة من الانطلاق يتوقف السائق ويطلب من المسافرين ترك كل متعلقاتهم، من حقائب يدوية وأكياس والنزول من السيارة بملابسهم فقط والاصطفاف على رصيف مجاور، ليشاهد الزائر فصلا مسرحيا عبر جولة “ممثل” مع كلب يدور حول السيارة ويدخل أحيانا من أبواب السيارة المشرعة له، وما أن ينتهي المشهد ينادي السائق مرة أخرى بالعودة إلى الأماكن.
وبعد فترة أخرى يقف السائق ويطلب النزول أيضا ولكن هذه المرة حمل كل المتعلقات والحقائب أيضا والذهاب إلى قاعة فحص الأمتعة، والانتظار عند باب الخروج الآخر منها. وتدخل جموع الزائرين، بكل أعمارهم وأجناسهم مع حقائبهم للوقوف بدور من الفحص والتفتيش. يستقبلهم حراس يسألون عن الجوازات وتذاكر السفر، ومن ثم إدخال الأمتعة إلى الأجهزة مع الأحزمة وكل حديد كالساعة والخاتم وأمثالهما. وبعد فترة قصيرة يقف السائق عند حاجز ويفتح أبواب السيارة حارس آخر يسأل عن الجوازات والتذاكر مرة ثانية أيضا. وما أن تصل بنايات المطار، الموقف الأخير يفتح السائق أبواب السيارة ليحمل كل مسافر حمله، ويذهب إلى ساحة خارج بناية المطار، ويضع الحقائب والأمتعة على الأرض في ترتيب منتظم ويذهب المسافر للتفتيش الفردي من قبل حراس آخرين وينتظر داخل مربع آخر، لإعادة مشاهدة المشهد، للكلب وصاحبه حول الحقائب ومن بعد مسافة تدخل مدخل المطار عبر جهاز فحص الحقائب والأفراد للمرة الثانية. وتتصور انك دخلت المطار وانتهت المعاناة لتتابع رحلتك وتلعن تلك الساعة التي أخذك الحنين فيها وقررت السفر. ولكن لا تمر هذه هكذا فلا بد من فحص آخر بعد قاعة المطار الأولى دخولا إلى مداخل تسليم الحقائب وحجز الأماكن لدى مكتب الخطوط الجوية. وتحسب أنك عبرت الامتحانات كلها ولكن أيضا بعد ختم الجواز تفحص الحقائب اليدوية والأفراد بجهاز أخير قبل الدخول إلى قاعة الانتظار في المطار، حيث يعلن فيها الذهاب إلى بوابة الطائرة التي تغير مشاعرك وتحدد مسيرك. هذه قصة الوداع في مطار بغداد، فهل أدرك المسؤولون ما يحصل باسمهم؟ ومن هي الجهة التي وضعت لهم هذا المسلسل المبرمج لإهانة المسافرين والإساءة لهم دون اعتبار أو تقدير أو احترام؟ يجب إلغاء هذه الإجراءات فورا واحترام كرامة المواطن وإعادة النظر بأساليب الأمن وحماية المواطن والمؤسسات ووضع الأجهزة المناسبة والمتطورة تقنيا ومحاسبة كل من يخالف ذلك وأساء بتصرفه أو بإجراءاته لكرامة المواطن الإنسان.
الوقت الذي يضيعه المسافر، وهو مغادر وطنه، حيث يمر بمراحل قسرية مزعجة تتكرر مرتين، فحص الكلاب، وفحص الجوازات، وفحص الأمتعة، فضلا عما يحدث داخل مبنى المطار، يمكن اختصارها طبعا وباحترام متبادل. فهل هذه خطة “وطنية”؟ وهل يمر بها أبناء المسؤولين وعوائلهم كما يحصل هكذا مع الآخرين؟ إنها صورة وانطباع يفضح عقلية السلطات وأداءها وارتباطاتها بالشعب والوطن المبتلى. ما يحصل في هذه اللقطات والمشاهد يعري السلطات والمسؤولين والأحزاب والقوى السياسية التي تزعم وظيفتها ودورها، لأنها تطبيق عملي وموقف معبر وفضيحة صارخة بكل معانيها.

إلى الأعلى