السبت 19 أكتوبر 2019 م - ٢٠ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / “بيزنس” الدواء .. وصحة المرضى

“بيزنس” الدواء .. وصحة المرضى

محمد عبد الصادق

في مهنة الصحافة هناك ميثاق العمل الصحفي، الذي يعد بمثابة مدونة سلوك لممارسي المهنة، ومن أهم مبادئه منع تعارض المصالح الناتج عن خلط الإعلان بالتحرير، لذلك يحظر على الصحفيين العمل في جلب الإعلانات التجارية، أو كتابة مادة تحريرية الغرض منها الترويج لجهة أو سلعة أو شخص مقابل الحصول على منفعة، وترك هذه المهمة لمسوقي الإعلانات، والهدف من ذلك منع الصحفيين من إساءة استخدام أقلامهم في الحصول على مكاسب مادية أو معنوية، ورغم وجود هذا الميثاق إلا أن بعض الصحف ضربت بهذا المبدأ عرض الحائط، وسمحت للصحفيين بجلب الإعلانات من الجهات التي يغطون أخبارها، سواء كانت حكومية أو خاصة وسال لعاب بعض الصحفيين في الحصول على عمولة “كوميشن” يفوق راتبه من الصحافة.
وهناك بعض الصحف الصفراء، استخدمت صفحاتها لابتزاز رجال الأعمال أو شركات قطاع خاص للحصول على الإعلانات؛ عن طريق نشر أخبار ومعلومات تضر بسمعتهم أو بمنتجات شركاتهم ـ سواء كانت هذه الانتقادات حقيقية أو ملفقة ـ وأوقفت الصحيفة هذه الحملات بمجرد استجابة رجل الأعمال لابتزازهم وأرسل إعلاناته للنشر عندها.
وفي مهنة الطب هناك قسم أبو قراط والذي يتعهد خلاله الأطباء الجدد بمراقبة الله في مهنتهم وصون حياة الإنسان وبذل ما بوسعهم لعلاج المرضى مع حفظ كرامتهم وستر عوراتهم وكتم أسرارهم .. واحتل الطبيب مكانة عظيمة في المجتمع، وكان يسمى قديما بالحكيم، لنبل مهنته ورقي أخلاقه وتفانيه في علاج المرضى دون النظر لغناهم أو فقرهم، أو مكانتهم الاجتماعية. وأذكر أننا كنا نستدعي طبيب الحي لعلاج والدي ـ رحمه الله ـ عندما تقدم به العمر وأصابته أمراض الشيخوخة، في أي ساعة من الليل أو النهار وكان يحضر أحيانا بملابس النوم في ليالي الشتاء القارس، حاملا حقيبته السوداء، ومعه الأدوية التي تخفض الضغط أو السكر والحقن التي تذيب الجلطات، وكان يظل جالسا حتى الفجر بجوار المريض، يحكي قصصا ويروي حكايات ويطلق “قفشات” ضاحكة ترفع معنويات المريض وتعيد الابتسامة والحيوية إلى محياه، وكنا نلح عليه للحصول على مقابل تعبه المسمى بالـ”الفيزيته”، وكان يرفض أحيانا ويعيد نصفها أحيانا أخرى.
مع تعقد الحياة وارتفاع تكاليف المعيشة، تأثرت مهنة الطب، وطغى الطابع التجاري على أداء غالبية الأطباء وأصبح شغلهم الشاغل الحصول على أكبر قدر من الاستفادة المادية من وراء ممارسة المهنة، ولم يقتصر الأمر على المبالغة في أسعار الكشف في المشافي والعيادات الخاصة، وإنما امتد إلى دخول كثير من الأطباء لمجال “بيزنس” الدواء، عن طريق طلب نسبة من المبيعات أو سفرة للخارج لحضور مؤتمر طبي مزعوم والسياحة على حساب شركات الأدوية مع اصطحاب الأولاد، مقابل كتابة أصناف الدواء الذي تنتجها الشركة في الوصفة الطبية “الروشته” لمرضاه؛ مستغلا وجود أكثر من صنف دواء يحتوي على نفس المادة الفعالة والاسم العلمي تنتجه شركات متعددة، والشركة صاحبة أكبر عرض يقوم الطبيب بتسويق منتجها ويسهم في زيادة مبيعاته، دون النظر للفروق الطفيفة بين صنف وآخر أو الأعراض الجانبية لهذا الدواء.
ومؤخرا كان لي تجربة شخصية مع مثل هذا النوع من الممارسات الطبية المستحدثة؛ عندما مرضت زوجتي وتوجهت بها لطبيب أورام شهير، الذي أخبرني أن هناك علاجا مناعيا اكتشف حديثا لعلاج الأورام، وهو وحده القادر على إنقاذ زوجتي من هذا المرض اللعين، ولكن مشكلته الوحيدة؛ هي ارتفاع سعره الذي يصل إلى 55 ألف جنيه مصري (حوالي 1400ريال عماني) للجرعة الواحدة، ويحتاج المريض لجرعتين في الشهر لمدة عام على الأقل، ووافقت صاغرا أملا في شفاء زوجتي.
بادرني الطبيب الشهير بالسؤال: هل ستحضر الدواء من الخارج؟ أم تأخذه من عندي؟ وحدد لي السعر، فاجأني كلامه فمعلوماتي أن الدواء تنتجه شركة ألمانية ومتوافر في الصيدليات الكبرى، فطلبت منه منحي مهلة لمحاولة الحصول عليه بسعر أقل، وعندما وجدت أنه يباع في الصيدليات بنفس السعر، وافقت على أن يتولى الطبيب توفير الدواء بمعرفته.
بعد فترة جمعني لقاء بصيدلي يعمل بفرع الشركة الألمانية المصنعة للدواء بمصر ورويت له القصة، فأخبرني أن هذا الطبيب انتزع تخفيضا قدره 35% من سعر الدواء المطروح في السوق، ولما لمته على سياسة الشركة، وأنها لو أعطت هذا التخفيض للمرضى الذين هم أولى، لكانت حققت ضعف المبيعات، ولكنه نظر لي متعجبا من سذاجتي وقال: هذا النوع من الأدوية غالية الثمن لن يشتريه المريض إلا إذا وصفه له طبيب شهير يظهر على شاشات التليفزيون ليبشر باكتشاف علاج جديد يقضي على السرطان، وقتها عرفت كيف فاقت مكاسب شركات الدواء العالمية مكاسب تجارة الأسلحة، وكيف وصل حجمها إلى أكثر من 850 مليار دولار.

إلى الأعلى