الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 م - ٢٣ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / خطأ الحسابات الأميركية

خطأ الحسابات الأميركية

د.أسامة نورالدين

انتفض العالم الغربي ليس من أجل ما تعرضت له المملكة العربية السعودية من ضربات تسببت في وقف ما يقرب من نصف إنتاجها من النفط، وإنما لتضررهم بسبب ارتفاع أسعار النفط عالميا، وتجاوز سعر برميل النفط لأول مرة منذ فترة طويلة حاجز السبعين دولارا، فتلك الدول ـ وعلى رأسها الولايات المتحدة ـ تكرر إدارتها الأخطاء في التعامل مع الملف الإيراني، بدلا من تحكيم العقل والسياسة للخروج من المأزق الذي وضعت المجتمع الدولي فيه، إذ تتحمل وحدها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة، بسبب كبرها واستعلاء رئيسها على التفاهم مع النظام الإيراني، معتقدا أن سياسة الضغط والحصار التي يتبعها يمكن أن تؤتي ثمارها، على الرغم من فشل تلك السياسة، إذ تثبت التجربة نجاح إيران في التأقلم مع سياسة العقوبات الأميركية بشكل أو بآخر، ليس هذا فحسب، بل وقلب الطاولة على الدول المحاصرة وتحميلها تبعات هذا الحصار، وتهديد مصالحها خصوصا النفطية في منطقة الخليج.
وما يثير الدهشة في الحقيقة، أن دولة بحجم الولايات المتحدة ترسل التهم جزافا دون تحقيق، تماما مثلما حدث عندما تم اتهام الرئيس العراقي السابق صدام حسين بامتلاك أسلحة دمار شامل، وعدم انتظار نتائج التحقيق الذي تقوم به الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة في هذا الشأن، والقيام بتوجيه ضربة عسكرية إلى النظام العراقي، ما زال العراق والمنطقة والعالم يعاني تبعاتها حتى اليوم، فحتى إذا كانت الطائرات المسيرة التي ضربت منشآت النفط السعودية انطلقت من إيران أو من إحدى المناطق التابعة لها، فإن الرد لا يكون بتشديد الحصار، ولا بالتحركات الفردية التي تتبعها الإدارة الأميركية الحالية لتشديد الحصار على النظام الإيراني، لأنها في حقيقة الأمر لا تعاقب النظام بقدر ما تعاقب الشعب، فضلا عن النتائج السلبية التي تترتب على مثل هذه القرارات المستفزة.
وتعكس مواقف الإدارة الأميركية الحالية في الواقع رغبة ليس في حل أزمة البرنامج النووي الإيراني، وإنما في إشعال الشرق الأوسط، وإدخاله في دوامة لا تنتهي من الصراع مع إيران من جهة، والأحزاب والقوى الشيعية المنتشرة في المنطقة من جهة أخرى، وهو سيناريو كارثي من شأنه أن يضر بمصالح العالم أجمع، خصوصا القوى فوق المتوسطة كالصين والهند، أو حتى القوى العظمى كروسيا ودول الاتحاد الأوروبي، لأن هذا من شأنه أن يرفع أسعار النفط لما فوق المئة دولار وليس فقط السبعين أو الستين مثلما هو حالها الآن.
وتمضي الولايات المتحدة في هذا الطريق لخدمة المنظمات الصهيونية العالمية التي تعمل على إشعال المنطقة تمهيدا لتقسيمها وتفتيها لخدمة المشروع الصهيوني في المنطقة، وهي في ذلك تظن أنها ستكون في مأمن من أن يصيبها تبعات هذه السياسة المتعجرفة، وذلك على اعتبار أن الولايات المتحدة لديها ما يكفيها من الاحتياطي النفطي، وأنها ليست في حاجة إلى نفط الخليج، ولكنها تنسى أن سياساتها قبل عام 2001 هي المتسبب الرئيسي في أحداث سبتمبر، وأن سياساتها الحالية قد تكون عواقبها أكبر وأفدح.
إن نشر الفوضى في منطقة حساسة كمنطقة الشرق الأوسط، وتعمد إشعال الصراعات الدائرة فيها، وتأليب طرف على آخر لا تصب في مصلحة أحد، وإيران ليست ورقة انتخابية في يد الرئيس ترامب وإدارته اليمينية المتطرفة، ولكن هذا الأمر لا يفهمه ترامب الذي مني بخيبات أمل كبيرة في سياساته الخارجية، بشكل أثر على شعبيته وأخذ من رصيده لدى الشعب والمؤسسات الأميركية صاحبة التاريخ الطويل في السياسة الخارجية، والتي باتت على قناعة بأن تكلفة بقاء ترامب ستكون كارثية على الولايات المتحدة ومستقبلها السياسي في العالم.
ولذلك فإن قراءة متأنية للتاريخ تشير إلى فشل سياسات ترامب الهادفة لدفع إيران في الزاوية والضغط على نظامها السياسي للقبول بالإملاءات الأميركية الخاصة بحل برنامجها النووي، وأن التعامل مع تلك الأزمة التي تضر بمصالح المجتمع الدولي إنما يحتاج إلى مقاربة أخرى غير الحصار المفروض على إيران والذي يدفع ثمنه الشعب لا النظام، وهذه المقاربة يتعين أن تدفع باتجاهها دول الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى الهند والصين وروسيا، حفاظا على مصالحهم، ومنعا لتطورات خطيرة من شأنها أن تجر المنطقة والعالم لحالة الفوضى وعدم الاستقرار.

إلى الأعلى