الخميس 20 فبراير 2020 م - ٢٦ جمادى الأخرة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / تجربة قرية في إعادة الإعمار

تجربة قرية في إعادة الإعمار

علي عقلة عرسان

صيدا التي خدَمت نفسَها منذ كانت الدولة السورية وحتى أصبحت في مأزقي الحرب وإعادة الإعمار، قرية كان يتوافق كثير من الفاسدين، مسؤولين ووكلاء لهم، على حَلْبها.. وحين يشتري أهلُها حليبهم ليرضعوا أبناءهم وبناتهم يبيعه لهم أولئك بأغلى الأسعار أو تصادره الأيادي “النظيفة؟!” فيما تصادر، لأنها أولى من الأطفال الرُّضَّع بالحليب، وذلك على مَبدأ “جحا أولى بلحم ثوره”، حسب قول شائع.
في الأحداث المأساوية الأخيرة التي شملت معظم القرى والبلدات والمدن، تعرَّضَت لدمار بنسبة ٧٠٪ من مبانيها، ودُمرت البُنى التحتية فيها، فلا ماء ولا كهرباء ولا طرقات بطبيعة الحال ولا مدارس صالحة للتلاميذ والطلاب.. وقام “السُّرَّاق الممتهنون ومَن يسمونهم “المعفشون” بنهب محتويات بيوت أهلها، من الشبابيك والأبواب إلى الطناجر وحنفيات الماء وأزرار الكهرباء بعد الأسلاك الصغيرة والكبيرة في الشوارع والبيوت.. أخذوها كلها “غنائم حرب”، وانتشر أكثر أهل القرية في أماكن النزوح حفاة عراة، شأنهم شأن كثيرين من أبناء سوريا والنازحين العرب في مخيمات اللجوء والنزوح، وعاشوا هناك أسوأ الظروف التي يمكن تصورها، في تشرد ليس هو الأول ولا الثاني ولا الثالث، منذ بداية الأزمة ـ الحرب ـ الكارثة التي عصفت وما زالت تعصف بسوريا الدولة والشعب والقيم، وأحالت مسألتها إلى مسألة دولية.
وحين قيل لأهل القرية، شأنهم شأن أهل قرى أخرى.. عودوا إلى بيوتكم فقد أصبح ذلك ممكنا.. عادوا، فحب الوطن من الإيمان، لكنهم عاشوا الظروف التي لم يعيشوها في قريتهم من قبل.. “فقدان الأمن، والعطش، والظلام الدامس، والجوع، والتّشليح، والتفتيش على الحواجز، ودفع أتاوات للقيِّمين على تلك الحواجز ولحَمَلَة السلاح من إرهابيين وسواهم.. يدفعها لأولئك من يريد من السكان أن يخرج من القرية أو يدخل إليها.. والحيُّ مُجبر على السعي من أجل الحصول على الماء والغذاء والضروريات في حياة هي البؤس بعينه.
أيام وأيام قاسيات مرت على الناس الذين عادوا من الشقاء إلى الشقاء.. والدولة مشغولة عنهم وربما عن سواهم أيضا، لأنها لا تستطيع أن تنهض بالعبء الثقيل الذي فُرِضَ عليها من جهة، ولأن القرى والبلدات والمدن التي جرت فيها المعارك تحتاج إلى ما هو أكثر من الكثير لإعادة الإعمار.. وهناك مَن عليه أن يتحمل الأعباء “كعقوبات”؟!
ولأن هذه القرية بالذات، من بين القرى الأخرى، اعتادت على أن تكون منسيّة ومحرومة من معظم الخدمات الحيوية، ومن التعويضات التي تصل إلى مَن تلحِقُ بهم بعض الحوادث الطبيعية أضرارا مثل العواصف والجفاف وغير ذلك.. فقد اضطر أهلها إلى أن يقلعوا شوكهم بأيديهم.. فتنادوا للعمل اعتمادا على النفس، فلا يحك جسمُكَ مثل ظفرك.. وكان من أبنائها مغتربون يسعون لكسب قوت أسرهم في الغربة منذ سنوات وسنوات، ويعملون في ظروف صعبة، ويدفعون للطامعين بهم ما يقتضيه حصولهم على بعض حقوقهم، عندما يزورون القرية أو يعودون إليها، إذ يُنظَر إليهم بوصفهم “ممتلئين؟!”.. فتنادى أولئك الأبناء المنتمون لمسقط رؤوسهم، تنادوا لنجدة أهلهم الذين عادوا إلى القرية فلاقوا فيها شقاء مثل ذاك الذي كانوا فيه في مخيمات النزوح.. فجمعوا المال من بعضهم بعضا، وتبرع الخيرون القادرون منهم بالقيام بأعمال على نفقتهم..
تعاون المقيم والمغترِب بعضهم مع بعض، وأصبحت القرية ورشة عمل وتسابق المتسابقون على فعل الخير.. قدَّم كل القادرين من أهل القرية على العمل ما يستطيعون تقديمه بهمة ومثابرة “المهندس، والعامل، ومالك آلية وأدوات..” تعاون الجميع كل حسب قدرته وطاقته ومعرفته، وسادت روح من المحبة والنخوة والتسابق على تقديم خدمة وعلى فعل الخير، فمن يقدم مالا ومن يقدم جهدا وخبرة.. فحفروا الآبار الارتوازية وأصلحوا المُخرَّب منها، وأعادوا شبكة المياه وشبكة الهاتف إلى العمل، ووصلتهم المولدات الكهربائية والمحولات اللازمة للإنارة والأدوات والمواد الضرورية تبرعا من المغتربين القادرين وأعادوا الشبكة إلى العمل، وعبَّدوا بعض الطرقات، وأصلحوا المدارس، ووفروا بعض الخدمات الضرورية الأخرى لأهل قريتهم. أعاد أبناء تلك القرية “إعمار” ما خربته السياسة والحرب من بُنى تحتية وعلاقات اجتماعية، واسوا جراح بعضهم بعضا وحمل القوي الضعيف..
وما زال المتبقي من إعادة بناء المدمر وترميم المخرَّب قيد التنفيذ بتعاون مستمر والتزام يفرضه الانتماء للأرض والأهل.. لم تقف هذه القرية مكتَّفة تنتظر مساعدة الدولة المهمومة بألف هم، فهي تعرف الهم الكبير ولم تنسَ ماضيها كقرية شبه منسية.
في المحصلة لا نتكلم عن ظلم يلحق بهذا أو بذاك، بهذه الجهة أو تلك، بهذه المنطقة أو القرية أو الفئة أو تلك، فيحول دونها ودون الحياة باكتفاء أو امتلاء، ودون القيام بما يمكن أن يحسِّن ظروف العيش.. بل عن تجربة قرية من القرى السورية المنكوبة قامت بمبادرات حيال ذاتها.. وعن تجربة أناس بنوا ودورهم وأعادوا إعمار ما تخرب في حياتهم، وعن إرادة الحياة التي لا تعرف اليأس ولا يميتها التيئيس.. ومن ثم عن حقيقة “أن البلد، أي بلد، صَغُرَ أم كَبُر، تخلَّف أم تقدَّم، لا ينعكس واقعه إلا على أهله، ولا ينقذه من واقع مؤلم أو ينهَضُ به أو يعمره، إلا أهله.. لا سيما الطيبون والمُضحون والبُناة المؤهلون من أهله، أولئك الذين يتجلى لديهم “حب الوطن من الإيمان” عملا وتضحية وتصميما بتفانٍ وصمت ودأب.
إن إعادة إعمار سوريا تحتاج إلى عودة مواطنيها إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم وبيوتهم ومزارعهم وحقولهم ومصانعهم، عودتهم بأمن وسلام وكرامة وشهامة، لكي يعيدوا بناء ما خرّبته السياسة والحرب، وما دمَّره الأعداء وبعض “والأبناء”، في وطن هو وطن المخلصين من أبناء الأمة العربية.. فسوريا العربية العزيزة كانت وستبقى عربية الوجه واليد واللسان، وشوكة في حلق أعدائها، أعداء العروبة والإسلام.. ولا بد لها من أن تكون “أولا وفي هذه المرحلة بالذات” حربا على الفِتَنِ بأشكالها وألوانها “المذهبية، والطائفية، والعرقية”، وحربا على الفساد والإفساد والاضطهاد والظلم والاستبداد والاستعباد، وحربا على الفوضوية والغوغائية العقائدية والسياسية، وحربا على الجهل والادعاء والانتهازية والفساد والإفساد، وحربا على التجارة بالمبادئ والمُواطن والوطن والقيم.. تلك التجارة التي أفسدت كل شيء وطني نظيف، وكل خُلُق قويم، وكل عمران سليم بالمعنى الخَلدوني الشامل للعمران “حجرا وبشرا وعلما وثقافة وحَضارة”.. وبناء سوريا يكون على سواعد مواطنيها بالدرجة الأولى، وبخوض “حرب” على من يديمون الحرب لينهبوا الشعب ويضعفوا البلد، وعلى مراكز تستقطب ولاءات خاصة لأغراض خاصة هي أساس الداء ومُسْتَنبَت الأدواء.. لأنها تتبع أساليب هي الأمراض والأوبئة الاجتماعية والسياسية.. لكي يتحول الاستقطاب من سلبي على حساب الوطن إلى إيجابي لحساب الوطن.. استقطاب كفاءات وقدرات وطاقات ذوي علم واقتدار وأخلاق، وذوي ولاء مطلق وانتماء سليم للوطن والأمة، وللقيم والمعايير السليمة للعدالة التي تبني الحكم وتديمه، وتبني البلد والإنسان وتنهض بهما.. على أن يتم ذلك بوسائل مشروعة، وأن ينتهي كل فعل واستقطاب سلبي مرَضي هدام وغير مشروع بوسائل مشروعة وبتوجه بنّاء.. إن علينا أن نفعل ذلك لكي نكون، ولن يكون من يريد منا أن يكون إلا “بالعدل، والحكمة، والمعرفة، والعلم، والأخلاق، والكفاءة، والولاء للشعب والوطن والأمة، وبامتلاك القدرة على البناء والتسيير والتدبير بفهم وعزم وعلم، وبالتوجه الحقيقي نحو تجنيب الشعب والوطن، “الشعوب والأوطان”، الحروب والكوارث وأشكال الشقاء والبؤس والإذلال والتبعية، وكل ما يؤدي إلى الارتهان والمس بالسيادة والاستقلال، ويفضي إلى خضوع وركوع لغير الله تعالى.

إلى الأعلى