السبت 29 فبراير 2020 م - ٥ رجب ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / حذار الانزلاق إلى حرب لا تبقي ولا تذر

حذار الانزلاق إلى حرب لا تبقي ولا تذر

أ.د. محمد الدعمي

ليس هناك أي شعب يدرك الآثار التدميرية المزمنة لأي ارتطام عسكري مع إيران، بقدر ما يفعل الشعب العراقي! وعودا إلى تاريخ قريب حسب حسابات التاريخ الحقة، بقي هذا الشعب ينزف دما وثروات مذ أن استدرج الرئيس السابق صدام حسين إلى حرب الثماني سنوات ضد إيران. ولم ينِي الإيرانيون أنفسهم من دوافع الانتقام والثأر حتى شنق الرئيس السابق، بل واستمرارا حتى هذه اللحظة، بقدر تعلق الأمر بآثار النفوذ الإيراني في العراق.
ولا يخال المرء أن أهلنا الخليجيين يجهلون أبعاد مثل هذه الحرب التي، إن اندلعت، يصعب إطفاء نيرانها التدميرية إلى ما لا نهاية. ولست أشك قط كذلك في أن الإدارة الأميركية هي الأخرى تدرك هذه الأبعاد التاريخية للحرب، اللهم إلا إذا ما اعتمدتها أداةً “للاحتواء المزدوج” Double Containment، أي توريط إيران سوية مع دول إقليمية أخرى في حرب ضروس، تكون هي الرابحة النهائية منها. بيد أن هذا ممر ضيق ومحفوف بالمخاطر حتى بالنسبة لأقوى دولة في العالم، فهي الآن في مخاض عمل شاق لسحب قواتها من أطول حرب في تاريخها، وأقصد بها الحرب في أفغانستان، خصوصا وأن الرئيس دونالد ترامب راح يتيقن الآن بأنها استحالت حرب استنزاف بلا نهاية مرئية.
زد على ذلك أن الرجل يبذل جهودا واضحة المعالم لتجنب أي صدام عسكري مع كوريا الشمالية، كما يفعل ذات الشيء لاستمالة قيادات “طالبان” في سبيل معاونته لانسحاب عسكري آمن من مستنقع أفغانستان الذي لا يقل خطورة عن ذلك الذي جربت واشنطن الانزلاق إليه في فيتنام قبل عقود.
الارتطام بإيران عسكريا، لا يمكن أن يحسب بطرائق عسكرية تقليدية من نوع نمط النزاعات الحدودية أو الخصومات البينية، نظرا لأن هذا الارتطام لا بد أن يكون “جماعيا”، بسبب أذرع إيران الممتدة في العديد من دول الجوار الإقليمي، وهي أذرع مسلحة لا تتوانى في تلبية النداء لحمايتها، وبدوافع طائفية لا تمت لمستقبل المنطقة وسلامها بأية صلة. وبهذا، وستكون التحالفات الإقليمية والدولية أشبه بمتوالية هندسية قابلة للتعاظم بسرعة خاطفة وبلا حدود، بل قد تكون أشبه بخطين متوازيين لا يلتقيان حتى في اللانهاية!
وعليه، أجد في أصوات السلام وإطفاء الحرائق والتهدئة الصادرة، بإخلاص، من جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مركبا للنجاة الذي يمكن ركوبه بديلا لتواصل دق طبول الحرب وما رافقه من الضوضاء وإحياء الضغائن والكراهية والغل، باتجاه تمكين الحل السياسي من خلال تجنب ومنع الانفعال والعصابية!

إلى الأعلى