Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

في العمق: نحو معالجة وطنية مقنعة لعقدة التنسيق وتعقد الإجراءات بمؤسسات الخدمات

د. رجب بن علي العويسي

ينطلق تناولنا للموضوع من فرضية الأثر الإيجابي المترتب على منظومة التكامل المؤسسي والتناغم الحاصل في الأدوات والآليات وتوافر نظم التقييم والمتابعة والإدارة الفاعلة في تحقيق قيمة مضافة في مسيرة العمل الوطني، وتعزيز توجهات الحكومة نحو التنويع الاقتصادي من خلال الحزم التطويرية التي سعت لتحقيقها في مجالات الاستثمار والبنية الأساسية والمشروعات التنموية المنتجة غير النفطية، وفتح المجال للتمكين ودخول المواطن نفسه كشريك استراتيجي في صناعة البدائل وتوليد الحلول، وترقية دور القطاع الخاص والقطاع الأهلي عبر تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، من الاستفادة من الحوافز وفرص التمويل، والتوقعات الاستثمارية للمناطق الاقتصادية في الدقم وصلالة وصحار، وتعزيز اقتصادات المحيطات والمناطق اللوجستية وغيرها، وهي في مجملها توجهات مرهون على نجاحها وقدرتها على وضع عمان في الخريطة الاقتصادية المتكاملة بالمنطقة، وجعل عمان مركزا اقتصاديا استثماريا مهما على بحر العرب؛ وتحقيق نجاحها بحاجة إلى أعلى درجات التنسيق والتكامل ووضوح معالم العمل المؤسسي في توفير بيئة ضامنة للإنجاز، محققة للآمال، دافعة إلى رفع سقف التوقعات في الناتج المتحقق منها وأثره النوعي على جاهزية السلطنة في التعاطي الواعي مع متطلبات التنويع الاقتصادي، وبالتالي ما يمكن أن يؤديه كفاءة التنسيق ورفع مستوياته وتأطير انسيابيته بين المؤسسات من أريحية في التنفيذ ومهنية في الأداء وكفاءة في جودة المنتج، ورغبة أكيدة من قبل المستثمرين الأجانب والمحليين على حد سواء في ضخ أموالهم في تنفيذ مشروعات نوعية قادرة على صناعة الفارق، وتوفير مظلة تشريعية وتنظيمية وتسويقية واتصالية وسوق محلية وعالمية داعمة، يظهر ذلك في واقع تعامل القطاعات السلس واحتوائها النوعي لهذه الفرص الاقتصادية والاستثمارية وتوفير الضمانات الدافعة لها لتقوية مسارات الابتكارية في منظومة الإنتاج والنوعية في كفاءة المنتج وثقة المستهلكين فيه.
على أننا ندرك أن محور التحدي وأساس المشكلة في التعاطي مع قضايا الاستثمار والدعم والتمكين والإنتاجية يكمن ليس في منظومة التشريعات التي نعتقد اليوم بأنها اتسمت بالديناميكية والتطوير وقدمت الفترة الماضية جملة من التشريعات الاقتصادية التي شكلت مرتكز عمل وطني قادم يمكن توظيفه في تعزيز القيمة الاقتصادية والاستثمارية في بيئة العمل الوطنية، فالبنية المؤسسية والمظلة القانونية والتنظيمية يمكن القول بأنها تتسم بالتكاملية والاتساع والشمول والعمق بما أنتجته من منظومة قوانين قادرة على إعادة إنتاج المسار الاقتصادي بما يتوافق مع رؤية عمان 2040 وهويتها الاقتصادية ويتناغم مع خطط الحكومة في التنويع الاقتصادي وزيادة القيمة المضافة في الأنشطة الاقتصادية غير النفطية، وأوجدت التشريعات التي تحمي المستثمر الوطني والأجنبي وتحافظ على كفاءة بيئة العمل والإنتاج وسقف التوقعات الناتجة عنها، وبما يحقق تبادل المنافع، فلقد أدخلت الكثير من التحسينات في الجوانب التشريعية والهيكلية التنظيمية للمؤسسات وأنشئت في المقابل هيئات ومؤسسات داعمة للجهود الوطنية بغية تحقيق التكامل، فالتشريعات الاقتصادية الأخيرة كانت بمثابة معالجة للمشكلة الأساسية في مسار التكامل الوطني ومنها المرسوم السلطاني رقم (52/2019) بإصدار قانون الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، والمرسوم السلطاني رقم (51/2019) بإصدار قانون التخصيص، والمرسوم السلطاني رقم (54/2019) بإنشاء الهيئة العامة للتخصيص والشراكة، وغيرها من القوانين التي يفترض أن تعمل على حلحلة الكثير من التعقيدات التي تواجهها الإجراءات؛ إلا أن المشكلة الحقيقية التي يعاني منها هذا القطاع والتي ما زالت الممارسة المؤسسية تعكسها واقعا ملموسا وسلوكا متجذرا، وشكلت هاجسا وطنيا يقف في وجه تحقيق هذه الطموحات ويعمل على تباطؤ هذه الجهود، وضعف الجدية في عملية التنفيذ إنما يكمن في نزوغ الممارسة إلى البيروقراطية والتعقيد في الإجراءات وعقدة التنسيق بين المؤسسات، صاحبها حالة من الرتابة وتكرار للعمليات الداخلية بالمؤسسات وزيادة الفاقد في الأداء مما أضعف هاجس الاهتمام وشغف الرغبة في الإنجاز، وما نتج عن ذلك من تأثيرات سلبية يلمس واقعها الجميع وتشيّع بسببها حقوق، فكم من المشروعات السياحية والاستثمارية وفي مجال الطرق وغيرها التي أقرتها الحكومة وصرح بتنفيذها المسؤولون القائمون عليها، وتم إدراجها في الخطط الخمسية السابقة، ولكنها لم تلق فرص التنفيذ، أو تم تأجيلها أو توقفها بدون مبررات واضحة سوى عدم اكتمال إجراءات التنسيق ودخول تقاطعات أخرى في خط سير العمل.
إن مما يعجب له المرء أشد العجب أن تصبح مسألة التنسيق والتكامل ليس حديث الشارع فحسب، بل أيضا حديث المسؤول نفسه، فعندما يتحدث المسؤول بملء فمه ويشير في لقاءاته الشخصية وتصريحاته الصحفية أو أحاديثه الجانبية عند سؤاله عن أسباب تأخر أو تأجيل أو عدم تنفيذ بعض المشروعات الخدمية والسياحية والاستثمارية والاقتصادية والإسكانية وخطوط النقل والاتصالات وغيرها، تجده يرجع القضية إلى مربعها الأول ويشير بوضوح إلى حالة الفجوة الحاصلة بين المؤسسات ومظاهر السلطوية والفوقية والبيروقراطية والترهل الذي أصبح حجر عثرة أمام كثير من المشروعات، فأصابع الاتهام تشير إلى وجود مشكلة تنسيقية ناتجة عن أزمة ثقة ونرجسية في المسؤوليات وكأن كل مؤسسة تريد أن تكون الحاكمة للموضوع وصاحبة الشأن فيه دون غيرها، وأن الواقع العملي بين المؤسسات الحكومية أو الخاصة أو بينهما معا تعاني من عقدة التنسيق، وضعف في إدارة هذه النظرة السطحية بطريقة احترافية تعزز من روح التكامل وتبني فرص التناغم وتحفظ الحقوق وتسرّع من خطوات التنفيذ وتقلل من الهدر في العمليات المؤسسية، لذلك نسمع في الكثير من الأحايين وعلى ألسنة متخذي القرار وراسمي السياسات التنموية ومن يعنيهم شأن التنسيق والتكامل بأن اليد الواحدة لا تصفق، وأن تنفيذ مشروعا سياحيا وطنيا من قبل الجهة المعنية بالسياحة (وزارة السياحة) يحتاج إلى موافقات من الإسكان والبلديات الإقليمية وموارد المياه والهيئة العامة للكهرباء والمياه وشركة الكهرباء في القطاع الجغرافي والهيئة العامة للاتصالات ومؤسسات أخرى لها علاقة بالموضوع كوزارة الزراعة والثروة السمكية ووزارة البيئة والشؤون المناخية وشرطة عمان السلطانية ومكتب الوالي…إلخ، في قائمة طويلة جدا من الموافقات التي تحتاجها مؤسسة حكومية لتنفيذ مشروع حكومي في أرض الوطن ليخدم المواطن والمقيم، فماذا يمكن القول في المشروعات التي تنفذ من مؤسسات القطاع الخاص والأهلي، ولتنفيذ مشروع تطوعي أو استثماري يرجع إلى المجتمع؟ وماذا لو أراد المواطن تنفيذ مشروع سياحي أو استثماري وغيره؟ لا شك أنه سيواجه كومة من الإجراءات والتعقيدات غير المبررة وهو يتنقل من مؤسسة وأخرى وينتظر المدير المختص أو أعضاء مجلس الإدارة، ما يجعله يتوقف عن الاستمرارية في استكمال الإجراءات والنتيجة النهائية الانسحاب باعتباره الحل الأمثل في مواجهة سيل التعقيدات وكثرة العقد.
وهنا يتبادر إلى السمع سؤال عفوي، فإذا كان المسؤول بهذا القدر من المستوى والموقع الذي يشغله في هرم المؤسسة، وهو المسؤول نفسه الذي يتحدث عن ضعف التنسيق ويشير إلى الحاجة لزرع الثقة وبناء جسور التواصل وتقريب وجهات النظر واتخاذ قرار وطني بحلحلة البيروقراطية ومعالجة إشكالية السلطوية والسيادة التي تمارسها بعض المؤسسات، بما ينعكس على تعاملها مع الإجراءات واهتمامها بالتعجيل في الموافقات، ولسان الحال يقول: أنتم غير قادرون على تنفيذ هذا المشروع أو أن تخطو خطوة متقدمة إلا بعد موافقتنا على ذلك، لذلك عليكم أن تستجيبوا لطلباتنا وتنتظروا الدور”، فإذا كان هذا الأمر يحصل في ظل وجود تشريعات غطت الكثير من الإشكاليات وأوجدت الحلول للعديد من التحديات التي كانت عالقة في مسألة التنسيق، ومع ذلك ما زالت الممارسة تفصح عن الاستمرارية في عقدة الإجراءات، وزيادة مستوى البيروقراطية، وتبني قرارات تحمل مزيدا من التضييق على المواطن الجاد في تنفيذ مشروعه، بكثرة الإجراءات وتعددها وتعقدها وزيادة الرسوم التي يتم دفعها للأوراق لحين تحقق ذلك في الواقع. على أننا في تقديرنا الشخصي نؤكد أن المشكلة التنسيقية هي حالة خاصة في محيط المسؤول وأروقة السياسات، يجب أن تضع لها الحكومة آليات عمل واضحة من خلال مجلس الوزراء الموقر، بحيث لا تنعكس هذه العقدة على رغبة المواطن وشغفه في تحقيق تحول في مساره الاقتصادي، تماشيا مع توجهات الحكومة والفرص التي أوجدتها ووجهت لها المواطن بأن يبادر في الاستفادة منها بشكل أفضل، كما أن مسألة التنسيق يجب أن تعالج في إطار المسؤوليات والصلاحيات، ويبقى حصول المواطن على الخدمة في ظل محددات تتسم بالسرعة والدقة والمهنية والجودة والاحترافية، الطريق للدفع بالمواطن نحو الاستمرارية في تعزيز مفهوم الشراكة والمساهمة في تعزيز التنويع الاقتصادي، وفي المقابل يجب أن تكون عملية التنسيق جزءا من الحل وليس عقبة في وجه المواطن أو الأجنبي المستثمر الذي يضخ أمواله في تنفيذ مشروعات استراتيجية لها علاقة بجهود السلطنة الساعية إلى التنويع والاستفادة من المناطق اللوجستية والاقتصادية الحرة.
إن ما تنعم به السلطنة من بيئة عمل آمنة ومحفزة وداعمة في ظل الموقع الجيوسياسي والاقتصادي الذي تتمتع به، وما انعكس على حصولها على جوائز دولية كأفضل الجهات في المنطقة والعالم في الأمان السياحي والاستقرار الاستثماري؛ بحاجة إلى أن يستفاد من هذه الفرص والمبادرات لصناعة تحول على الأرض، وهو ما يؤكد أن أول عمل يجب أن يتم في هذا الجانب إزالة عقدة البيروقراطية واستبدالها بالتقنين والضبطية والتمكين كمدخلات مهمة في إعادة إنتاج الواقع وتصحيح الممارسات، وصناعة توجهات إيجابية تنعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني، وإتاحة الفرص للمنتجين العالميين الكبار والشركات عابرة القارات في أن يكون لها حضور نوعي في تثمير الموارد الوطنية والتسويق لعمان، ناهيك عن أن الرصيد الفكري والثروة الأخلاقية والقيمية ونهضة المبادئ والثقافة العمانية ونشأة الإنسان العماني الذي ارتبط بإنجازاته الكبيرة ومغامراته الواسعة ونشاطه النوعي وحضوره التجاري البحري، باعتبارها مقومات نجاح ودعائم لتحقيق الإنتاجية في التوجهات الاقتصادية، والتي يفترض أن يتربع على عرش إدارتها التنسيق والتنظيم وإعادة هندسة العمليات التنمية بطريقة تستلهم في الجادين بالتنفيذ موقعا لهم في منظومة العمل الوطني.
وفي المقابل فإن الحديث عن عقدة الإجراءات وتعقدها، من قبل متخذي القرار الوطني وذوي الاختصاص ورجال الأعمال وأصحاب الشركات وتناولهم المستمر لهذا الموضوع، ما يشعرك بأن هناك تحديا يجب معالجته والوقوف على مسبباته والتعرف على نواتجه والإخفاقات التي أوجدها والسلبيات التي سطرها، بما يؤكد أهمية أن يتبنى مجلس الوزراء الموقر رؤية وطنية في رفع مستوى التنسيق والتكامل بين المؤسسات المدنية والخدمية عبر تأطير المفاهيم وبناء نماذج عملية للتنسيق وإدارة محطات انتاج واضحة في التقليل من حالة الهدر في الإجراءات، وإيجاد آلية عمل وطنية واضحة ملزمة تعمل عليها جميع المؤسسات، في ظل وجود مرجعية للمتابعة والتقييم والإشراف عليها، بحيث تعمل على تتبع مستوى التنسيق والتعامل مع الإجراءات الداخلية في نطاق المؤسسة الواحدة أو بين أكثر من مؤسسة أو أكثر من قطاع، ويرتب على القصور في أحد جوانب التنسيق مسؤوليات قانونية تتحملها هذه الجهات، وتحاسب عليها قانونا، والذي يفترض أن يعالج هذه القضية بطريقة أكثر جدية، وعبر توفير الجزاءات والعقوبات لكل من يعمل على تأخير الإجراءات أو يتسبب فيها أو يؤخر معاملات المواطنين بدون مبرر، ويلزم المؤسسة في الوقت نفسه توضيح صورة الإجراء الذي تم مع الحد من المتطلبات الشكلية، ومع قناعتنا بأن توجه الحكومة نحو قاعات الخدمة الموحدة كان من بين أهدافه، تقليل الإجراءات وبناء جسور الثقة مع المواطن أو متلقي الخدمة استغلالا للوقت والجهد وتحقيقا لأعلى درجات الضبطية والتقنين، واستشعار المسؤولية نحوه والاستفادة من التقنية والإدارة الإلكترونية في صناعة تحول في السلوك المؤسسي وثقافة العمل والممارسة الوطنية؛ إلا أن بقاء مسار البيروقراطية وتعقد الإجراءات على حالة، يفرض حتمية الوقف على هذا المسار وتشخيصه وتحليله وإعادة إنتاج القوانين المنظمة له أو صياغة سياسات أكثر ضبطية ومهنية وعملية في التعامل مع قضية التنسيق التي نعتقد بأنها تجاوزت في مخاطرها المعقول وساهمت بشكل كبير في تأخر الكثير من المشروعات التنموية، وفتحت المجال للمزيد من المرافعات في الجهات القضائية، وضيعت الكثير من الحقوق الوطنية، وجهود الحكومة الساعية إلى تقريب الخدمات وتسهيل الإجراءات؛ فهل ستتجه الجهود إلى إعادة هندسة واقع التعامل مع الإجراءات وما سببته من أزمة ثقة، وأحد معطيات التأخر الحاصل في بعض المشروعات الاقتصادية، وهل نتوقع أن تنفذ جزاءات قانونية عقابية وغرامات مالية على كل من يعرقل هذا الحق الوطني ويتسبب في تضيع حقوق المواطنين؟


تاريخ النشر: 25 سبتمبر,2019

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/351491

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014