الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / قراءة في العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة النتائج .. المطلوب والممكن
قراءة في العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة النتائج .. المطلوب والممكن

قراءة في العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة النتائج .. المطلوب والممكن

مقدمة:
شكل العدوان الإسرائيلي الأخير حلقة في سلسلة الاعتداءات الصهيونية على الشعب الفلسطيني وأمتنا العربية، غير أنه كان مميزا في همجيته وما أحدثه من قتل وتدمير وتنكيل كبير بالمعتدى عليهم. سنحاول في هذه القراءة إلقاء الضوء على جوانبه المختلفة.
ــــــــــ
أجواء ما قبل العدوان:
على الصعيد الدولي: لمسنا في السنوات الاخيرة على الصعيد الدولي، تراجعا ملحوظا للمركز الرأسمالي العالمي بقيادة واشنطن من جهة، ونموا تدريجيا لقطب عالمي جديد لم تتبلور بعد ملامحه الرئيسية وأطرافه: دول البريكس بشكل رئيسي بالإضافة إلى حركات التحرر الوطني. الظاهرة الأبرز في تجمع البريكس هي روسيا والصين. أيضا فإن صراعا خفيا دار في الخفاء بين طرفي المركز الرأسمالي وتحديدا بين الرأسمالية الإنتاجية ( إضافة إلى كل أشكالها الأخرى: التجارية، الصناعية، نظام الكارتل ( سيطرة شركات عديدة على الأسواق في بلدان عديدة)، ونظام التريست – ” سيطرة شركة معينة من خلال التهامها للشركات الأخرى على السلعة الواحدة “) وأنتجت في السنة الماضية 2013 ما يقدر بحوالي 60 تريليون دولار، وبين الرأسمالية المضاربة ( البورصات وغيرها من الأشكال ) التي استعملت في الأسواق ما قيمته 600 تريليون دولار. هذا التضارب انعكس سلبا على وحدة المركز الرأسمالي من جهة، وما ظهر من عجز في معظم ميزانيات دولة. بالتالي ولأهداف اقتصادية وسياسية وعسكرية برز مشروع كبير للمركز يتمثل في حلقات ثلاث: محاصرة روسيا وتوريطها في نزاع صراع على حدودها.. فكانت قضية أوكرانيا. المضي قدما في مشروع (الفوضى الخلاقة)، فكان إنشاء مشاريع التنظيمات المتطرفة: داعش والنصرة وغيرهما، وكان ما حققه داعش في العراق وسوريا ومحاولة الامتداد إلى دول عربية أخرى.
الحلقة الثالثة: نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، والإشارة لإسرائيل بالبدء في عدوانها. هذا يتقاطع مع الهدف الإسرائيلي في تشليح المقاومة من أسلحتها.هذا الهدف كان القرار الأبرز في مؤتمر هرتسيليا الأخير( 14) الذي انعقد مابين 24- 31 يونيو الماضي، والذي حضره قادة سياسيون وعسكريون اسرائيليون إضافة إلى الخبراء الاستراتيجيين من أصدقاء اسرائيل وبخاصة من الولايات المتحدة. للعلم تلكأت الولايات المتحدة وما تزال في توجيه ضربات عسكرية إلى داعش. التلكؤ متعمد وحرص الولايات المتحدة على توجيه ضربات جوية دون تدخل بري يكشف حقيقة نواياها والناتو، فالضربات الجوية لن تبيد داعش، فقط تضعفه.
على الصعيد العربي: تميزت أجواء ما قبل العدوان بوجود صراعات متعددة في دول عربية كثيرة وبالتالي، تحويل الصراع مما هو مفترض : كالصراع مع العدو الاسرائيلي والمخططات الهادفة لتقسيم الدولة القطرية العربية، وتخريب النسيج الاجتماعي لشعوبها إلى صراعات مذهبية وطائفية وإثنية! وذلك لتنفيذ مخططات مرسومة للمنطقة.
بالنسبة للساحة المحلية الفلسطينية تميز الوضع بالانقسام ووجود سلطتين في رام الله وغزة رغم توقيع المصالحة في أبريل 2014 في غزة ورغم تشكيل ما سمي ” بحكومة الوفاق الوطني ” فإنها لم تتجذر. لذا، فإن هشاشة المصالحة، ظهرت سريعا بعد الاتفاق على وقف إطلاق النارمن خلال تصريحات كل من فتح وحماس. بمعنى آخر فإن تداعيات الانقسام على المشروع التحرري الفلسطيني الذي تأثر سلبا بالانقسام، مرشحة للعودة … لصالح الفئوية الضيقة لدى كل من الحركتين وإمكانية عودته كسمة رئيسية ( من سمات أخرى ) للوضع الفلسطيني. هذا الوضع اعتبر بيئة ملائمة لتوجيه ضربة عسكرية للقطاع. مؤامرة المركز الرأسمالي العالمي في الوضع الفلسطيني: استهدفت أيضا، تحويل قطاع غزة ( بعد تدمير جزء كبير منه) الى منطقة اقتصادية حرة منفصلة تماما عن الضفة الغربية. لذلك سارعت الدول الأوروبية المانحة إلى عرض 60 مليار دولار لاعادة إعمار القطاع وتنميته اقتصاديا مقابل نزع سلاح المقاومة. من جانب ثان سمعنا في الأسابيع الأخيرة عن عرض ( مجهول المصدر وعلى الأغلب أميركي – إسرائيلي مشترك) بإعطاء الفلسطينيين أراضي في سيناء لإقامة دولتهم عليها.! هذا الأمر نفته كل من السلطة ومصر. المشروع قديم، جرى طرحه في عام 1950 بتوافق أميركي – إسرائيلي، وتم الاتصال بشأنه مع الحكومة المصرية، لكن ثورة يوليو عام 1952 أزاحته نهائيا. المشروع عرف باسم ” مشروع سيناء ” وهو من بين 11 مشروعا اسرائيليا جرى تقديمها حتى اللحظة. للعلم فإن اقامة منطقة حرة للفلسطينيين في غزة طرحه مشروعان دوليان ( بااقتراح أميركي غالبا – مجموع المشاريع الدولية لتوطين الفلسطينيين بلغ 14 مشروعا حتى اللحظة): مشروع جون كنيدي عام 1957، مشروع داغ همرشولد الأمين العام للأمم المتحدة وقدمه الى الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الرابعة عشر عام 1959، وورقته تحمل الرقم أ/4121. بالنسبة للضفة الغربية فالمشاريع تهدف إلى اقامتها لكونفدرالية مع الأردن .
على صعيد آخر ومن ضمن أجواء ما قبل العدوان: فإن هبّة جماهيرية فلسطينية واسعة اجتاحت القدس وكافة الأماكن الأخرى في الضفة الغربية وقطاع غزة،احتجاجاً على جرائم المستوطنين وإسرائيل وقوات احتلالها، واحتجاجاً على حرق جثة الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير بعد حرق الطفل الفلسطيني حيّا وقتله والتمثيل بجثته. بهذا يمكن وصف مقاومة أبناء شعبنا الفلسطيني تحت الاحتلال للفاشيين الجدد المتمثلين في جيش الاحتلال وجيش آخر من المستوطنين الهمجيين. كثيرون من الفلسطينيين والعرب رأوا في هذه الهبّة انتفاضةً ثالثة. بالطبع من حقّهم، لكن الأدّق هو: أن هذه الحركة تشكّل مقدمات انتفاضة، فالأخيرة وحتى تكون فعليةً على أرض الواقع لابد وأن تستكمل شروطاً، والتي هي ضرورية لدوامية الانتفاضة واستمرايتها. كما أن جماهيرنا في الضفة الغربية هبت لمناصرة أشقائها في قطاع غزة. الهبة هي غير الانتفاضة بالطبع،
إن من أبرز شروط الانتفاضة واستمراريتها: امتداد الهبّة إلى كافة المدن والقرى في الضفة الغربية وفي قطاع غزة مع مشاركة جماهيرية واسعة في نشاطاتها.تطبيق شرط الوحدة الوطنية الفلسطينية بين كافة الفصائل الفلسطينية ذات الاتجاهات المختلفة .الدفع من قبل الفصائل لأعضائها وجماهيرها بالمشاركة في النشاطات المختلفة للانتفاضة. تشكيل قيادة وطنية موحدّة للانتفاضة على مستوى الأراضي المحتلة، وقيادات محلية تابعة لها في كل مدينة وقرية. هذه القيادة مطالبة بالاتفاق على برنامج عملي مشترك يطرح النشاطات في كل يوم، بحيث تتوحد هذه النشاطات لتسير وفق التحركات المشتركة الموحدة في كافة المناطق. تحديد العوامل الضامنة لمسيرة هذه الانتفاضة لأسابيع وأشهر وربما لسنوات كما حصل في الانتفاضتين: الأولى والثانية.أهمية التحرك السياسي للقيادة بشكل يتواءم مع أهداف الانتفاضة والشعارات الرئيسية المرفوعة لها.الإعداد الجيد وأخذ الاحتياطات لردود الفعل الإسرائيلية بما في ذلك المستوطنون فقد تلجأ قوات الاحتلال لمحاصرة كل مدينة وقرية في الضفة الغربية بحيث تمنع كافة أنواع الاتصالات بين المدن والقرى والمناطق ، وأن يستمر هذا الحصار فترة طويلة. ما يساعد على استمرارية الانتفاضة أيضاً: عدم قيام أجهزة الأمن الفلسطينية بمنع نشاطات الانتفاضة، فليس معقولاً أن تقوم هذه الأجهزة الرسمية بمسلكيات مضادة لجماهير الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال في الوقت الذي تنصّب فيه نضالات الفلسطينيين لمقاومة الاحتلال.
نقول ذلك لأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس وكما أعلن مراراً هو ضد اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة مع أن الانتفاضة هي مقاومة شعبية ليس إلاّ، والرئيس لا يقف ضد المقاومة الشعبية !. من العوامل المساعدة أيضاً: الاقلاع عن نهج أوسلو من قبل السلطة وما يستتبعه ذلك من مفاوضات أثبتت عقمها وعبثيتها بعد تجربة واحدٍ وعشرين عاماً منها، لم تستفر سوى عن نهم إسرائيل لمزيد من الاشتراطات التعجيزية على الفلسطينيين ولمزيد من التنازلات الفلسطينية. وقف التنسيق الأمني للسلطة مع العدو الصهيوني بشكل نهائي فالتنسيق في حالة قيام انتفاضة سينصب على المحاولات المستميتة لوقفها وعدم الاستمرار بها.
من العوامل المساعدة عربياً: حركة جماهيرية عربية واسعة تحتضن الانتفاضة وترفع شعاراتها وتتبنى ما ترفعه من أهداث بغض النظر عن الحراكات الجماهيرية المنصبّة حول مطالب وقضايا خاصة متعلقة بها في دول الحراكات.تبني كافة القوى والأحزاب العربية مختلفة الاتجاه: قوى وطنية تقدمية قطرية، قوى قومية عربية، قوى إسلامية(ليس المقصود أن من ضمنها قوى الأصولية والتطرف)، قوى ناصرية، قوى يسارية، للانتفاضة وشعاراتها وأهدافها، ودفع الجماهير العربية للقيام بنشاطات مختلفة تأييداً متواصلاً للانتفاضة. امتلاك برنامج سياسي قابل للتحقيق فلسطينياً وعربياً لكسب أكبر نسبة تأييد للانتفاضة على المستويين الإقليمي والدولي. قيام النظام الرسمي العربي بدعم الفلسطينيين مادياً من أجل الاستمرار بالانتفاضة وبخاصة في ظل إمكانية جديّة لحصار مالي صهيوني لكل من الضفة الغربية، والاستمرارفي الحصار لقطاع غزة للعام الثامن على التوالي بما يمنع وصول المواد الحياتية الأساسية لشعبنا مثل المواد الغذائية والأدوية وغيرها. القيام بنشاطات دولية مختلفة على صعيد الأمم المتحدة وكافة الهئيات التابعة لها. رفع قضاياعلى إسرائيل واتهامها باقتراف جرائم حرب ضد الفلسطينيين وممارسة عقوبات جماعية عليهم في المحكمة الجنائية الدولية، وأمام القضاء في البلدان المختلفة. هذا يسلتزم انضمام السلطة أيضاً للمحكمة الجنائية الدولية وهذا ما ترفضه حتى اللحظة.هذه ليست شروطاً تعجيزية لكنها ضامنة لنضال جماهيري شعبي فلسطيني طويل يتوجب أن تكون أهدافه: إنجاز الحقوق الوطنية الفلسطينية في العودة وحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على أرضها وأجوائها ومياهها ومعابرها.من دون تحقيق هذه الأهداف، أو إذا تم قطف ثمارها قبل الأوان(وكما حصل في الانتفاضة الثانية) فإن أية انتفاضة لن تكون سوى إعلان غضب ورفض للاحتلال وهذا ما يعرفه ويدركه العالم بأنحائه المختلفة عن شعبنا ورفضه للاحتلال الصهيوني.
من العوامل المساعدة إسرائيلياً لقيام انتفاضة فلسطينية ثالثة: الارتفاع الملحوظ في وتيرة العدوان الإسرائيلي الرسمي من خلال قوات الاحتلال والمستوطنين على شعب محاصر بالاحتلال، بداية منذ اختفاء المستوطنين الجنود الثلاثة قام الطرفان بالتنكيل بشعبنا في كافة المدن والقرى في الضفة الغربية ،وزيادة الحصار على غزة، وقصف أهداف عديدة فيها من بينها : البنى التحتية. الغارات على القطاع مورست بشكل يومي.ازدياد حدة الاعتداءات بعد العثور على جثامين المستوطنيين الثلاثة.إسرائيل وجهت الاتهامات للفلسطينيين جميعهم وبخاصة لحركة حماس التي توعدها القادة السياسيون والعسكريون الصهاينة بالويل والثبور في عنجهية واضحة.. لو أن البعض الفلسطيني قام بعملية الاختطاف(كما تدّعي إسرائيل لوجد وسيلة لإخفاء المختطفين ( بفتح التاء) ولساوم عليهم في صفقة لتبادل الأسرى بين الطرفين. إسرائيل وجهت الاتهامات لاثنين من الفلسطينيين ! ما أدرانا أن من قام باختطاف المستوطنين الثلاثة وقام بقتلهم هي جهة إسرائيلية قتلتهم ورمت جثثهم بالقرب من الخليل لإبعاد التهمة عنها وإلصاقها بالفلسطينين، وبخاصة أن إسرائيل لم تُعلن دليلاً واحد عن مسؤولية جهة فلسطينية عن عملية الاختطاف؟ القاعدة القانونية تنص على:أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته ولم تثبت هذه الإدانة على أي فلسطيني.المقصود القول:أن الارتفاع في العدوانية الصهيونية قادر حتما على خلق ردود فعل فلسطينية وأدناها: قيام انتفاضة شعبية ثالثة.من العوامل المساعدة أيضاً على الصعيد الإسرائيلي عزلة إسرائيل الدولية هذا ما لا نقوله نحن فقط وإنما ما تكتبه بعض الصحافة الإسرائيلية (من بين الكتّاب الذين يكتبون حول العزلة،جدعون ليفي في مقالاته الأسبوعية في صحيفة )”هآرتس”وما أكثر ما كتب حول ذلك.
من العوامل المساعدة دولياً:ردود الفعل الدولية(السلبية على إسرائيل) لإحراق جثة الفتى الفلسطسيني والإرهاب الصهيوني لشعبنا إثر ذلك. حتى أصدقاء إسرائيل استعملوا تعبير”التفزز”في وصف حرق جسد الفتى بعد قتله والتمثيل بجثته .. ومما يساهم في هذه المسألة : حجم المذابح والتنكيل الصهيوني باهالي القطاع إبان العدوان وحجم الدمار الكبير جرّائه .كذلك فإن مقاومة الشعب الفلسطيني لمحتلي أرضه مشروعة بقرارات واضحة من الأمم المتحدة بهذا الشأن.هناك جملة من قوانين الأمم المتحدة تعترف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.
أهداف العدوان : نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في القطاع. القضاء على روح المقاومة لدى الفلسطينيين. تعميم تجربة الضفة الغربية على قطاع غزة . العودة لنهج المفاوضات باعتباره: إمكانية وحيدة أمام الفلسطينيين ومن الممكن لإسرائيل مدها مئة عام، والقبول بالحل الإسرائيلي في الحكم الذاتي. ضمان أن لا يقوم الفلسطينيون في القطاع بإنتاج أسلحة جديدة. ضمان ألا يستوردون أية أسلحة من الخارج . تفكيك وحدة الفصائل الفلسطينية.
مشاهدات من العدوان: مجازر وحشية ارتكبتها قوات الاحتلال الصهيوني في كل منطقة من قطاع غزة. كان أبرزها مجزرتي حيّي الشجاعية وشعف. الضحايا بالعشرات والجرحى بالمئات. أشلاء الشهداء من الأطفال كانت منتشرة في الشوارع في مناظر تقشعر لها الأبدان ويتوقف لرؤيتها شعر الرأس . العدو استهدف السكان المدنيين من الفلسطينيين ،المدارس ومدارس الاونروا منها، حيث يلجأ إليها المدنيون من القصف ، المستشفيات وغرف العمليات فيها ، وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، والإعلاميين . إسرائيل تفوقت في جرائمها على الأساليب النازية والفاشية في ذبح الشعوب .الكيان ابتكر طرقه الخاصة به في ارتكاب المجازر. هذا التصعيد الإسرائيلي انعكس في مضامينه، عن الازمة التي عاشها الكيان ،فهو من جهة يمارس عدوانيته المعهودة واللصيقة بوجوده وتعاليم حاخاماته، ومن جهة أخرى أراد توجيه رسائل إلى فصائل المقاومة الفلسطينية وعموم شعبنا وإلى الصهاينة في الكيان، وللعرب والعالم مفادها:
للفلسطينيين: أن لا فائدة من المقاومة التي تجلب الويلات على الناس، وهي محاولة أيضا للضغط على الفصائل للقبول بالهدنة (التهدئة ) الطويلة الأمد وإلا ستستمر الخسائر الكبيرة في كل يوم.
إسرائليا، استهدف العدو: محاولة إرضاء الشارع الإسرائيلي، الذي أخذ يقدم الخسائر، والمصاب بحمّى الرعب، والذي كان مضطر بمجموعه للنزول إلى الملاجىء، وهو الذي لم يتعود وصول الحرب إليه، بل تخوضها دولته على الدوام، خارج حدودها. كما لم يتعود على الخسائر البشرية بين صفوف جنوده . وباعتراف مصادر العدو، تمكنت الفصائل الفلسطينية من قتل 164 جنديا إسرائيليا ومن أسر جنديين ( الأحد 20 يوليو الماضي) .قادة عسكريون إسرائيليون سابقون وإعلاميون وخبراء عسكريون أجمعوا في تصريحاتهم : بأن العملية العسكرية البرية الإسرائيلية كما العدوان،فشلا في تحقيق أهدافهما ،ولهذا ونتيجة للرد الصلب للمقاومة، أخذ الضجيج ضد الحرب، يعلو في الشارع الإسرائيلي، فلم يكن في تصور قادة إسرائيل: أن حركة مقاومة صغيرة وبسيطة في وسائلها، مقارنة مع ما تمتلكه دولتهم من أسلحة، قادرة على مجابهة عشرات الآلاف من الجنود الإسرائيليين، والطائرات، والمدافع والصواريخ والقذائف البحرية. مجابهة فلسطينية بامتياز. المجزرة الصهيونية تعكس (الحضارة!) الصهيونية التي يتحدث عنها الصهاينة دوما: يوحون للعالم كذبا: بأن القوات الإحتلالية الصهيونية تقوم بتحذير ساكني المناطق قبل قصفها!؟.
التجارب الفلسطينية الطويلة مع الكيان الصهيوني، وبخاصة تجربة المقاومة والصمود لشعبنا ومقاومته في مواجهة العدوان الأخير 2014 أثبتت :
فشل نهج المفاوضت واعتمادها تكتيكا سياسيا وخيارا وحيدا استراتيجيا مع هكذا عدو، هذا أولا. ثانيا: أثبتت التجربة أن المقاومة بكافة أشكالها وصورها، وبشكل خاص الكفاح المسلح، هي القادرة ( كما تجارب كل حركات التحرر الوطني) على إرضاخ إسرائيل للحقوق والمطالب الوطنية والشرعية الفلسطينية، لأنها أجبرت الكيان على الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني بعد حقبة طويلة من إنكارها لهذا الوجود،( هذا لايعني : أن كل الإسرائيليين يعترفون بوجود الشع الفلسطيني، فالبعض منهم – وعلى صعيد القادة خاصة وأحزاب اليمين والدينية المتطرفة – ما زالوا يتنكرون لهذا الوجود ) . المقاومة أيضا حققت الهوية الوطنية الفلسطينية وضمنت اعترافا دوليا واسعا بالشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، وهي في نفس الوقت مصدر ألم وخسارة للمشروع الصهيوني برمته ولكافة مناحيه ومجالاته الإسرائيلية . كما منعت العدو من تحقيق أهداف عدوانه الأخير.
فصائل المقاومة الفلسطينية ، كلها ، وحين انطلاقتها أعلنت تبنيها مبدأ وأساليب “الحرب الشعبية الطويلة الأمد ” في صراعها مع العدو الصهيوني ! وأن فلسطين من النهر إلى البحرهي الوطن الطبيعي للفلسطينيين . انزياح البعض عن هذا المبدأ ، سواء في برنامج النقاط العشر ، أو في التمهيد لمباحثات أوسلو ومن ثم اتفاقيتها وصولا إلى إسقاط البنود المتعلقة بالكفاح المسلح من الميثاق الوطني الفلسطيني في عام 1996، ووصولا إلى نهج المفاوضات كخيار استراتيجي وحيد لم يجلب سوى الدمار للقضية الفلسطينية ولحقوق الشعب الفلسطيني، أوصل إسرائيل فقط للاعتراف في حكم ذاتي لهم في الضفة الغربية وغزة ( بالطبع قبل الإنقسام وظهور السلطتين ) وإشراف السلطة على القضايا الإدارية والحياتية لسكان المنطقتين دون امتلاك أية مظاهر سيادية، حتى الحد الأدنى منها. المفاوضات لم تزد إسرائيل إلا نهما للتنازلات الفلسطينية، وإلى زيادة الاستيطان والمذابح . إسرائيل لم تتوقف يوما ( حتى في ظل اتفاقيات أوسلو ) عن قتل الفلسطينيين شعبا وأرضا وأشجارا وجبالا وبيوتا واعتقالهم واغتيالهم والتنكيل بهم بكافة أشكال المذابح والإبادة.
كيري في جولته الجديدة وبتشكيله : تحالفا دوليا من أجل محاربة داعش ،حاول الضغط من اجل إعادة المفاوضات إلى مسارها السابق بعد رفض الولايات المتحدة للخطة (الثلاثيه) التي أطلقها الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، بحجة أنها تأتي من جانب واحد ولا بد من التوافق بين الجانبين ! . الجولات السابقة لكيري في المنطقة ومباحثاته مع الطرفين : الإسرائيلي والفلسطيني لم تسفر سوى عن حل أمريكي مسخ : هو وجهة نظر اسرائيلية أولا وأخيرا، مضمونها : اتفاق اطار على دويلة مؤقتة منقوصة السيادة والقدس وعودة اللا جئين ! دويلة هي ليست غير الحكم الذاتي القائم حاليا ، دويلة كانتونات مقطّعة الأوصال ، دون أية روابط جغرافية مع غزة وقطاعها .اضافة الى تواجد عسكري اسرائيلي في منطقة غور الأردن، سيتحول مستقبلا الى وجود دائم .
حقائق أبرزها العدوان: من زاوية ثانية، فان الحقيقة الأخرى التي يتوجب ادراكها : لا يمكن للولايات المتحدة أن تكون وسيطا نزيها في الصراع بين الفلسطينيين والعرب من جهة وبين اسرائيل من جهة أخرى. لا نقول هذا الكلام جزافا ،، وانما اعتمادا على نصوص رسالة الضمانات الأستراتيجية الأميركية التي جرى ارسالها الى اسرائيل في عام 2004، وتنص على مبادىء كثيرة، أبرزها: التزام الولايات المتحدة بأمن اسرائيل، وتعهدها بعدم ممارسة الضغط عليهل لقبول ما لا تريده من حلول أو تسويات. الحقيقة الثالثة، التي يتوجب على السلطة الفلسطينية ادراكها: أن الولايات المتحدة ملتزمة التزاما تاما بالحل الأسرائيلي دون زيادة أو نقصان، فالموقف بين الحليفين: الأميركي والأسرائيلي حول عناصر التسوية متماهي الى حد كبير: واشنطن ترفض حق عودة اللا جئين الفلسطينيين، وهي متفهمة للموقف الأسرائيلي بابقاء القدس موحدّة وعاصمة أبدية لأسرائيل. على هذا الأساس، فان كل مرشح أميركي للرئاسة وابّان فترة ترشيحه يعد بنقل السفارة الأميركية الى القدس، وهذه دلالة كبيرة. التعارض بين الموقفين الأسرائيلي والأميركي، يتمثل في الأستيطان. واشنطن فعليا ليست ضد الاستيطان، لكنها مع تجميده مؤقتا بهدف تسليك المفاوضات الأسرائيلية – الفلسطينية والوصول الى حل ّ .
من الحقائق البارزة أيضا: أن استراتيجية المفاوضات لم تؤد الا الى التنازلات الفلسطينية وهي مستقبلا لن تؤدي الا الى المزيد من هذه التنازلات. الحركات الثورية للشعوب المحتلة أراضيها والمغتصبة ارادتها تخوض المفاوضات مع أعدائها ولكن بشروط : أولها: خوض المفاوضات مع العدو ولكن في مرحلة متقدمة من النضال، تكون فيه الحركة الثورية على أعتاب الأنتصار. ثاني هذه الشروط: استناد المفاوضات الى انجازات حقيقية على الأرض، وهذه لن يتم انجازها الا بفضل المقاومة وعلى رأسها الكفاح المسلح . ثالث هذه الشروط: عدم المساومة والتفريط على وفي حقوق الشعب الوطنية ، فالعدو وجرّاء تضرره الكبير من مشروع احتلاله بالمعنيين: الأقتصادي والبشري الديموغرافي هو بحاجة للوصول الى تسوية، لأن ليس لديه الأستعداد لدوام تلقي الخسائر البشرية والاقتصادية. رابع هذه الشروط: الأستناد الى حركة جماهيرية شعبية يجري تأييدها سياسيا من شعوب ودول كثيرة. القضية الفلسطينية ( لو كان القائمون الرسميون عليها يستندون الى الكفاح الثوري والأستراتيجية غير التفريطية بالحقوق) تؤيدها الجماهير الشعبية العربية من المحيط الى الخليج، وهي تستند الى قاعدة شعبية دولية عريضة. بالتالي: فليس أمام الحركة الثورية سوى الأنتصار أو الأنتصار. طريقان لا ثالث لهما. خامس هذه الشروط: دوام الأستناد الى ما يجري على الأرض من انجازات، فالمفاوضات ليست مطلبا للحركة الثورية فحسب، وانما للعدو أيضا. المفاوضات تعمل على تعميق الانقسام في صفوف الشعب الفلسطيني والأمة العربية بينما نهج المقاومة يجمعها تماما.
لقد خاضت حركة التحرر الوطني الفيتنامية والتي كانت تسمى ” جبهة التحرير الفيتنامية ” مفاوضات مع المحتل الأميركي في مفاوضات باريس، بعض تلك الجولات التفاوضية لم تكن تستمر سوى دقائق قليلة فقط، يضع الفيتناميون مطالبهم على طاولة التفاوض، فاذا كان هناك تجاوب أميركي معها، يجري الأستمرار في المفاوضات، والا فلا ، وينسحب الفيتناميون. بالطبع هناك فارق كبير بين طبيعة النضال الفلسطيني والنضال الفيتنامي، وهناك فوارق في الظروف المحيطة سواء بالمعنى الذاتي أو الآخر الموضوعي، لكن هذه التجربة التفاوضية خاضتها الكثير من حركات التحرر الوطني للشعوب في آسيا وأفريقيا وأميركا اللا تينية. كمثال على صحة ما نقول: تجربة حزب ” المؤتمر الوطني الأفريقي ” وحلفاؤه في جنوب أفريقيا، والمفاوضات التي جرت مع النظام العنصري فيها ( الحليف العضوي للكيان الصهيوني ) . تجربة روديسيا. التجربة الفلسطينية ذاتها،ابّان المرحلة الأولى من الثورة ( قبل اتفاقيات أوسلو ) مرحلة الكفاح المسلح.
على صعيد آخر، فان المقاومة والمسلحة منها تحديدا هي الأستراتيجية المركزية التي تتبناها مطلق حركة تحرر وطني لمطلق شعب محتلة أرضه ومغتصبة ارادته، ونتحدّى أن يقوم أحد بتسمية حركة تحرر واحدة لم تعتمد الكفاح المسلح في نضالها ( تجربة غاندي مختلفة تماما عن تجارب حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. هي حركة عصيان مدني شعبي عام ضد الأحتلال البريطاني) . لذلك، فان القاعدة العامة هي المقاومة المسلحة.
يبقى القول : كفى تفاوضا مع العدو الصهيوني ، وكفى استجابة للضغوطات الأميركية والدولية. آن الأوان لانهاء الأنقسام والتراشق الاعلامي والتهامات والأخرى المضادة بين حركتي فتح وحماس، ومراجعة المرحلة الماضية ، والتمسك باستراتيجية المقاومة واحيائها من جديد لدى الفصائل الفلسطينية التي تعتمد نهج المفاوضات تكتيكا سياسيا واستراتيجية وحيدة ضد العدو الصهيوني. كما أنه لا هدنة طيلة بقاء الاحتلال.
إن الرسالة التي استهدفها العدو وحاول توجيهها للعرب: بأن من حق الكيان(المسالم) الدفاع عن امنه وحدود دولته أمام ( الإرهابيين ) الفلسطينيين الذين لا هم لهم سوى “التآمر “على الكيان، والتخريب في الدول العربية ! وللاسف ابتدأنا نسمع نعيقا من أصوات (تدّعي العروبة ) وتتمنى انتصار الكيان وقتل جميع الفلسطينيين!؟ نقول لهؤلاء : أنتم لستم سوى نفر قليل، لا تمثلون أمتنا الاصيلة التي جعلت من فلسطين وما تزال قضيتها المركزية. العدو يوجه رسالة أخرى : هي التحذير والتخويف من مناصرة الفلسطينيين. الرسالة الإسرائيلية للعالم: أن الكيان ” صادق ” فيما يطالب: أن من حقه في أية تسوية سياسية مع الفلسطينيين والعرب المطالبة بما يراه مناسبا في الدفاع عن أمنه ، ولذلك لا حلول للصراع في المنطقة غير الحلول الصهيونية.
المفاوضات … ومفاوضات القاهرة كتكيك سياسي ونهج المقاومة: لقد اضطرت بعض الفصائل الفلسطينية الرافضة لنهج المفاوضات للذهاب إلى المفاوضات غير المباشرة في القاهرة لأسباب أبرزها: وضع الشعب في القطاع الصعب إنسانيا، والذي يعاني حصارا خانقا للعام الثامن على التوالي. معالجة مطالب محددة في قضية محددة ليس إلا . تأكيد وحدة الساحة الفلسطينية .لقد انتهت المفاوضات ” غير المباشرة ” بين وفد الفصائل الفلسطينية والكيان الصهيوني ، دون تحقيق اية مطالب فلسطينية سوى عن تخفيف دخول العديد من المواد ( وليس كلها )من خلال المعابر. هذا كان متوقعا، بل العكس من ذلك وفي الساعة الأخيرة للمفاضات خرقت إسرائيل الهدنة المتفق عليها، كما حرصت على رفع سقف مطالبها من الفلسطينيين ، وتوجيه قذائف زوارقها إلى مراكب الصيادين في شاطىء غزة ، وهو جزء من عموم الساحل الفلسطيني، كما طرحت موضوع الجنديين الأسيريين. بالطبع: الكيان من وراء ذلك، استهدف الضغط على الوفد الفلسطيني من أجل التراجع عن مطالبه المحقة والعادلة، كما حاول إيصال رسالة إلى أعضاء الوفد وإلى الفلسطينيين عموما، مفادها: أن إسرائيل ستظل تتعامل معهم ومقاومتهم فقط من خلال فوهات المدافع.
حقيقة أن الصمود الفلسطيني العظيم منع الكيان من تحقيق أهدافه، لكن إسرائيل حاولت في المفاوضات تحقيق ما عجزت عن إنجازه في العدوان العسكري. إسرائيل وضعت هدفا رئيسيا من المفاوضات واعتبرته شرطا وجوبيا وهو: نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في القطاع. كما أرادت من المفاوضات تعميم نتائج أوسلو على قطاع غزة ونقل تجربة الضفة الغربية إلى القطاع. كما هدفت الحكومة الإئتلافية: إلى تحسين صورتها في الشارع الإسرائيلي ومنع تشكيل لجنة تحقيق للبحث في تقصيراتها والمستوى القيادي العسكري للجيش، أثناء المعارك، استباقا لمنع تحميل نتنياهو ووزير حربه يعلون ورئيس الأركان وآخرين مسؤولية التقصير وإقصائهم جميعا من مناصبهم . إسرائيل اتبعت تكتيكا في المفاوضات : عدم الجلوس مدة طويلة في القاهرة وإنما السفر بينها وتل أبيب مرات متعددة في الوقت الذي مكث فيه الوفد الفلسطيني، أياما طويلة للتفاوض مع الجانب الإسرائيلي. بالطبع إسرائيل حرصت على هذا الشكل التفاوضي الذي لم يأت صدفة، لذا كان تصريح صائب عريقات رئيس ملف المفاوضات في السلطة الفلسطينية، والذي قال فيه: إن إسرائيل لا تفاوض وإنما تمارس سياسة الإملاء!.
ما يمنع إسرائيل من الاستجابة للشروط الفلسطينية: إن سن قوانين جديدة في الكنيست الصهيوني في العامين الأخيرين، والتي هدفت في معظمها إلى تقييد حركة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في اتخاذ القرارات، التي تعتبرها مصيرية، منفردة، بل يجب عليها أن تأخذ موافقة ثلثي أعضاء الكنيست ( 80 من 120) ، وهذا من المستحيل تحقيقه في الكنيست اليميني الإستيطاني الحالي.
من هذه التقييدات أيضا: التنازل عن أي شبر من “أرض إسرائيل “، صفقات تبادل الاسرى ،القرارات المتعلقة بكافة التسويات مع الفلسطينيين أو مع العرب وغيرها وغيرها، لذا فإن المطالب الفلسطينية المحقة والعادلة تعتبرها إسرائيل ” اتفاقيات مصيرية ” لها شأن وتأثير استراتيجي عليها تماما كما تعتبرالضفة الغربية ” يهودا والسامرة ” ! . ولذلك ينطبق عليها ما ينطبق على كل ما تعتبره ” أرض إسرائيل التاريخية “. أيضا، فإن أحد قرارات مؤتمر هرتزيليا الأخير ( الرابع عشر الذي انعقد في هرتزيليا في آواخر يونيو الماضي) هو : التخلص من القوة العسكرية للفلسطينيين في غزة ، باعتبار ذلك مهمة رئيسية تجابه إسرائيل! هذه القضايا وغيرها تجعل من الصعب على الحكومة الصهيونية الحالية : الاستجابة للمطالب الفلسطينية، إلا فيما يتعلق بتجميل الوجه القبيح للأحتلال من خلال الموافقة على بعض القضايا التي تعتبرها “إنسانية” ( وكأن فعل الاحتلال له وجه إنساني !؟ ) ، وليس الاستجابة لمطالب رئيسية من نمط ( فك الحصار عن غزة ). للعلم وفقا لإحصائية أجرتها صحيفة ” يديعوت أحرونوت ” منذ اسابيع، فإن 62% من الإسرائيليين أيدوا توسيع العمليات العسكرية ضد غزة، كما أن أعضاء في الإئتلاف الحكومي الحالي، منهم على سبيل المثال وليس الحصر: ليبرمان وزير الخارجية ورئيس الحزب المتطرف الفاشي ” إسرائيل بيتنا “، ونفتالي بينيت الاستيطاني المتشدد رئيس حزب ” البيت اليهودي ” وغيرهما ، يطالبان بإعادة احتلال قطاع غزة ، فكيف بمثل هؤلاء سيوافقون على المطالب الفلسطينية في المفاوضات المنتظرة قريبا في القاهرة ؟ ، كما أن معظم قيادة حزب الليكود ، حزب نتنياهو ، بزعامة زئيف إلكين، منافس -المتشدد أيضا – نتنياهو ، وغالبية أعضاء الحزب ، 78 % ( مثلما أشارت استطلاعات كثيرة ، أحدها قامت به صحيفة – يديعوت أحرونوت – ) من الاعضاء ،يلحون على إعادة احتلال القطاع .
نفهم أن هناك ضغوطات عربية وإقليمية تمارس على بعض الفصائل الفلسطينية. كما أنه وقبل كل شيىء فإن الأوضاع المأسوية الإنسانية للمدنيين الفلسطينيين، إضافة إلى بعض المواقف لبعض الدول العربية التي تتخذ صفة الوسيط المحايد ( وليس الوقوف إلى جانب الأشقاء الفلسطينيين كما هو مفترض)، شكل عامل ضغط جديد على الوفد الفلسطيني، تماما كما هو انكشاف الظهر الفلسطيني طيلة أيام العدوان! كل ذلك دعا الفصائل الفلسطينية إلى إرسال وفد يمثلها إلى مفاوضات القاهرة.
المظهر الرئيسي للصراع أثناء العدوان:
بالطبع هو التناقض التناحري مع الكيان، إنه الصراع بين الجلاد والضحية .. نعم بالفعل ، التعبير هو الأدق في وصف ما جرى بيننا وبين الكيان الصهيوني في المجالين : العسكري والسياسي . سواء في الرد على الكيان او في المفاوضات الفاشلة التي جرت معه في العاصمة المصرية وعودة الصراع إلى مربعه الأول.
مشاهد عربية مؤسفة أثناء العدوان :
من المؤسف والمحزن أيضاً:أن بعض الأصوات الإعلامية في بعض دول الوطن العربي أعلنت مواقفها الصريحة والواضحة من العدوان الصهيوني على الفلسطينيين من خلال”التمني بنصر إسرائيل حتى تتمكن من هزيمة حماس وقتل الفلسطينيين جميعاً “.هذه الأصوات التي تُسمى”شعبية”هي قليلة وابتدأت في تمنياتها قبل العدوان الحالي بفترة طويلة .وتبريرها لمواقفها الصهيونية:”أن حماس تآمرت وتتآمر على بعض الدول العربية وهي متورطة في أعمال أرهابية ضدها!”بداية ،حماس أنكرت وتُنكر هذه التهم، ثم إنه لم يثبت”تورطها”في “أعمال إرهابية”ضد أية دولة عربية. في الأول وفي النهاية حماس هي فصيل فلسطيني وجزء أساسي من الشعب الفلسطيني بالرغم من عدم محافظتها على خصوصيتها الفلسطينية إبان حكم الإخوان المسلمين في مصر ، بل انشدت إلى انتمائها التنظيمي لهم وما يتطلبه ذلك من خطوات.هذا لا يمنع أي فصيل فلسطيني من اتخاذ مواقف سياسية مما يستهدف تقسيم الوطن العربي برمته وتأييد الجماهير العربية ومطالبها في الحرية والديموقراطية وتحسين أوضاعها.
من المؤسف أيضاً:ان ردود الفعل الشعبية العربية لا تتواءم مع الردود المفترضة منها على عدوان صهيوني واسع على الفلسطينيين … ،لا يستهدفهم فحسب وإنما يخطط ويحيك المؤامرات على الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.ندرك أن شعوب بعض الدول العربية تعيش خّضم قضاياها الداخلية والمعاناة، نتيجة الحراكات فيها،لكن بعد ثورة 25 يناير وفي أوج الحراكات حاصر المصريون السفارة الإسرائيلية في القاهرة وأفرغوا محتوياتها!كذلك جرت مظاهرات التأييد للشعب العربي الفلسطيني .المطلوب من الجماهير العربية القيام بما ترتئيه من نشاطات تأييداً للشعب الفلسطيني ولحقوقه الوطنية واستنكاراً للعدوان الصهيوني والمطالبة بطرد السفراء الصهاينة من بعض الدول العربية المتواجدين فيها،وتقديم الدعم بكافة الأشكال والوسائل للشعب الفلسطيني الذي لا يدافع عن نفسه وإنما عن كل جماهير أمته من المحيط إلى الخليج.
بالنسبة للنظام الرسمي العربي، لم يقم بما يتطلبه الرد المفترض من أدنى حدود مجابهة إسرائيل وتجميد ما يسمى “بمبادرة السلام العربية”التي أطلقتها قمة بيروت عام 2002 والتي قال عنها شارون:”أنها لا تستحق الحبر الذي كُتبت به”.هذه المبادرة التي رفضها ويرفضها القادة السياسيون والعسكريون الإسرائيليون.من قبل قالت إثييل مينون الكاتبة البريطانية المشهورة وكان ذلك في أواسط خمسينيات القرن الزمني الماضي”العرب أسوأ المحامين عن أعدل القضايا”!هذه المقولة تثبت صحتها وصدقها في الزمن الحالي رغم ما يزيد عن الستة عقود على الزمن الذي قيلت فيه.
تقييم ما تحقق: خيط دقيق يفصل بين الإنجاز الذي حققته المقاومة الفلسطينية من حيث نتيجة العدوان الأخير على القطاع ، وبين تحقيق الإنتصار على العدو. الأول يقود إلى الثاني، ولكن بمتطلبات ( مواصفات ) عديدة، أولها: الاستطاعة من فرض الشروط على العدو، فالحقيقة الاكيدة: أن المنتصر في معركة هو المتحكم الرئيسي فيها، وليس باستطاعة العدو( الخصم ) سوى الاستجابة التامة ( وليس الجزئية ) لإملاءات الطرف الآخرالمنتصر ، فهو والحالة هذه وإن استمر في المكابرة والتعامي عن رؤية معطيات الواقع .. يكون كمن يذهب إلى حتفه ونهايته بيديه .ثاني هذه المتطلبات : إجبار العدو على الإعتراف التام والكامل على ما كان ينكره قبلا من حقوق للآخر المنتصر فيما يتعلق بما يحيط من ظروف للمعركة المحددة . ثالثها : تحكم الطرف المنتصر في مسار مستقبل المهزوم فيما يتعلق بالعلاقات وطبيعتها وتداعياتها بين الطرفين. رابعها : اعتراف المهزوم بالهزيمة في المعركة حتى وإن ادعى وأجهزته المختلفة ، وبخاصة الإعلامية، عكس ذلك.
المقاومة الفلسطينية في المواجهة الأخيرة مع العدو الصهيوني حققت إنجازا كبيرا: إن في صمودها في وجه العدو لواحد وخمسين يوما، ومنعه من تحقيق أهدافه التي قصدها من اقتراف العدوان. كما ان الهدنة الطويلة الامد هي ايضا ما تطمح إليه إسرائيل إضافة إلى أن الهدنة من الجانب الفلسطيني تتعارض مع بقاء وجود الإحتلال ، والمقاومة حق دولي مشروع للمحتلة أرضه ضد مغتصبيها. فيما يتعلق بفتح المعابر، فأن إسرائيل هي التي تشرف على دخولها وتتحكم في نوعياتها: تدخل هذه وتمنع تلك ، لاحتمال استعماها في تصنيع الاسلحة. هذا إن لم نحص حجم الخسائر الهائلة في الجانب الفلسطيني : ما ينوف عن 2200 شهيدا و11000جريح وتدمير عشرات الآلاف من المنازل والابراج السكنية انعكاس ذلك سلبيا على الهجرة اليهودية إلى إسرائيل ، والهجرة العكسية منها .اهتزاز صورة الكيان على المستوى الدولي.
على صعيد آخر : الاهم بالطبع هو : الاستثمار السياسي للصمود والإنجاز. الواقع يشي للاسف: باحتمال انفجار المصالحة وحكومة الوفاق وعودة الانقسام إلى مربعه الأول : فحملة الاتهامات والأخرى المضادة والتصريحات والاخرى المضادة تتصاعد وتائرها بشكل سريع بين كل من حماس والسلطة/ فتح . هذا رغم اعتراف الطرفين:بأن أحد أهداف العدوان هو ضرب المصالحة ! السؤال إذن : لماذا تقعون في فخ إسرائيل وتحققون هدفا مجانيا لنتنياهو ؟! من جانب آخر : فإن مظهر الاحتفالات التي نظمتها الفصائل : الشكل المنفرد. يبرز التساؤل إذن : ألم يكن من الافضل تنظيم احتفال جماعي ولكل الفصائل ؟ ثم : أليس ذلك هو الافضل للمضي قدما في إفشال احد أهداف العدوان والسير بعيدا في تحقيق الوحدة الوطنية ؟ .
جملة القول: أن التقييم الحقيقي لنتائج العدوان يتمثل في المقولة السائدة : إسرائيل لم تنتصر والمقاومة لم تهزم . التقييم يتوجب ان ينطلق من أن ما تحقق هو ليس اكثر من إنجاز لنا ونحن بحاجة إلى كفاح طويل من أجل تحقيق انتصار على الكيان الصهيوني .. غير ذلك هو تقييم غير موضوعي لما جرى ويصب في خاتة خداع الذات الذي هو في غير مصلحة شعبنا وقضيته الوطنية وحقوقه المشروعة.
ما هو المطلوب فلسطينيا : مرحلة ما قبل العدوان على غزة هي بالتأكيد يتوجب أن تختلف عن مرحلة ما بعده ، فما أنجزته فصائل المقاومة الفلسطينية من تحولات في الصراع الدائم والمستمر مع العدو الصهيوني بكل تداعياتها على الصراع ذاته أولا ، وعلى الداخل الإسرائيلي ومجابهة قوات الاحتلال ثانيا.تفرض سماتها التغييرية، فبالضرورة يجب أن تترك تأثيراتها على الجانب الفلسطيني ، المعني أولا وثانيا وأخيرا بالمجابهة. المراقب للساحة الفلسطينية بعد انتهاء المرحلة الأولى من العدوان الصهيوني في العام الحالي 2014 يلحظ بلا أدنى شك : أن مسار الأحداث يأخذ نهج العودة إلى أساليب العمل السابقة بكل تداعياتها السلبية على النضال الفلسطيني.
إن أهمية العلاقة بين الفصائل الفلسطينية هي الأساس في صياغة البنود الأخرى المتعلقة بكل العوامل الآنفة الذكر، لذا فإن المطلوب الأول : صياغة علاقات من نمط جديد عنوانها : تشكيل الجبهة الوطنية العريضة والكفيلة بإنشاء القيادة الوطنية الموحدة على أساس القواسم المشتركة على أرضية الثوابت الوطنية الفلسطينية. العمل المشترك لا يعني التماهي التام بين الفصائل فهناك الحق في الاختلاف ، لكنه التعارض الثانوي الذي لا يؤثر سلبا على التناقض الرئيسي التناحري مع العدو في عملية الصراع . المطلوب الثاني : المواءمة التامة بين التكتيك السياسي المتبع تجاه القضايا والأحداث وبين استراتيجية النضال الفلسطيني والحقوق الوطنية الفلسطينية، الطلاق نهائيا مع نهج المفاوضات.
ثالثها : تسييد نهج الكفاح المسلح والمقاومة بكافة أشكالها ووسائلها في مجابهة العدو ، الذي لا يستجيب لأية لغة غيرها. هكذا أثبتت كل تجارب حركات التحرر الوطني على صعيد العالم أجمع وفي الثورة الفلسطينية بشكل خاص في مجابهة عدو خاص. هكذا أثبتت تجربة المفاوضات مع العدو الصهيوني . صحيح أن المقاومة لها أشكالها المتعددة لكن أكثرها فعالية هو المقاومة المسلحة ومطلوب المحافظةعلى حالة الاشتباك مع العدو وأية هدن معه لا يتوجب أن تكون طويلة ودائمة.
رابعا : إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني في كل مواقعه والتعامل مع السلطة باعتبارها حالة طارئة ناتجة عن اتفاقيات مشؤومة جرى توقيعها سابقا وألحقت دمارا كبيرا بقضيتنا الوطنية . هذا يقتضي تفعيل مؤسساتها وضمان تمثيلها لكافة الفصانل والكفاءات الفلسطينية.
خامسا: توقيع اتفاقية روما والانضمام إلى كافة الهيئات التابعة للأمم المتحدة بما فيها : محكمة الجنايات الدولية ورفع قضايا عليها من نمط : ارتكاب جرائم حرب بحق شعبنا وأمتنا.
سادسا: اعتبار أن المرجعية الشرعية للقضية الفلسطينية هي قرارات الأمم المتحدة حول حقوق شعبنا و ليست اتفاقيات أوسلوولا الولايات المتحدة أو اللجنة الرباعية ولا أية شرعيات أخرى غيرها . إن العودة إلى هذه القرارات عدا كونها تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح ، فإنها تستند إلى حقوق واضحة وصريحة صدر بها قرارات تتناول حقوقا معينة من كامل حقوقنا الوطنية .
سابعا : إجراء مراجعة وطنية شاملة للأحداث الفلسطينية منذ اتفاقيات أوسلو وصولا إلى المرحلة الحالية، والإجابة عن أسئلة أبرزها : أين أصبنا ؟ وماهية أخطائنا ؟ وانعكاس المتغيرات المحلية والعربية والإقليمية والدولية على مسيرة الثورة. رسم صورة الملامح المستقبلية لمسيرة القضية الوطنية الفلسطينية والحرص على التلاحم مع جماهيرنا العربية من المحيط إلى الخليج وقواها الحية وأصدقاء ثورتنا على الساحة الدولية.
ثامنا : اتخاذ الإجراءات الضرورية من نمط : وقف التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني وإن لزم حل السلطة فليجر حلها فهي في نظر الكيان الصهيوني لست أكثر من أداة لحفظ الأمن الإسرائيلي، وشكل لإدارة الجوانب الحياتية والقضايا الإدارية للفلسطينيين تحت الاحتلال. بمعنى آخر : إراحة الكيان وإعفائه من تبعات احتلاله للأرض الفلسطينية.
هذه هي المهمات الأبرز المتوجب تنفيذها فورا من كافة الفصائل الفلسطينية بمختلف توجهاتها الأيديولوجية ومشاربها الفكرية وانتماءاتها التنظيمية. نعم، هذا هو المطلوب.

إلى الأعلى