الإثنين 28 سبتمبر 2020 م - ١٠ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام (27)

مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام (27)

هلال بن حسن اللواتي:
بعد استعراضنا لمسار التأصيل لمبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام، وبعد تقديم الأساس القاعدي الذي يمكن أن يستند عليه، وبعد بيان محور المسائل الحقوقية في هذا الدين الإسلامي نبين في هذه الخاتمة ما بدأنا في الحلقات الأخيرة من شمولية هذا المبنى لكل الكائنات، وهنا نود أن نقول إنه يشمل حتى الكلمة، فيرى أن لها حقوقاً أيضاً، ولا ينبغي التغافل عنها، وحقوق الكلمة تلحظ بلحاظات مكان الكلمة، وزمانها، ونوعيتها، وكميتها، وكيفيتها، وجهتها، وهدفها، ومن المهم أيضاً ملاحظة الغذاء الذي يتناوله المتكلم لما ثبت من تأثيره عليه، وهناك من المؤثرات الأساسية على المتكلم من قبيل الخلفية الثقافية التي ينطلق منها هذا الناطق، فهذا يؤثر في حق الكلمة، وكذلك مستوى العلاقة بين المتكلم وبين فعله وعمله، وكذلك بين الكلمة ونفسيته وأيضاً الصحة البدنية، فإن لم تراعى الضوابط والشروط المتعلقة بالكلمة يكون قائل الكلمة مجحفاً في حقها، فمن حق الكلمة أن يعطى لها حقها، فقد ورد عن النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين:(لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموها).
وورد عن أمير المؤمنين علي ـ كرّم الله وجهه الشريف:(أن العالم الكاتم علمه يبعث أنتن أهل القيامة ريحاً، يلعنه كل دابة حتى دواب الأرض الصغار).
ومن حق الكلمة أن يتكلم بها أن يعرفها ويعرف حقيقتها وأساسها، وأن لا يكون جاهلاً لمعناها، فقد ورد عن الإمام الصادق:(أنهاك أن تدين الله بالباطل، وتفتي الناس بما لا تعلم)، وأيضاً:(ما علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا: الله أعلم، إن الرجل لينتزع الآية من القرآن يخر فيها أبعد من بين السماء والأرض).
وهنا أسلوب يعلمنا الإمام الصادق في استعمالات عدم المعرفة، فقد ورد عنه:(إذا سئل الرجل منكم عما لا يعلم فليقل: لا أدري، ولا يقل: الله أعلم، فيوقع في قلب صاحبه شكاً، وإذا قال المسؤول: لا أدري فلا يتهمه السائل)، وقد سأله رجل:(ما حق الله على العباد؟، قال: أن يقولوا ما يعلمون ويقفوا عندما لا يعلمون).
ومن حق الكلمة أيضاً أن يكون صاحبها عاملاً بفضيلتها، ومبتعداً عن رذيلتها، فقد ورد عن النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين:(العلماء رجلان: رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج، وعالم تارك لعلمه فهذا هالك، وإن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الله الجنة وأدخل الداعي النار بتركه علمه واتباعه الهوى وطول الأمل، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة).
ومن حق الكلمة أن يتزود صاحبها بمجموعة من الفضائل لأنه إذا لم يتزود بها يكون ظالماً إياها، فقد ورد عن النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين:(نعم الوزير الإيمان العلم، ونعم وزير العلم الحلم، ونعم وزير الحلم الرفق، ونعم وزير الرفق الصبر)، فهذه الفضائل مهمة جداً لمن يتصدى لتوجيه الناس ولشؤونهم العلمية والفكرية، وإلا فإنه سوف يكون عاملاً سلبياً على الآخرين، ولربما يتنفر الناس من الحق بسبب المعاملة السلبية، فإن الناس قد يبهرها في بادئ الامر علم الرجل، ومدى براعته في الألفاظ والاسلوب والأداء، إلا أنهم إذا لمسوا منه سوء المعاملة وسوء الخلق فإنهم سوف يتنفرون منه، وسيبتعدون عنه، والأخطر أن يصابوا بردة فعل تجاه ذلك العلم الذي كان يروج له ذلك الرجل، ولهذا ينبغي مراعاة حقوق الكلمة من قبل المتكلم كي لا يقع في إشكاليات أخلاقية اجتماعية، فضلاً عن إشكاليات دينية وشرعية.

إلى الأعلى