الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / التاريخ المفجع لمحارق الكتب!

التاريخ المفجع لمحارق الكتب!

لماذا يلجأ البعض إلى حرق الكتب ؟
حين أقدمت السلطات النازية يوم العاشر من مايو 1933 على حرق مؤلفات 130 كاتبا في 20 مدينة ألمانية أسمت ذلك عملية تنظيف! والمعني تطهير الروح الألمانية حسب ما أشيع في أدبيات تلك الفترة، من أي فكر آخر لا يتوافق مع الفكر النازي.
ومحرقة الفكر تلك تمت بعد وصول النازيين إلى الحكم بثلاثة أشهر فقط، أي أن قادة النازي أدركوا أن أعظم خطر يواجههم هم منتجو الفكر والثقافة، لذا قال وزير الإعلام النازي بعد ذلك مقولته: حين أرى مثقفا أتحسس مسدسي! فإن كان المثقف هو زرقاء اليمامة، حيث وهبه الله القدرة على استشفاف المخاطر التي يمكن أن تحيق بأمته، فلقد تنبأ الكاتب النمساوي جوزيف روث بما سيقدم عليه النازي حتى قبل وصولهم الحكم، حين قال “إنهم سيحرقون كتبنا وكل ما يعنينا.
ومن يقدم على حرق الكتب ؟ عنصري، أحادي الفكر، يعتقد اعتقادا جازما أن ما لديه وحده يقود شعبه أو شركاءه في الدين أو العرق إلى الخلاص، وغير ذلك هو الهلاك بعينه، لذا ينبغي أن يحرق، وتلك الأحادية الفكرية تتحول إلى مستنقع يفوح بالكراهية لكل ما هو مغاير، وتتأجج تلك الروح ليصبح الطريق إلى الخلاص هو التخلص من الآخر المختلف.
وهذا ماسعى إليه النازيون حين أدركوا أن جبهة الفكر هي الأهم والأخطر بين كل جبهات الحرب التي يشنونها للتخلص من الآخر، لذا أسند الزعيم النازي قيادة تلك الجبهة لأكثر قادته ولاء له، وهو جوزيف جوبلز الذي تولى وزارة الدعاية النازية والتي سيطرت على كافة أشكال الاتصال في ألمانيا مثل الصحف والمجلات والكتب والاجتماعات العامة والحشود والفنون والموسيقى والأفلام والإذاعة. وتم حظر الآراء التي تهدد المعتقدات النازية أو نظام الحكم.
وخلال ربيع عام 1933 انهمكت منظمات الطلاب والأساتذة وأمناء المكتبات من النازيين في إعداد قوائم طويلة من الكتب التي رأوا فيها خطرا على الألمان، أنها لابد وألا يقرأها الألمان، ثم بدأوا في ليلة 10 مايو عام 1933 في شن غارات على المكتبات والمحال التجارية التي تبيع الكتب، وألقوا بالكتب في حفر كبيرة أضرمت فيها النيران. حيث تم حرق أكثر من 25 ألف كتاب في تلك الليلة. وأطلق جوبلز على تلك العملية تطهير الروح الألمانية، ومن بين الأدباء والمفكرين والعلماء الذين أحرقت كتبهم في تلك الليلة ألبرت أينشتين وسيجموند فرويد. وجاك لندن وإيرنست همينجواي وسينكلاير لويس، وكارل ماركس وبريتولت بريشت وكلاوس مان وليون فويتشفاغنر وإيريش ماريا ريمارك وكورت توخلوسكي، وغيرهم ممن رأى قادة النازي فيما يكتبون خطرا على ألمانيا! بل أن ثمة كتابا ألمان ممن أحرقت كتبهم تبرأ منهم النظام النازي وقال إنهم ليسوا ألمانا!
ومن هؤلاء الألمانية العظيمة هلين كيلر، والتي تغلبت على صممها وعماها لتصبح كاتبة يتابع مؤلفاتها عشرات الملايين من القراء حول العالم، وعندما علمت كيلر بمجزرة الكتب، علقت قائلة: “لا يمكن لطاغية هزيمة قوة الأفكار.”، وقد اشتعل الغضب على تلك الجريمة البشعة في أنحاء العالم، خاصة في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تظاهر مئات الآلاف احتجاجا في مدن نيويورك وفيلادلفيا وشيكاغو وسانت لويس.

من حرق مكتبة الأسكندرية ؟
ليست الجريمة التي ارتكبها النازي في ليلة العاشر من مايو عام 1933 هي الأولى في حرق الفكر الإنساني، فالتاريخ ينضح بجرائم أخرى شبيهة من أشهرها بالطبع حرق مكتبة الأسكندرية،
وكما هو معروف، فقد أنشأ إسكندر الأكبر مدينة الأسكندرية عام 332 قبل الميلاد، ولعدة قرون ظلت المدينة أهم وأعظم حاضرة في العالم، وقد عبرت عن هذا المعنى موسوعة أونيفرساليس بقولها “أن يكون المرء سكندريًّا لم يكن يعني أنه من مواطني هذه المدينة فحسب، وإنما يعني الانتساب إلى قيم حضارية في عاصمة البطالمة، خلفاء الإسكندر في مصر”، ومن المسميات التي أطلقت على المدينة: الجميلة، شديدة الجمال، خالدة الذكرى المَلَكية، الشديدة البريق، وكانت أكثر الصفات استخدامًا “الكبرى”، وقد ازدهرت بها علوم الرياضيات والفلك والهندسة إلى جانب تألق المدارس الفكرية والفلسفية وكلها مجالات تواصلت اعتمادًا على ما كانت الحضارة المصرية القديمة قد وصلت إليه، وبلغت المدينة ذروة بهائها وتألقها الفكري في عهد بطليموس الأول، حيث احتشدت بالمباني الرائعة، والحدائق الغناء، وفي حي القصور الذي كان يفترش ربع المدينة تقريبًا تم تشييد القصر الملكي على البحر والمتحف والمكتبة الشهيرة، والسوما – قبر الإسكندر الأكبر، والسيرابيوم، المعبد المقام للإله اليوناني المصري سيرابيس، ومعبد إيزيس، والسوق، والمسرح. بينما الفنار المشيَّد على جزيرة فاروس يكمّل تلك الروائع المعمارية.
وكان بطليموس الأول في عام 288 قبل الميلادد قد أمر بتشييد الميوزيوم، أي قصر ربات الفنون، الإلاهات التسع الشقيقات المُلهمات للغناء والشعر والفنون والعلوم والميثولوجيا الإغريقية، وكان القصر يضم جامعة وأكاديمية علمية والمكتبة الشهيرة والمعروفة تاريخيا بمكتبة الأسكندرية والتي احتوت على سبعمائة ألف مخطوطة، وبلغ من إيمان البطالمة الذين حكموا مصر في تلك الفترة بأهمية العلم والمعرفة أن طلبوا من كل البلدان أن ترسل للمكتبة أعمالاً لكافة المؤلفين بها، كما كان يطلب من البواخر التي تتوقف بميناء الإسكندرية السماح بنقل وترجمة ما تحمله من كتب، فكانت النسخ تُعاد إلى البواخر، ويتم الاحتفاظ بالأصل في مكتبة الإسكندرية، ومع اكتظاظ المكتبة بمئات الآلاف من الكتب تم انشاء ملحق لها عند الميناء، كان هذا حال مكتبة الأسكندرية والتي تعرضت للحرق مرتين، المرة الأولى عام 48 قبل الميلاد حين جاء يوليوس قيصر إلى الأسكندرية للوساطة في الصراع القائم بين كليوباترا وأخيها بطليموس الصغير، ولقد شعر بطليموس أن قيصر روما وقع في شرك جمال كليوباترا ، وبالتالي لن يكون عادلا في وساطته، فأشعل الحرب على كليوباترا وعلى يوليوس قيصر، وكانت تربض في الميناء 101 سفينة رومانية فخشى يوليوس أن تقع في قبضة بطليموس، فأمر بحرقها، إلا أن النيران وبفعل الرياح امتدت إلى مكتبة الأسكندرية لتلتهمها أو تلتهم ملحقها الملاصق بالميناء كما جاء في بعض الروايات التاريخية.
كان هذا هو حريق مكتبة الأسكندرية الأول ولم يكن مقصودا، أما الحريق الثاني فقد ارتكبه القساوسة المتطرفون تحت قيادة تيوفيلوس أسقف الإسكندرية المتعصب عام 391 ميلادية خلال حربهم الشعواء ضد كل ما ينتمي إلى الوثنية، حيث أشعلوا النيران في السرابيوم والمكتبة، والمعروف أن هؤلاء القساوسة المتعصبون وفي عهد الأسقف سيريل الذي خلف الأسقف تيوفيلوس قاموا بقتل عالمة الرياضيات والفيلسوفة الشهيرة ثيون هيباثيا التي كانت تدير مدرسة الأفلاطونية الجديدة بعد أفلوطين، فقد رجمها القساوسة عام 415 ، ويصف سقراط القسطنطينى (380 – 450) المؤرخ المسيحي الروماني الجنسية، والمتخصص في التاريخ الكنسي كيفية ارتكاب تلك الجريمة البشعة بقوله: “انتهز القساوسة فرصة مرور هيباثيا بعربتها فجرّوها عنوة وسحلوها ثم أدخلوها الكنيسة ونزعوا عنها ثيابها وضربوها بالهروات والأواني، ثم مزقوا جسدها، ووضعوا أجزاءه في كيس وصعدوا بها إلى “السينارون” وأحرقوها .”

براءة عمر وعمرو
الغريب أن ثمة روايات وجدت من ينصت لها ويعمل على ترويجها تلصق جريمة حرق مكتبة الأسكندرية لفاتح مصر عمرو بن العاص، أما أول من أشاع تلك الفرية فهو القفطي في القرن الثالث عشر الميلادي حين قال في كتابه “تاريخ الحكماء” إن الخليفة عمر قد أصدر أوامره للقائد عمرو بن العاص قائلاً: “فيما يتعلق بالكتب التي ذكرتها، فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنًى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله، فلا حاجة إليها، فتقدم بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها كوقود لتسخين المياه، وقد استغرق حرقها ستة أشهر كاملة”. تلك هي رواية القفطي، وما أكثر البراهين على كذبها، فثمة مخطوطة من القرن الخامس تصوِّر الأسقف الدموي تيوفيلوس وهو يقف أعلى معبد السيرابيوم ومكتبة الإسكندرية التي أحرقها، والصورة تمثله وهو ممسك بنسخة من الكتاب المقدس، ويقف منتصرًا على ما دمره ، ويوجد هذا الرسم على هامش حولية مسيحية كُتبت في الإسكندرية في القرن الخامس الميلادي، أي أنه حتى ذلك الوقت كان معروفًا وسائدًا أن الأسقف تيوفيلوس هو الذي دمر السيرابيوم ومكتبة الأسكندرية.
ويقدم الباحث جي دفيتش في كتابه “حرب المخطوطات” برهانا على براءة العرب من ارتكاب جريمة حرق مكتبة الأسكندرية، بما ورد في كتاب المؤرخ اللاتينى ليبانيوس “من أجل المعابد” حيث قال ليبانيوس: “من أكثر المندفعين حماسًا في حرب الجبابرة هذه، هم الرهبان الذين كانوا يجوبون المقاطعات حاملين الهراوات والروافع والشواكيش؛ ليقوموا بكسر التماثيل وهدم المذابح والمعابد وفي عام 391 قام تيوفيلوس أسقف الأسكندرية على رأس عدد من أتباعه المسيحيين بغزو معبد السيرابيوم وهدمه بعد أن سرقوا ما به، ولم يتركوا إلا قاعدة المعبد لضخامة أحجارها،
ويبدي الدكتور جوستاف لوبون في كتابه “حضارة العرب” استنكاره التام لإلصاق تهمة حرق مكتبة الأسكندرية بالعرب ، حيث يقول :”وأما إحراق مكتبة الأسكندرية المزعوم، فمن الأعمال الهمجية التي تأباها عادات العرب والمسلمين، والتي تجعل المرء يسأل: كيف جازت هذه القصة على بعض العلماء الأعلام زمنًا طويلاً؟
وفى كتابها “شمس العرب تشرق على الغرب” الصادر عام 1963 تقول المستشرقة الألمانية سيجريد هونكه “في عام 391 طلب الأسقف تيوفيلوس من الإمبراطور تيودوز الموافقة على هدم مركز حج القدماء وآخر قلعة علم باقية ـ السيرابيوم ـ والقيام بحرق مكتبته، وبذلك ضاع من الإنسانية إلى الأبد كنز لا يمكن تعويضه”.

وهل من شيم العرب حرق الكتب ؟
في نفس الكتاب تقول هونكه “وعندما دخل العرب مدينة الأسكندرية عام 640 م، لم يكن بها آية مكتبة عامة، أما حريق المكتبة الكبرى الأسكندرية، والذي تم إلصاقه بعد خمسة قرون بالقائد عمرو بن العاص، فالعديد من الأبحاث الدقيقة سمحت بتأكيد أن هذه مجرد فرية، ويا لها من فرية حقيرة، وكم كانت سعادة من افتروها؛ لاتهام “البرابرة”.
والعكس هو الصحيح، ففي مسيرته الفاتحة المنتصرة، قدم فاتح الإسكندرية العديد من النماذج على عظمة التسامح لديه، فقد منع القيام بنهب وهدم المدن، ثم، ويا لعظمة وغرابة ما أقدم عليه: فقد سمح لرعاياه الجدد بممارسة عبادتهم التقليدية”
وإذا كان موقف القائد عمرو بن العاص يثير دهشة وإعجاب الباحثة الألمانية فهو يبدو أمرا طبيعيا بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين ، فليس من شيمتنا حرق الكتب، وكما هو معلوم،
حين غزا الرسول صلى الله عليه وسلم، يهود خيبر وانتصر عليهم وقعت في أيدي المسلمين صحائف من التوراة والعديد من الكتب، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإعادتها لليهود، وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب تم فتح العديد من المدن مثل دمشق وبيت المقدس، وهذه المدن كانت تضم مكتبات كبيرة ، فلماذا لم يأمر قواده بحرقها إن كان قد أمر عمرو بن العاص بحرق مكتبة الأسكندرية ؟!!
كنا ضحايا محارق الكتب ولا يكفي القول بأن العرب أبرياء من محرقة مكتبة الأسكندرية، ذلك أنهم كانوا عبر التاريخ ضحايا محارق الكتب، حيث فقدوا ما يقرب من عشرة ملايين كتاب تم حرقها واتلافها ونهبها في العصور العباسية والفاطمية الأندلسية، وهذا ما يمكن توضيحه في مقال مقبل بإذّن الله .

محمد القصبي

إلى الأعلى