الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / استغفارات

استغفارات

• استغفار أول:
أستغفرك أيها العالم بالميلاد والممات.. فما جئنا إلا لنرحل! ولن نرحل إلا ان شئت أنت ذلك..!
لكن السؤال هو السؤال..! متى وأين؟؟ لست أدري..
يطرق باب الذكريات طارق لتستريح من عناء السخريات ملامحي..
أستغفرك فما عرفت أن السخرية من العادة هي الجنة إن احتضنتها.. يقولون أن أمي حنكتني بالشهد عند الولادة لأن فيه الشفاء سخرت!! فالعسل كثير وما عرفت علام استعجال أمي..!
أستغفرك.. فقد عرفت الآن سرها لأني الآن حين بحثت عن شهد لأحنك طفلتي تنبهت بأن كل العسل استحال علقما..!

• استغفار ثان:
أستغفرك ربي.. لقد كفر البشر حين وافقوني على غرس السكين فهي مضرجة بدماء الغاربين خلف أجنحة السحاب..
أستغفرك ربي لأني بريء منهم فهم ملحدون حين عبدوا الشمس وتركوا المحراب قصرا لأبناء الظلام وبقوا على الأبواب يحملون ويلدون أسباب الرخاء لجراء الكلاب الضالة.. كان جدي قد جمع فحول القبيلة وشن بهم حملة تطهير بيد أن السحابة السوداء حبلت سفاحا وجاءت تحمل لنا وليدا يتيما أشفقن النسوة عليه فتناوبن على إرضاعه!! حظه ضارب دوما فقد تسنى له ارتشاف أثداء القبيلة كلها منذ الولادة الأولى!! أستغفرك ربي من نسوة القبيلة فقد أدمن إرضاعه وخالفن بعولتهن وبقين مرضعات له حتى الصباحات القادمة… لأنه يرتشف مالا ترتشفه البعول والمواليد…
أستغفرك ربي فقد كفرنا حين سخرنا من جدي حين أوصانا ذات ظلام أحمر بأن نحذر من ثلاث: ” لا تصاحب… ولا تحرث واديا ولا ترضع أبناء السحاب الضال…!”

• استغفار ثالث:
أستغفرك أمي.. نسيت المهد تحت الغافة .. أخبرني الرعاة أن الشماليين ساروا من هنا فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه ليأخذ مع الغروب الباقي من رغيف الذكريات.. أحن إليكِ.. إلى صفقات كفك المزاحم حرارة “الطوبج” مع تباشير الشروق.. الشروق.. ذاك الذي لطالما غازل أجفاننا الناعسة ليستحثنا للتسابق والتزاحم من أجل الظفر بالرغيف الأول لنغرقه في كوب شاي الحليب المتلألئ بدهنه الذهبي فنطير بعدها بحقائبنا الجلدية نستاف روائح الأشجار الملتفة بجوانب خطانا لنشرق بعدها على “شرجة الكافر” هذه الشرجة التي حكى لنا جدي حكايتها ذات ظلام قال: أن زاهدا كفر فاتخذ من المعصية سبيلا.. عجل عليه الخالق العذاب حين انفلق جبل أمام دربه يوم سماء سوداء ليبتلعه نهر فاض من الجبل غاسلا بذلك نجاسة معصيته التي ما انفكت روائحها تضج بالمكان لتستمر من يومها مياه الجبل بالبكاء على زهده الضائع كلما حبلت السماء لولادة حياة فاصطلح من حينها بتسميتها شرجة الكافر!!
أستغفرك أمي ما انتهى حنيني للمهد القديم بيد أن الشروق فارق الشروق والرغيف الأخير أضحى يتيما بعد استشهاد “الطوبج”.. والشماليون عبروا الغافة آخذين اليتيم معهم بلا عودة من شرجة الكافر فتبعهم الرعاة..!

• استغفار رابع:
أستغفرك يا سماء الراحلين.. أحن إليهم.. غيبتني صافرات الوداع والعالق في الذاكرة ياسمين كان هنا يفترش الحصاة وجاره المغرد في ساقيته زهوا.. أحن للثالثة.. العابرون يحملون اسفارهم ميممين، وتبقى الحصاة ويبقى النشيد إلا هو .. استحلفته نسوة القبيلة ألا يودعها لكنه مضى حمل معول صفحاته ومضى .. كثيرا تراقصت اقدامنا على نشيده يا ابنتي..
” تو عسعس الليل .. تو عسعس الليل
وبأمركم بنوقفالزانه.. وبأمركم بنوقفالزانه….”
قال: يوما ما سأذهب !!
قلنا : أين المسير؟!
قال: الغياب!!!
ضحكنا وضحكنا ما كان لنا وحي يدلنا أن شمس ما غربت اليوم ليست شمس ما اشرقت غدا كنا نخاله مخلدا حكاياه مغامراته فنونه وشلاته ومقاصبه وميدانه زاد طفولتنا الحامضة ما خلناه مودعا يوما .. فجأة ومع دعاء العابدات صمت لا شيء يبعث للأشياء روحها ذات فجر اختفت الحصاة وصمت نشيد المغني في ساقيته وغاب هو ..!

إدريس بن خميس النبهاني

إلى الأعلى