السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “الإنسان والقيم في التصور الإسلامي” قراءة حول تميزه منذ الخلق عن سائر الكائنات بالعقل والتفكير

“الإنسان والقيم في التصور الإسلامي” قراءة حول تميزه منذ الخلق عن سائر الكائنات بالعقل والتفكير

عرض ـ حسام محمود:
كتاب “الإنسان والقيم في التصور الإسلامي” لمؤلفه الدكتور محمود حمدي زقزوق هو يأتي كرؤية حول تميز الإنسان منذ الخلق عن سائر الكائنات بالعقل والتفكير ، حيث يعتبر الإنسان أهم قضايا الكون والخلق أجمعين خاصة في صراعه الدائم في الحياة والمتغيرات المحيطة به , فالإنسان محور الكون كله , وهو سيد المخلوقات فكل شيء فى الوجود سخره المولى سبحانه لخدمته , والديانات كلها جاءت من أجله , والوحي السماوي كله قد اتجه بالخطاب إليه , والقرآن الكريم كله يدور حول الإنسان , وصراع الخير والشر , والصراع بين الإيمان والكفر الذي تشهده النفس الإنسانية ومعطياتها في الحياة .
الإنسان والكون
قضية وجود البشر ونشاطهم في الكون هو محور الوجود وجوهر الحياة , كما أن العالم بدون البشر لن توجد فيه قضية محورية , وسيكون بلا عمار , ولا بناء , ولا تنمية , ولا حتى تعكر صفوه مشكلة من المشكلات أو قضية أيا كانت والتي أساسها الوجود الإنساني , وقد كان تصور الملائكة في بداية الخلق عندما أخبرهم المولى سبحانه وتعالى بأنه يريد خلق الإنسان , أن البشر سيسعون في الأرض فسادا , وسيملؤن الكون صراعات , وسيشعلون الحروب , وسيشيعون سفك للدماء . ولعل الملائكة قد قالوا ذلك على أساس ما أتيح لهم من علم بطبيعة البشر , كما أنهم من ناحية أخرى قد تصوروا أن ما يقومون به من تسبيح , وتمجيد لله تعالى هو غاية الوجود التي ليس بعدها غاية أخرى . فالعالم بدون الإنسان يعد من منطق الملائكة واحة سلام لا يوجد فيها صراعات رخيصة وفساد وسفك للدماء , لكن الملائكة من خلال رأيهم لم يفطنوا إلى أن هذا العالم المثالي الذي يريدونه على الأرض سيكون بلا طعم , ولا لون , ولا روح , بل ولا معنى . من هنا كانت حكمة المولى عز وجل الذي يعلم ما لا يعلمون بخلق كائنا يدرك نفسه , ويدرك ما حوله , يمتلك العقل , والقدرة على تسخير الحيوانات والكائنات , والاستفادة منها , بل وتحويل ما هو غير مفيد لأشياء مفيدة , بما لديه من عقل وتفكير , وقدرة خاصة حتى على حفظ الأشياء والأسماء , وتصنيف الكائنات وترديد مسمياتها . وبذلك يكون للوجود معنى سامي حددته الإرادة الإلهية , وهو العبادة لله وحده لا شريك له .
مفارقات غريبة
هناك كثير من المفارقات في حياة الإنسان , فقد بين الله تعالى أن الإنسان خلق ضعيفا , لدرجة أن الذباب لو سلبه شيئا لا يستطيع ان يسترده منه , لكن البشر أحيانا يتصورون في ظروف معينة أنهم من القوة والجبروت , بحيث يستطيعون إخضاع كل شيء لإرادتهم وسطوتهم , وأحداث التاريخ ووقائع الحياة تبين لنا ان بعض الناس من الملوك والحكام أو من غيرهم كانوا يشعرون بهذا الشعور , ويزهون بقوتهم , ويتصورون أنه ليس هناك من هو أقوى منهم في هذا الوجود مثلما فعل فرعون وقارون . فكيف يمكن التوفيق بين ضعف الإنسان الذي أشار إليه المولى , وسلوك البشر المدل على القوة والجبروت والسطوة . إننا من خلال مقارنة سريعة بين الإنسان , وبين الحيوانات من جانب آخر , يتضح لنا ابتداء مدى ضعف البشر إزاء فصائل الحيوانات المختلفة , التي يتفوق بعضها على الإنسان فى كثير من الأمور التي تجعلها قادرة على الحفاظ على حياتها . وعلى وجودها , فى حين يفتقد الإنسان كل هذه الأمور أو بعضها , الأمر الذي يجعله في وضع أضعف منها كثيرا . فقدرة الإنسان مثلا على الأبصار , وعلى السمع والشم محدودة بالقياس إلى بعض الحيوانات التي تستطيع أن تسمع وترى وتشم إلى مسافات بعيدة . ثم إن طفولة الإنسان طويلة بالقياس مع بعض الحيوانات , التي تستطيع أن تقف على رجليها بعد الولادة بساعات وتعتني بنفسها . إن الإنسان فى طفولته يحتاج لعناية خاصة , ورعاية لمدة طويلة , بالإضافة إلى وجود أسلحة لدى بعض الحيوانات للدفاع عن نفسها ضد أعدائها لا نجدها لدى البشر . وفضلا عن ذلك فإن كثيرا من الحيوانات أو كلها قادرة على تحمل تقلبات الجو من الحر والبرد , ولكن الإنسان إذا ترك عاريا تحت وطأة التقلبات الجوية فإنه يموت . وعلى الرغم من كل هذه المفارقات استطاع البشر إخضاع كل ما فى هذا الوجود لإرادتهم , فنجحوا في استئناس الحيوانات المفترسة , وتمكن الإنسان ان يغير شكل الحياة على الأرض , وأن يصنع الحضارات المتتالية والفائقة التطور والزهو على مدى التاريخ , وأن يحدث ثورات هائلة فى مجالات الزراعة , والصناعة , والاتصالات, والمعلومات والتكنولوجيا . ولم يكتف بأن يكون مجال نشاطه مقتصرا على الكوكب الأرضي بل راح يبحث ويقتحم عالم الفضاء . باختصار يمكن القول ان الإنسان استطاع أن يتغلب على كل الصعاب التي صادفته في هذا الوجود , وقد تيسر له ذلك بفضل شيء واحد امتاز به عن كل المخلوقات وكل الحيوانات , ألا وهو العقل الذي وهبه الله إياه . والجانب العقلي في الإنسان هو من آثار النفخة الإلهية الروحية في الإنسان, والتي من أجلها استحق التكريم من المولى عز وجل , بل والتفضيل عن غيره من الكائنات . لقد كرم الله الإنسان على سائر المخلوقات بالعقل والتفكير , والكرامة المقصودة في هذا عامة لكل البشر رجالا ونساء بصرف النظر عن أجناسهم ومعتقداتهم وألوانهم . والإنسان الذي منحه الله الكرامة لا يجوز له ان يفرط فيها مهما كان المقابل . من جانب آخر لا ينبغى لأحد أن يتعرض بإهانة إنسان آخر كرمه الله لأن ذلك يعد عدوانا فى حق منحه الله للبشر . وقد ركز الإسلام على حرمة الدم , وأهمية الابتعاد عن الخلافات خاصة الرخيصة , والترفع عن الضغائن والأحقاد والفتن لأنها تمس السمعة , والجسد , والمال , والأهل بسوء , وتضع الإنسان فى مرتبة سيئة من البحث عن الشهوات والنيل من الآخرين بالشر . ومن أجل الحفاظ على القيم الإسلامية ينبغي على المؤمنين التحلي بمكارم الأخلاق واستخدام العقل لخدمة البشرية والحضارة , بل وتشغيل التفكير بأعمال العقل لأعمار الكون , فضلا عن الالتزام بالعبادات , وحصد الحسنات لأنها الطريق نحو الجنان والصلاح في الدين والدنيا وحسن الخاتمة يوم القيامة .

إلى الأعلى