الجمعة 25 سبتمبر 2020 م - ٧ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام (28)

مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام (28)

نستعرض في هذه الحلقة الأخيرة رسالة من أهم الرسائل العلمية الأخلاقية الإنسانية الحقوقية في تاريخ البشرية، وهي المعروفة بــ(رسالة الحقوق)، وهي للإمام علي بن الحسين الملقب بزين العابدين، فقد ورد فيما أهم البنود الحقوقية التي ينبغي للإنسان الالتفاتة إليها، وهي رسالة حقوقية شاملة، فإليك مقتطفات منها:(اعلم رحمك الله، إن الله عليك حقوقاً محيطة بك، في كل حركة تحركتها أو سكنة سكنتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلبتها، وآلة تصرفت بها، بعضها أكبر من بعض)، وبالتأمل في هذه الحقوق فإننا نجد أن منشأها هو بلحاظ الخالقية، حيث أن الله تبارك وتعالى صنع الإنسان وخَلقه وأوجده من العدم، فصار على الإنسان أن يشكر هذا الخالق وهذا الصانع، هذا إذا نظرنا إلى مجرد عملية الخلقة والإيجاد، إلا أننا نشاهد أن الشكر لا يقتصر على مجرد الصنع والإيجاد بل إنه شامل ومستمر بلحاظ ما لله تعالى من منح مستمر وعلى الدوام وبلا انقطاع للإنسان من طاقة وحياة وقدرة وقابليات، إذ لو لم يكن الله تعالى مستمراً في مد الإنسان والكائنات يد الحياة والقدرة والطاقة لفني الإنسان وانتهى وجوده.
ثم قال الإمام السجاد: وأكبر حقوق الله عليك ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقه الذي هو أصل الحقوق، ومنه تفرع”، ولاحظ هنا أمراً مهماً وهو أن حفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين) يلفت انتباهنا إلى أن (حق الله تبارك وتعالى) هو أصل الحقوق، وأن كل الحقوق تفرعت منه هذا الأصل، الأمر الذي يدفعنا إلى معرفة تأثير حق التوحيد في سائر الفروع الحقوقية من المفاهيم والتطبيقات، وتأثير غيابه عنها أيضاً.
ثم قال:(ثم أوجبه عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك، على اختلاف جوارحك، فجعل لبصرك عليك حقاً، ولسمعك عليك حقاً، وللسانك عليك حقاً، وليدك عليك حقاً، ولرجلك عليك حقاً، ولبطنك عليك حقاً، ولفرجك عليك حقاً، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال، ثم جعل عز وجل لافعالك عليك حقوقاً، فجعل لصلاتك عليك حقاً، ولصومك عليك حقاً، ولصدقتك عليك حقاً، ولهديك عليك حقاً، الحقوق الواجبة عليك، وأوجبها ولأفعالك عليك حقاً، ثم تخرج الحقوق منك، إلى غير ذلك من ذوي عليك حقاً أئمتك، ثم حقوق رعيتك، ثم حقوق رحمك، فهذه حقوق يتشعب منها حقوق، فحقوق أئمتك بالسلطان ثم سائسك بالعلم، ثم حق سائسك بالملك، وكل سائس أمام، ثلاثة أوجبها عليك: حق سائسك وحقوق رعيتك ثلاثة: أوجبها عليك حق رعيتك بالسلطان، ثم حق رعيتك بالعلم، فإن الجاهل رعية العالم، وحق رعيتك بالملك من الأزواج، وما ملكت من الإيمان، وحقوق رحمك متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة).
وجاء من جملة ما جاء في هذه الرسالة المباركة من حقوق الجوارح:(وأما حق نفسك عليك فإن تستوفيها في طاعة الله، فتؤدي إلى لسانك حقه، وإلى سمعك حقه، وإلى بصرك حقه، وإلى يدك حقها، وإلى رجلك حقها، وإلى بطنك حقه، وإلى فرجك حقه، وإلى يدك حقها، وإلى رجلك حقها، وإلى بطنك حقه، وإلى فرجك حقه، وتستعين بالله على ذلك)، ثم بدأ الإمام السجاد بتفصيل الحقوق المتعلقة بما ذكر.
ومن جملة ما ذكر هو حق المال، فقال:(وأما حق المال فأن لا تأخذه إلا من حله، ولا تنفقه إلا في حله، ولا تحرفه عن مواضعه، ولا تصرفه عن حقائقه، ولا تجعله إذا كان من الله إلا إليه، وسبباً إلى الله، ولا تؤثر به على نفسك من لعله لا يحمدك، وبالحري أن لا يحسن خلافته في تركتك، ولا يعمل فيه بطاعة ربك، فتكون معيناً له على ذلك، وبما أحدث في مالك، أحسن نظراً لنفسه، فيعمل بطاعة ربه، فيذهب بالغنيمة، وتبوء بالإثم والحسرة والندامة مع التبعة، ولا قوة إلا بالله ..)، ونختم بهذه الكلمات الجميلة التي ورت في هذه الرسالة العطرة:(وأما حق أهل ملتك عامة فإضمار السلامة، ونشر جناح الرحمة، والرفق بمسيئهم وتألفهم، واستصلاحهم، وشكر محسنهم إلى نفسه، وإليك، فإن إحسانه إلى نفسه إحسانه إليك، إذ كف عنك أذاه، وكفاك مؤونته، وحبس عنك نفسه، فعمهم جميعاً بدعوتك، وانصرهم جميعاً بنصرتك، وأنزلهم جميعاً منازلهم، كبيرهم بمنزلة الوالد، وصغيرهم بمنزلة الولد، وأوسطهم بمنزلة الأخ، فمن أتاك تعاهدته بلطف ورحمة، وصل أخاك بما يجب للأخ على أخيه).

هلال بن حسن اللواتي

إلى الأعلى