الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ

شريشة

ركَضَت نُورة بكُل ما أوتيَت من ساقين ، ركَض خلفها أبوهَا وُهو يعصر خيزرانهُ بيدهِ من غضَب ، لاحقَها طويلاً حتّى مزارع القت ، هي كانَت أسرع منه ساعدها في ذلك ثوبَها العُمانّي القصير حتى أعلى الرّكبَة، أمّا هُو فأبطأتهُ ستينهُ التي بلغَها قبَل أيّام ، هي رَكَضت مدفوعَة بالحُبّ الذي لا تود أن تُسلخَ منه قطعة قطعة بالخيزران ، هُوَ ركَضَ مستدركًا العَارِ الذي يجري خلفُه كطوفَان ، لكنّ أعوادَ “القتّ” تمتطُّ فارعةً للأعلى كُلّما قَاربَت خطوات الأب خُطوات نورة، الأمر الذّي هيّأها للاختباء حتّى انحشرت بين أعَوادِ القَت ، بَحَثَ كثيرًا ، نَادَى بين لفيف النّباتِ المُترامي : “ليلتك سودَا يا نورة سودَا إنْ ما رجعتي قبل المغيب” ، لم تُعد نُورَة ، بحثت عنها القَريّة بأجمعها ، لكنّ نُورة أيضًا لم تَعُد .. في اليَوم التّالي وُجَد غطاء رأس نورَة بالقُربِ من بئر مهجورة ، لم يتمكّن أحد من النّزول عميقًا ، البئر كانت غائرَة ومع الوَقت نَبتَت شجرة “الشريش” مكانها.
***
سنواتٌ مَضَت ، الأمَطَار لم تُراوح الهطول كما السّابق ، القَريةُ تشكو نقصَ المَاء وانقطاعها المُتكرر بين الفينة والفينَة ، صلاةُ الاستسقَاء لم تجلب كثيرَ نَفَع ، يجرّب النّاس الاستقَامة لبعضِ الوَقت فيمسكون عن شُرب الخُمور ويقيمون الصلوات الخمس في المَساجد ظنًّا منهم أنّ الله ينتقمُ من خطاياهم ، وبمجرّد أن تدمعَ غيمَة ، تفوح الخُمرَة من دُكّانِ سالم العطّار.
***
حكَت الجدّة حفصَة لحفيدتها روضَة قصّة الشّريشة التي بالقُرب من منزلهم ، قَالت لهَا أنّ نُورة أحبّت ابن جَارهم وكانت تواعدهُ بالقُربِ من مزرعة أبوَها لكنهُ عاد ذلك اليوم باكرًا على غير عادته وباغتهما ، لاذ ابن الجيران بالفِرار، وهي لاحقها أبوهَا فانتبذَت مكانًا قصيّا في المزرعة خشيةَ المصير الذي ستلقاه، وفضّلت أن تبقَى بين فصيل الأشجَار التي أنقذت حياتها، فألقَت نُورة بنفسها في البئر علّها تنمو وتصبحُ شَجَرَة فنَمَت وتحوّلت شريشَة ضخمة ، تُظلل كُل الذين يُحبّون من العُشّاق وتنافحُ عنهم.
رَاقَبت روضَة من نافذةِ غرفتها الشريشة طويلاً بعد أن حَكَت لها الجدّة قصّتها ، تفحّصّتها كأّنها تراها للمرّة الأولَى ، أثارت الجدّة اهتمَام روضَة ، سمعت منها مفردات جديدة : حُب ..عُشّاق.. مواعدَة !
خَرَق سُكون الغُرفَة نداء أمّ روضَة ، أغلقَت النّافدة على عَجل كي لا تشتبهها أمّها أنّها تُواعدُ أحدًا ، منذ تلك اللحظَة سكنتها الفكرَة حتّى كادت تعتقد أنّها لن تنجو من شركِ الحُب.
***
الشّريشة ، شجرة صلبة الجذع ، تضرب جذورها في الأعمَاق وتعبرُ حتّى مسافات بعيدَة ، شاهقَة ، أغصانُها غليظةٌ من منابت الرأس ، ورفيعة حتّى الأغصان المتوزَعة بين الجهات ، تُطلق روائحًا كريهَة بين الحين والآخر، قالت الجدّة لروضَة أنّها تُطلق روائحها تلك كُلّما اعتدَى الآباء في القرية على بناتهم حين تخفق قلوبهنّ للرجَال ، فتغضبُ الشريشَة وتنتقمُ بهذه الرّوائح النتنَة.
مدّت الشريشة جذورهَا في باطن الأرض إلى بيتِ أبي روضة واستطَالت حتّى بلغت مدَاهَا إلى غُرفة روضَة ، أحدثت هزّة بسيطَة واستقرّت.
***
قَرّرت روضَة أن تزورَ صديقتها ثُريّا كي تُخبرها القصّة المنسيّة عن الشريشَة ، دُهشِت ثريّا واقترحت لروضَة أن يزورا الشريشَة عصرَ اليَوم ويتحدّثا معها.
بشيءٍ من القَلق والتّرقب زارتَا الفتاتان الشّجرة ، اقتربتَا بحذّر، صَرخَت روضَة في وجهِ الشّريشة : نُووووووورة يا نُوووووووووورة !
انتفضَت وريقات الشريشة وصّوتَت حفيفًا خفيفا وتساقطَ بعضها ، تأبّطت ثُريّا نعلها ، هَربَت وهي تصيح : نورة حيّة نورة حيّة !
تماسكت روضَة بالرغم من الرّجفانِ الذّي أرعش شعيرات جسدها، قبلَ أن تَهرُب ، أطَلّ من بين الأغصان المُورقَة وليد الأهبَل متشبّثًا بعيدان الشريشَة كي يحافظ على توازن جسده ، وأطلقَ قهقاتٍ متتاليَة دونَ توقّف ، ما إن رأتهُ روضَة صاحَت مفجوعة : “معلقتنه نورة ، معلقتنه نورة في الشريشة” ، خلعت نعليها مطلقةً صيحة الهُروب، وعفَرَت من ورائها التّراب.
***
أحد عشَر عامًا انقضَت من عُمر روضَة ، كبُرَت ، والتَحَقت بالجامعَة ، كان وليد يكبُرهَا بأربعةِ أعوام ، لم تُغَادر نافذتها منذ كانت طِفلَة ، حتّى أوقعَ القَدرُ عينيَها في عينيّ وليد ، المهبُول يوم أمسِ ، الذي ألفَتهُ يتسلّق الأشجَار رأتهُ اللحظَة يتسلّقُ أحلامَه ويركبُ سيّارتهِ الجديدة ، ما إنْ عَبر بسيّارتهِ بجانب النَافذة سَرق نظرتهُ الأولى من الفتاة التي ضحكَ عليها طويلا منذ سنوات خَلت، رأته بهندامٍ مُرتّب وعينَين عسليّتَين يعتمرُ قبّعته العسكريّة ،ورآهَا ببياضهَا الفاقع الذي لم يغيّره الزّمَن ووجها المُدوّر كوجه قَمَر، أغلقَت النّافذة في وجهه على عَجَل ، وشعرَت بقلبَها يخفقُ بُسرعَة لأوّلِ مرّة.
***
فتَحَ وليد دوش المَاء وتَركَه ينسَاب على بدنه ، عَبَر خيَاله طيف روضَة ، عيناهَا ، بياضهَا الذي أعشَى عينه ، نظراتُها التي تتمتمُ بحديثٍ يفهمه ، وجلها منهُ حين أغلقتِ النّافذة ، كان يعرفُ أيّ شيطانٍ يرتكبُ حماقاتَهُ في هواجس النّساء … فجأة تقطّع انسيابُ المَاء حتّى توقّف تمامًا، توقّفت خيالات وليد تسري في جسدهِ كرعشَة ، كانَ خزّان المَاء قَد نفد.
تناقصَ المَاء في خزّانَات القريَة كلّها مجدّدا ، أدركَ أهلُ القَريَة أنّ المُشكلة تعاودُ الظهور، شكَوا لرئيس البَلديّة مرارًا ، تأخرّ العمّال عن إصلاحِ الأنابيب ، تأزّمت القَريَة لأسابيع واستبدُلوا مياهُ الحكومة بمياه الأفلاج.
لمّا كانت روضة تتأمّل الشريشة عبر نافذتها اقتحمَ وليد خيالها ، تجاهَلت ما يعتورُ دماغها من خيالات بإمعانِها الشديد في الشريشَة ، كانت الشريشَة تخضرّ أكثر ويشتدّ تجذّرها في وقَتٍ نحَلت فيه مزارع الفجِل والفرصاد والليمون من حولها وتيبّست شيئًا فشيئًا.
لاحظَت روضَة ذلك، لصداقتها الحميمة بـ”الشريشة “وبدَا أن أحدًا لم ينتبهِ للأمر.
***
اليوم الذي يليه تكون روضَة قد دخَلت سنتها الجامعية الأولى ،ستذهبُ أسبوعًا إلى مسقط وتزور قريتها يومي العطلة الأسبوعية ، لكنّ مصاب روضة كان جَللا حين أدركت أنّها لا تقوى عن فراق نافذتها والشريشة، لهذا كانت تلتهمُ الأيّام والليالي عدًّا كي تعودَ قريتها دون إبطَاء، في اليوم الذي عَادت فيه كان وليد قد سبقَها واستظَلّ تَحتَ الشّريشة متكئًا على جذعها، في الجَهة الخلفيَة لمرأى روضَة ، فسمعَ وليد خطوات أقدام تقتَرب سرعان ما تهدَأ..أدرك أنّ أحدهم قَادم، التفتَ بحذّر، وما إنّ أطلّ برأسهِ ، فوجئت روضَة وأجفَلت بعيدًا ، كادَ أن يقول وليد شيئًا لكنّ روضَة حثّت خُطًا خجلَى إلى البيت قبلَ أن ينطق.
هيَ لم تَنم ليلتَهَا ، هُو لم يهدأ لهُ بَال ، هي فكّرت في الصُدف التي جمعتهما، هُو فكَر في مشيتهَا التّي يتوجسها قلقٌ مَا ، فِي دهشتهِ من قوامِهَا المرتبك الذي بدَا غضًّا ويافعًا في آن ، هيَ فكّرت في حكايةِ الجدّة ، في نورة الممسوخة شريشَة ، في موعدٍ مُباغت لم يُحتَسب ، في وليد الذي تعثّر في قَلبِهَا عن غَير قصَد..هُو تحسّر عندمَا لم يتسنَّ له الوَقت أن يسألها : من هي نورَة؟
تسَلّل حديثٌ خفيّ لاكتهُ ألسنِ النّساء : “وليد وروضة يتواعدَان تحت الشريشَة”
وشَت عنهمَا ابنة الجيران التي تمنّت وليدًا ، وعندمَا أحسّت أن فتاة مَا تسرقهُ منها أذاعَت خبرًا كاذبًا عنهما.
***
“المَاء..المَاء .. لماذا توقّف المَاء؟ متى يجيء المَاء؟ إلى متَى يعوزنا الماء؟
جَفاف .. الأفلاج تنضب ..النّخيل تموت .. زرع القَت يهزُل .. ماذا تأكل المَاشيَة ”
كل ذلك كان حديث القَريَة قبَل صدُفة الموعد الذي لم يخطط له عشيقَان كانا لتوّهما يختبرانِ فعلَ الحُب.
***
في عصر اليوم الذي يليه ، علمَت أم روضَة ما تناقلتهُ النّساء ، وأدركت أنَ الخَبَر سيصله لا مَحالة، صفقت أم روضَة ببَاب الغُرفَة، نظرت إليها شزرًا ، وهي تخلعُ عنها غطاءها “الليسو” انقضّت بثقلها على روضَة ، لم تشك أم روضَة بالخبَر عندما رأتهَا بجانب النّافذة ترسل نظراتها إلى الخَارج، جذبتها من كتفها وأغلقَت النّافذة بقوّة ، صفعتها وألقَت بها أرضًا، لم تَكن روضَة تدري صنيعَها الذي تستحق عليهِ كل ذلك، ذرَفت دموعها بغزَارة، في وقتٍ كانت أمّها تولول وتلعنُ اللحظةَ الذي لفظتها من رحمهَا ، قرّعتها باسم وليد مرّة ، ومرّة بالمجهول الذي ينتظرها من والدها: “هذي تربيتي فيكي علشان تحبّي وليد ود غنيمَة ، واافضيحتي واا غياب سمعتنَا ، انتظري الجاي من أبوكي…واااشيب راسي .. وحيدتي جابت لي الفضيحة”
احتجّت الأم وهدَأت الجدّة ، لم تُحدد هذه الأخيرة موقفها مما حدث عدا أنّها لم تبارح صمتَها ودموعها اللذين استخفى خلفهما ألمٌ مَا لم تتبينه أم روضَة، دافَعَت روضة عن نفسِها ، أنكَرت فعلها ، لم تصدّقها الأم، دخَلت روضَة الصّدمَة ، ولم تنبس ببنت شفة من يومها ذاك، أغلقت عليهَا أمّها البَاب أسبوعًا لم تَكن تفتحهُ إلا لإدخال الطّعام، كانت الأم تنتظر بهلعٍ مجيء الأبَ الذي سيأتي من عمله في مسقط بعد أسبوع بسمعَة مهزوزة وشرف مهدَر..
***
كَانَ العُمّال ، قَد وصلوا للتّو لينظروا في أمر توقّف المَاء ، ووقتئذٍ انتشرت روائح كريهة في القريَة خمّنوا أنّ جفاف ” البالوعات” هو الذي سبب فوحان الرائحة..
اجتهدَ العُمّال في اكتشاف مشكلة المَاء الذي لا يصل هذه القَريَة تحديدًا، فوجئوا بجذور شجرة تضرب في عُمق الأرض وتخترقُ أنَابيب المَاء باحثة عنه، أينما كان يجري المَاء أسفَل الأرض اختطفتهُ الجذور، كانَت الجذور تمتد أسفَل كُل بيت شملته إمدادات الصرف الصّحي، لم يُصدّق النّاس أعينهم، تتبعُوا مصدرها، فوجدوها للشريشَة الأمّ الموغلة في بيوتهم ومزارعهم وأراضيهم تسرقهم المَاء وتسلمهم للجفَاف والمَحل، علمُوا أيضًا أنّها مصدر الرائحة الكريهة التي تعاود القرية بعض أحيان.
خلال يومين، كانت الشّجَرة قُد انتُشِلتْ من الأعمَاق، فرحَ النّاس بهذا الخَلاص، وقرّروا أن يمنعوا زراعة الشريش في القَريَة.
***
نهاية الأسبوع كان أبو روضَة قد عَاد ليلاً متخفيّا والأم والجدةُ نائمتان، غافلهما ، وتسَلّل إلى البيت بهدوء يحملُ عصًا غليظةً في يَده ، وراحَ يهم بفتح البَاب والغضب يتطاير شررًا من عينيه ، عندمَا اندفعَ إلى داخل الغرفة ، وهو يتأهّب الإجهاز على روضة ، ارتَطم بجذع شجَرةٍ صَلب ، تغطّي أوراقها فراغ الغُرفَة وتكادُ أغصانها تنزعُ السّقف.
في صباح اليوم التّالي قفزت من كُل غرفة عاشقَة “شريشة” واستيقظت القَرية على قصص حُب لم تُرو خلّدتها أشجار الشريش.

شجرة الدّمس، أو”الشريش” الكويتي،
تُزرع في البيوت أو الأماكن العامة لأغراض الزّينة

أسماء الشامسية

إلى الأعلى