الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المؤسسة البرلمانية … دور يتعاظم في ظل المتغيرات السياسية والمعرفية والاقتصادية

المؤسسة البرلمانية … دور يتعاظم في ظل المتغيرات السياسية والمعرفية والاقتصادية

سعود بن علي الحارثي

” .. ينظر إلى الدولة التي تقوم فيها المؤسسات التشريعية والقضائية والإعلامية بدور مستقل ومتوازن لا تخضع فيه مؤسسة لأخرى بأنها دولة ديمقراطية وهو مؤشر إيجابي يعكس تطور المجتمع ووعى مواطنيه المستنير وينبئ بما وصل إليه من تقدم معرفي واستقرار سياسي وتشريعي واقتصادي…”

شهد التاريخ الإنساني عبر مراحله الزمنية أشكالا متعددة من الصراع الذي يديره الإنسان، بين المجتمعات وبين الدول والحكومات وبين الأفراد أنفسهم على كافة المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، صراعات مذهبية فكرية وأخرى سياسية اقتصادية وبعضها بغرض التوسع والهيمنة، إذ أن حياة الإنسان جلها قائم على الصراع والتنافس، وأحد أنواع هذا الصراع وأكثره إثارة وحساسية وثراء فكريا واكتسب في الوقت ذاته مشروعية وحمل أهدافا جد نبيلة وتتحقق تدريجيا بمرور الأيام، هو ذلك الصراع الذي دائما ما ينشب بين المجتمع بمكوناته المتعددة من مثقفين ومفكرين وسياسيين وقادة أحزاب ومنظمات وعامة … وبين أنظمة الحكم بمختلف توجهاتها من حيث نظام الحكم وأسلوبه ونهج السياسة المتبعة والفكر الذي يؤمن به النظام … صراع يهدف إلى الحد من سلطة الحكومات خاصة القمعية منها والتخلص من استبدادها وصناعة الفرص وتثبيت وسائلها وتطوير أدواتها وتفعيل اختصاصاتها، تلك التي تتيح لأبناء المجتمع المشاركة في اتخاذ القرار في صياغة التشريعات التي تعنى بمصالحهم والرقابة على أداء الحكومة ومحاسبتها على أخطائها متى ما وقعت. وعبر تلك الأزمنة تناوبت على حكم العالم، أقطاره ومجتمعاته أنظمة حكم شمولية يتناوب عليها حكام يختلفون في السلوك وفي التعليم وفي مستوى الوعي وفي النظرة إلى الحكم وفقا لتكوينهم الفكري والسياسي وهو ما انعكس على الخط العام للحكم وفي الممارسة السياسية وفي التعامل مع الأحداث والمستجدات المحلية والإقليمية والعالمية، أنظمة لا يعترف في الكثير من الأحيان حكامها بالخطأ ولا يؤمنون بالنقد ولا ينسجم فكرهم مع مبادئ الشورى ولا تتسع صدورهم للرأي الآخر، حكام دكتاتوريون شهدت فترات حكمهم الكثير من القلاقل والتخلف والظلم والتعسف وهدم ما بناه السابقون، ولا يعدم مع ذلك أن يتناوب على تلك الحكومات حكام لديهم الحرص على إرساء قواعد العدل والشورى وتثبيت مبادئ الحكم الرشيد والقيام بكل ما من شأنه تحقيق التطور والنهوض والاستقرار … لينالوا أخيرا ثقة شعوبهم ويرتفع بالأعمال الصالحة رصيدهم الشعبي وأسهمهم في الداخل والخارج . فتخفت المطالبة بوضع آليات للمساءلة وإشراك المجتمع في اتخاذ القرار ما تلبث أن تقوى وتشتد كلما شعر المجتمع بوطأة الحكم الدكتاتوري وبظلمه وقمعه وفساده، وهكذا ظل الصراع بين مد وجزر شد وجذب والنتائج المحققة بين ربح وخسارة تقدم وتأخر وفقا لأسباب تتعلق بسقف المطالبات ومستوى الوعي ودرجة التعليم والنضج السياسي لدى المجتمع ومدى استجابته للنداء واستعداده للتعبير عن رغباته وتوجهات نظام الحكم وكفاءة القيادة التي تقود الصراع، وصيغت خلال تلك المراحل الكثير من النظريات (( العقد الاجتماعي)) ، (( الحق الطبيعي))، (( سيادة الأمة )) وطورت العديد من الرؤى وسجل الفلاسفة والمفكرون من أمثال جان جاك روسو ، توماس هويز، جون لوك وهيغل وغيرهم كثير توجهاتهم وخلاصة أبحاثهم التي وإن تباينت في التفاصيل والآليات إلا أنها جميعها تمهد لنشوء حكم رشيد يقوم على آليات المساءلة وينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ويحدد الصلاحيات والممارسات بين مؤسسات الحكم ويضمن للمواطن حقوقه السياسية ومنها المشاركة والإسهام والرقابة وتتفق في مضمونها على أن السيادة لمجموع أفراد الشعب، ووجود حقوق طبيعية للإنسان يستخلصها العقل من الطبيعة الإنسانية(( السيادة عبارة عن ممارسة للإرادة العامة وأنها ملك للأمة جمعاء باعتبارها وحدة مستقلة عن الأفراد المكونين لها وليست ملكا للحاكم)) ، (( الأفراد انتقلوا من الحياة البدائية التي كانوا يعيشونها إلى حياة الجماعة السياسية المنظمة بموجب العقد )) ولكل من تلك النظريات والرؤى الموضوعة مزايا وعيوبا فصلها الباحثون في أكثر من مصدر … وقد برز البرلمان كدعامة أساسية من ضمن تلك الآليات المهمة في النظام السياسي إلى جانب السلطة القضائية والمؤسسات الإعلامية المستقلة, وهو ما تتجسد صوره في الكثير من أنظمة الحكم الديمقراطية في العالم التي تبلورت كنتيجة لصراع طويل ومرير مع أنظمة الحكم وبمنهج تدريجي راعى خصوصية الدولة وتاريخ وأسلوب نظام الحكم فيها، وتعمل دول أخرى كثيرة بالأخص في العالم الثالث على تقليد الأنظمة الديمقراطية الراسخة في الأخذ بنظام البرلمان ومبدأ استقلال السلطات، بعضها بلغ في ذلك المضمون ونالت النتيجة رضا المجتمع، وبعضها ولأنها مازالت أسيرة لمفردات وقيم وثقافات متخلفة جعلت من البرلمان مدعاة للمباهاة والادعاء وبهدف إسكات الأصوات المطالبة، لذلك ما زالت الممارسة مقيدة بصيغ وتعقيدات شكلية تعوق عمل البرلمان. وينظر إلى الدولة التي تقوم فيها المؤسسات التشريعية والقضائية والإعلامية بدور مستقل ومتوازن لا تخضع فيه مؤسسة لأخرى بأنها دولة ديمقراطية وهو مؤشر إيجابي يعكس تطور المجتمع ووعى مواطنيه المستنير وينبئ بما وصل إليه من تقدم معرفي واستقرار سياسي وتشريعي واقتصادي… إذ ينظر إلى السلطة التي يمتلكها البرلمان وإلى اختصاصاته الواسعة وإلى أعضائه الذين يمثلون مختلف الشرائح والتوجهات والقطاعات نظرة اطمئنان وعنصرا ضامنا للعديد من المتغيرات والأوضاع الطبيعية, أو تلك التي قد تطرأ في أية لحظة ومرجعا لمعالجة الكثير من الاشكالات والخلافات والمشاكل والقضايا التي قد تحدث … فهو:
• يقوم بدور محوري لضمان انتقال السلطة دون معوقات أو نزاعات أو مشاكل قد تعوق ذلك كما حدث ويحدث في العديد من دول العالم بحكم الاختصاص والممارسة والخبرة.
• ضمان مشاركة المواطن في اتخاذ القرار والمساهمة في عملية البناء وصناعة التنمية ، بصفته ممثلا للمجتمع ومتحدثا عن قضاياه ومعبرا عن رأيه.
• يقوم بدور هام في الحفاظ على وحدة البلاد والاهتمام بمصالح العباد وضامن للاستقرار السياسي والأمني ، ذلك لدوره في ترسيخ المبادئ الديمقراطية وحرية الرأي ، ومكانته لدى المجتمع من خلال أعضائه الذين يمثلون شرائحه ومكوناته المتعددة.
• ضمان الحد من أخطاء السلطة التنفيذية ومن الممارسات غير المسئولة ومن انتشار الفساد السياسي والإداري والمالي لدوره الرقابي والتشريعي الفاعل .
• تنمية وعي المجتمع بقيم الديمقراطية ومبادئها من خلال الممارسة الانتخابية ودوره في اختيار ممثليه ومتابعته لأعمال البرلمان وجهوده في تنفيذ اختصاصاته ، وتنمية شعور المواطن في أي مجتمع بانتمائه إلى وطنه ومجتمعه ودوره في اتخاذ القرار .

إلى الأعلى