الخميس 17 أكتوبر 2019 م - ١٨ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / اصطناع حضارة

اصطناع حضارة

إيهاب حمدي

أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن اكتشاف مدينة قديمة عمرها 5 آلاف عام، ووصفها علماء الآثار بأنها الأكبر والأقدم في المنطقة، وأنها كانت موطنًا لنحو ستة آلاف شخص، وكانت تحتوي على طرق مخطط لها، وأحياء، ومعبد لممارسة الطقوس وتحصينات، كما عثر العلماء على نحو 4 ملايين قطعة من بقايا أثرية في الموقع، بما في ذلك تماثيل نادرة لبشر وحيوانات، وقطع من الفخار وأدوات مختلفة، بعضها جاء من مصر ـ بحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).
ووصف الأثريون في دولة الاحتلال الإسرائيلي الاكتشاف الأثري بأنه الأكثر أهمية في المنطقة الذي يعود إلى تلك الحقبة، خصوصا وأنهم اكتشفوا منطقة سكنية أكثر قدمًا تحت المدينة، ويعتقد أن عمرها 7 آلاف عام.
وفي نبأ الإعلان قال مديرو أعمال الحفائر في بيانهم: “إنها نيويورك العصر البرونزي المبكر للمنطقة، وهي مدينة عالمية ومخطط لها وكان يعيش فيها آلاف السكان، ومما لا شك فيه أن هذا الموقع يغير إلى حد كبير كل ما نعرفه عن طبيعة الفترة وبداية التمدن.”
ويمتد الموقع على مساحة 161 فدانًا، أي حوالي ضعف حجم المساحات المكتشفة المشابهة سابقًا، وقالت هيئة الآثار الإسرائيلية إن تصميم المدينة يضم مناطق سكنية ومناطق عامة وشوارع وأزقة، وتدل العظام المحترقة للحيوانات التي عُثر عليها في الموقع على استخدامها في تقديم قرابين، كما اعتمد سكان المدينة، الذين من المرجح أنهم جاءوا إلى المنطقة لوجود ينابيع مياه عذبة وأرض خصبة، إضافة إلى قرب طرق التجارة منها، على كسب أرزاقهم من حرفة الزراعة، والتجارة مع مناطق وثقافات مختلفة.
متابعة الإعلان الإسرائيلي عن الكشف الأثري أثارت الاستفزاز العربي، وكشفت عن استمرار النهج الإسرائيلي في عملية التزييف وصولًا إلى التاريخ والثقافة، بل وحتى الحفريات الأثرية، فعلى مدار عامين ونصف العام استمر الإسرائيليون خلالها في إجراء أعمال الحفائر، خرجوا ببيان عن كشف أثري لإبراز جهود علماء الآثار؛ ولكنهم لم يستطيعوا التخلي عن عمليات التضليل والتزييف التي دأبوا عليها.
البيان أطلق على الموقع الأثري “نيويورك المنطقة قديمًا” لإصباغه هوية يهودية أميركية وطمس الاسم الحقيقي “إن إيسور”، وفي الوقت الذي قال علماؤهم إن البقايا الأثرية الفريدة يرجح أنها جاءت من مصر، وإن المدينة كان يعيش بها نحو 6 آلاف شخص، والمعثورات الحرفية تشير لامتهان البشر الزراعة والتجارة، فإن فحوى البيان تنسف ادعاءاتهم بأنهم أصحاب الأراضي الفلسطينية، فلم تثبت حفرياتهم وجودا لبني إسرائيل، كما أن المدينة تعود إلى حقبة قبل تسبق ظهورهم، وبيانهم يقر بوجود حياة عامرة، ومدن مقامة، وحراك بشري، وحركة اقتصادية لقرب المدينة من طرق التجارة القديمة.
التراث الثقافي والإنساني والإرث التاريخي ينطق دائمًا بوقائع لا تتحمل وجهات النظر، ولا الشرود بالتفكير لتبرير وجود دول أو مستعمرات حديثة، وهو ما يتضح جليًّا في الكشف الإسرائيلي؛ لكنهم يحاولون المناورة من خلال الزج بأسماء مدن حديثة مثل نيويورك، وأجبرهم الكبر والتعالي على تناسي منارات حضارية في المنطقة مثل مدن الدولة الفرعونية في مصر، أو الآشورية في الشام، أو البابلية في العراق، أو العربية في شبه الجزيرة العربية.
ربما يجدر باتحاد الآثاريين العرب أن يكون فعّالًا، وأن يتجاوب مع مثل هذه المكتشفات ويصدر بيانات لدرء عمليات التزييف التي تحاول إسرائيل بها طمس تاريخ المكتشفات، وأن يتم تطويعها لخدمة القضية الفلسطينية، خصوصا وأن منظمة اليونسكو لها موقف واضح وصريح تجاه التراث الإنساني في فلسطين، وأن الجهود الإسرائيلية تحاول القفز من فوق سور التاريخ لإثبات واقع جديد وامتداد واهٍ لحضارات ضربت بقدمها عمق التاريخ، بغية اصطناع حضارة.

إلى الأعلى