الخميس 17 أكتوبر 2019 م - ١٨ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: هل ستعود النخلة إلى المنافسة السوقية كاستحقاق قادم للأمن الغذائي الوطني؟

في العمق: هل ستعود النخلة إلى المنافسة السوقية كاستحقاق قادم للأمن الغذائي الوطني؟

د. رجب بن علي العويسي

يأتي طرحنا للتساؤل في ظل الإعلان عن توقيع الشركة العمانية لإنتاج وتعبئة التمور إحدى الشركات التابعة للشركة العمانية للاستثمار الغذائي القابضة؛ لإنشاء مصنع لإنتاج وتعبئة التمور في ولاية بركاء، وستة مراكز لتجميع التمور في ولايات صحم والرستاق ونزوى وعبري وابراء وجعلان بني بو حسن، وبطاقه إنتاجية سنوية يتوقع لها أن تصل إلى 80 ألف طن من التمور، وبالتالي جملة الموجهات والأولويات التي سوف تتحقق في ظل هذا التوجه الوطني الاستراتيجي، والذي يأتي في ظل مؤشرات إيجابية لعل من بينها تقرير مؤشر الأمن الغذائي العالمي لعام 2016 والذي أصدرته مجلة الايكونومست البريطانية، وحصلت فيه السلطنة على المرتبة السادسة والعشرين دوليا من بين 113 دولة، والثانية عربيا، بحصولها على مؤشر (73,6) نقطة من (100) نقطة، كما تم تصنيفها من بين الدول ذات المقومات البيئية الأفضل في تحقيق الأمن الغذائي، هذا الاستحقاق يعد مرحلة مهمة لقراءة المنجز الوطني في الأمن الغذائي والذي يتوج اليوم بإعادة إنتاج الدور القادم للنخلة، وما نعتقد بأننا ينقصنا في الوصول إلى كفاءة إنتاجية وتسويقية عالية من جهة، وصناعة تحول في المنظور الاجتماعي والوعي المجتمعي بإعادة الموقع الذي شكلته النخلة في حياة الأمة العمانية من جديد عبر آليات جديدة واستراتيجيات نوعية تتناغم مع المعطيات المعاصرة وتستهدف إعادة هندسة الواقع الغذائي الوطني عبر الاستفادة من الأطر والتوجهات الدولية والإقليمية التسويقية للموارد النباتية بالسلطنة.
وتشير إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لعام 2014 إلى أن أعداد أشجار النخيل بالسلطنة قد بلغ 7.6 مليون نخلة في الحيازات الزراعية، وشكلت ما نسبته 35% من إجمالي المساحة المزروعة والبالغ مساحتها (57429) فدانا، بالإضافة إلى حوالي (800) ألف نخلة أخرى في الحدائق المنزلية و( 100) ألف نخلة في الشوارع والمتنزهات العامة، وهي جميعها لا تشمل مشروع المليون نخلة؛ وقد بلغ إجمالي الإنتاج المحلي للتمور 317 ألف طن، أما من حيث أوجه استغلاله، فقد بلغ حجم الاستهلاك البشري منه (170) ألف طن، والصادرات (9 آلاف طن)، في حين شكلت التمور المتاحة للعلف (129) ألف طن، وبلغ حجم التمور للتصنيع المحلي (129) ألف طن، كما أشارت إلى أن الأصناف الأكثر إنتاجا للتمور هي: النغال وشكلت ما نسبته (12%)، والخصاب (9.8%)، والفرض(7.6%)، والخلاص(7.3%)، ثم أخيرا أم السلا (7.1%). وقد أظهرت إحصائية حديثة نشرتها الزميلة عمان في السابع من مايو لعام 2019 أن نخلة النغال هي من أكثر الأصناف إنتاجا للتمور، حيث بلغ إنتاجها 36.4 ألف طن، تليها نخلة “الخصاب” بـ34.8 ألف طن، والخلاص بكمية قدرت بـ33.7 ألف طن، و“المبسلي” بحوالي 32.2 ألف طن، و”أم السلا” بـ29.8 ألف طن؛ ومن حيث الولايات الأكثر إنتاجا للتمور في عام 2018 جاءت ولاية الرستاق في المرتبة الأولى بكمية إنتاج قدرت بـ37 ألف طن.
وبشأن كمية إنتاج السلطنة من التمور في السنوات الثلاث الأخيرة فقد أظهر ت الإحصائيات وجود زيادة في كمية التمور المنتجة، حيث بلغ إجمالي كمية التمور المنتجة من جميع محافظات السلطنة في عام 2016 (355.664)، وفي عام 2017( 360.917)، وبلغت في عام 2018(368.940) ألف طن، وهذه الزيادة المطردة مؤشر إيجابي على استمرار الجهود الوطنية الداعمة لهذا المنتج، والقناعة بالحاجة إلى إعادة إنتاج الدور القادم للنخلة، إذ كما يظهر أننا لا نعاني من مشكلة إنتاجية التمور، فالكمية المنتجة حاليا تفوق أضعافا كثيرة ما تم الإشارة إليه في الطاقة الاستيعابية لمصنع التمور قيد التأسيس، والتي تصل إلى حدود 80 ألف طن سنويا، بقدر ما هي مشكلة تسويقية تصنع الفارق في مسيرة المنتج وتؤسس لفرص الابتكارية والتجديد في إدارة عمليات الإنتاج والتسويق، وإيجاد قنوات استيعابية داعمة له عبر فتح أسواق جديدة ومحطات تسويق متنوعة في الداخل والخارج، وهو الأمر الذي يجب أن يكون أولوية في أي توجهات في هذا الشأن، بما يعني أهمية إعادة قراءة استراتيجية العمل الوطني القادمة في التعامل مع هذا المنتج من التمور، والتعاطي مع هذه التوجهات بشكل يصنع الفارق في كفاءة المنتج الوطني وفرص الاكتفاء الذاتي الوطني من التمور، ويعكس في الوقت نفسه جملة من الموجهات التي ينبغي أن تضعها الحكومة أو الشركة أو أي مؤسسة اقتصادية أخرى تتعاطى مع مسألة إنتاج التمور.
وبالتالي نتوقع ان تكون في أولويات هذا المشروع الوطني، العمل على حل مشكلة التسويق وإعادة مسارها بطريقة نموذجية، ووفق رؤية عمل واضحة، واستراتيجيات أداء محددة، ومكاشفة صريحة وثقة مبنية على معطيات الواقع وحجم الشراكة المتحققة مع المواطن أو المزارع المنتج للتمور، وإعادة المسار الإنتاجي لها من خلال تحديد قائمة بالأصناف التجارية عالية الجودة والتي تحظى اليوم باستهلاكها استثنائيا لها في السوق الوطنية والعالمية على حد سواء، وما يستدعيه واقع الحال من تبني سياسات اقتصادية تحسن من عمليات اختيار وانتقاء أصناف من التمور، وإعادة إنتاجها بحيث تغطي أوجها مختلفة في واقع الحياة اليومية، وسواء ما يستخدم منها للاكتفاء الذاتي الوطني، أو يستخدم للتصدير أو ينافس بها عالميا، أو عبر إدخال المنتج في عمليات إنتاج تحويلية كمدخل لتعزيز القيمة التنافسية والسوقية للتمور، وهذا الأمر لا يبنى على التكهنات أو تقرره الأمزجة وتختاره الظروف، بل عبر عمليات تشخيصية ودراسات استراتيجية استقرائية واستطلاعات رأي، ووقوف على واقع السوق الوطني والتحولات الحاصلة فيه، ومعرفة معمقة بالسوق العالمي للتمور، والأصناف التي تتواءم مع مناخ السلطنة، بالإضافة إلى الاستفادة من الدراسات الاستقرائية والتخصصية والعمليات التأهيلية الحاصلة في زراعة النخيل كالزراعة النسيجية أو الفسائل التي تقوم بها مراكز البحوث والمختبرات الزراعية، لمعرفة الأصناف المحلية المقبولة عالميا، والتي تحظى بنسب قبول عالية الجودة لتصبح محط اهتمام وطني ينافس بها عالميا، مع أهمية أن تراعي أيضا في انتقاء واختيار هذه الأصناف الإنتاجية من النخيل حجم الاستهلاك التجاري لها والصناعات التي باتت تستخدم فيها، بالإضافة إلى وضع معايير لجودة التمور وطنيا بحيث يشارك فيها كل المؤسسات العلمية والبحثية والاستراتيجية والعلماء والباحثين والمواطنين ممن يمتلكون الخبرة ويمارسونها في الواقع، وذلك لمعرفة مدى تحققها في الصنف، سواء ما يتعلق منها بالنوعية والحجم والمذاق ونسبة المكملات الغذائية فيها من عدمه، عبر قراءة أعمق وأوسع للسوق العالمي للتمور وإنتاج الأصناف التي تدخل في الصناعات والمنتجات الطبية والصيدلانية والزيوت والعطور ومستحضرات الزينة والتجميل أو المكملات الغذائية الأخرى للأطفال والكبار؛ إذ من شأن هذه النظرة المتسعة للرؤية الإنتاجية والتسويقية للتمور أن تصنع تحولا في الناتج المحلي بالشكل الذي يشجع المواطن أو المزارع على رفع سقف الجودة في المنتج، إذ إنه عندما يشعر بوجود سوق تستقبل منتجه وتستوعب إنتاجه، وبسعر مناسب، فإن ذلك حافزا له لرفع سقف الإنتاج، والعمل وفق المعايير والاشتراطات التي تم تحديدها وطنيا من خلال مشاركة كل الفاعلين والمساهمين في هذا القطاع.
لذلك كان من الأهمية أن تتحول طريقة العمل القادمة في التعامل مع منتج التمور وآليات المصنع الجديد من كونها عملية متكررة تقتصر على التجميع والتغليف والتعليب؛ إلى استراتيجية وطنية استثمارية تؤسس لإنتاج بدائل تستوعب سوق التمور خارجيا وداخليا لاستقبال هذه النوعيات من التمور، وأن يتجه العمل نحو إيجاد شركاء استراتيجيين في التعامل معهم، والتوقعات باستهلاك هؤلاء الشركاء لنسبة كبيرة من المنتج الوطني، عبر عقود توريد واتفاقيات لتزويد المطارات والمستشفيات ومؤسسات التعليم العالي والمدرسي والفنادق، والمؤسسات العسكرية وغيرها بالتمور العمانية عالية الجودة، وأن يتجه الإنتاج إلى طرق بيئات أخرى تضمن وصول المنتج الوطني من التمور إلى كل البيئات الاستهلاكية خصوصا في ظل اشتراط الشركاء وجود كيان رسمي مؤسسي يضمن ثقة المستهلكين أو المتعاملين معها وفق قواعد للسلوك المهني المقنن وأطر واضحة في العمل والتعامل، واتفاقيات وعقود توريد تضمن المزيد من المرونة في وصول المنتج.
على أنه في الوقت نفسه لم يعد دور مصنع التمور مقتصرا على عمليات البيع للتمور أو قائما على تنفيذ عقود واتفاقيات تزويد الجهات التي أشرنا إليها بنوعية التمور عالية الجودة؛ بل إن عليه أن تطرح البرامج التوعوية والتثقيفية والتوجيهية ذات العلاقة بالنخيل والعناية بها وطريقة الاهتمام بالتمور في مختلف مراحلها، وما يتعلق ببرامج التسميد ومكافحة آفات النخيل والأمراض التي باتت تقلل من جودة المنتج وتؤثر على نوعيته وقوته، وتوفير المنشورات التوعوية الداعمة لذلك، وحضورها في البرامج الإعلامية التثقيفية والتوعوية التلفزيونية والإذاعية ومنصات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي والفضاءات المفتوحة بما يضمن تعزيز الوعي الاجتماعي عامة ووعي المزارعين خصوصا بطرق العناية بالتمور منذ فترة قطافه وإلى حين وصوله إلى مخازن التغليف والتعليب، فإن نشر الوعي المعرفي بكيفية التعامل مع النخلة، مدخل لبناء ثقافة مجتمعية واعية وسلوك حضاري يتفاعل فيه المواطن مع قضايا الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي من الموارد، ناهيك عن أن وجود الوعي يضمن تحقق المعايير وبناء شعور مجتمعي بسقف التوقعات والفرص القادمة التي ستصنعها النخلة كاستحقاقات تؤكدها المنافسة الاقتصادية في السوق المحلية والخارجية.
ولمّا كان السوق المحلي والعالمي قائما على العرض والطلب، والذي ينعكس على قبول المستهلك لبعض الأنواع من التمور التي تشهد رواجا وإقبالا عليها في فترة زمنية معينة دون أخرى، لاعتبارات عديدة تتعلق ببيئة الاستيراد وطبيعة هذه التمور ومدى اكتمال العناصر الغذائية فيها من عدمه واحتوائها على مواصفات غذائية عالية الجودة، أو بسبب حالة التشغيل التي تتم في القطاعات الاستهلاكية وما يرافقها من إجازات أو فتور في المواسم السياحية فتضرر السياحة الفندقية مثلا أو غيرها أو بحسب الطلب عليها خارجيا واستقرار الأوضاع الأمنية في البلدان المستهلكة، ومع التأكيد على أن مساهمة القطاع الخاص بدور محوري في هذا القطاع الطريق الصحيح لصناعة فارق في الأداء الوطني والتسويق العالمي ودخوله كخيار استراتيجي يفتح فرصا أكبر للتسويق الإلكتروني الذكي والإدارة الاستراتيجية للمنتج وبدائل الانتقاء والاختيار، وبالتالي إزالة هاجس الخوف والقلق من مركزية التحكم التي قد تنتهجها هذه الشركة، أو تستغلها في تبرير مواقفها بزيادة الأسعار والاحتكار والتحكم في السوق، وما يفرضه ذلك كله من وضوح عمليات التقنين والمراجعة وكفاءة التشريعات المنظمة، وقوة التدخل الحكومي في صياغة وتحديد الأسعار وتوجيه جهات الاختصاص في التعامل مع مثل هذه الحالات، ووضع سيناريوهات عمل بديلة في حالة ما إذا كان الإقبال عن صنف من التمور قليل في سنوات معينة دون غيرها، بالشكل الذي يضمن استمرارية المزارع في الإنتاج وتوفير المنتج والاهتمام به، وأن تضمن الجهود الضبطية الحكومية توفير مساحة أمان تحفظ حق المواطن المنتج للتمور أو حق المستهلك للتمور، ودخول قطاعات وشركات أخرى مساهمة في المنظومة، وبالتالي طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في تبني مشروعات اقتصادية أخرى تقدم خدماتها للمزارعين، لتمكين أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في قطاع التمور ومشتقاتها، وفي عمليات تطوير المُنتج، والتغليف الابتكاري، وسلامة وجودة المنتج، والتسويق الرقمي، وحجم الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والتجارية المتوقع أن تنشأ كشركات تحويلية ومحطات عمل تكميلية داعمة تقدم خدماتها للمزارعين، سواء من حيث إدارة العمليات الداخلية للمنتج، وتوفير الأسمدة المركبة والعضوية، أو بيع المبيدات لمكافحة الآفات الحشرية والفطرية، وأدوات التنظيف والتعليب وابتكار أدوات جني الرطب (الخراف) وغيرها، وصناعة صناديق الحفظ والأدوات الأخرى التي يستخدمها المزارع بشكل دوري، بحيث توفر السلع الاستهلاكية في منافذ البيع وبأسعار قياسية مصحوبة ببرامج توعوية وتدريبية وإعلامية.
ويبقى أن نشير إلى أن ما اتخذته وزارة الزراعة والثروة السمكية من مبادرات نوعية يمكن أن تعزز من مفهوم التسويق الذكي للمنتج الزراعي عامة ومنتج التمور بشكل خاص، فمهرجان التمور السنوي فرصة التقاء لكل المنتجين والمستهلكين لعرض أنواع مختلفة من التمور، ورفع درجة المعرفة والثقافة به، كما أن توجه الوزارة نحو تبني مسار التسويق الإلكتروني للتمور، سوف يسهم بشكل كبير في تبني برامج إلكترونية وتدريبية في التسويق الشبكي لمساعدة المزارعين ومنتجي التمور في رفع جودة المنتج المحلي من التمور، وزيادة مؤشرات قيمتها التنافسية بالشكل الذي يضمن الوصول إلى تسويق أكثر كفاءة، بحيث يقلل الفاقد، ويحسن من طرق تداول المنتج، ويتيح للمزارع فرصا أكبر للتعرف على مستجدات التعبئة والتغليف والحفظ واختيار العبوات ذات المعايير الصحية والبيئية والاستهلاكية المناسبة، وتوفير الصناديق أو تنشيط حركة منافذ البيع والشراء.
ومع كل ما أشرنا إليه من موجهات في هذا الشأن على مستوى الأداء أو إنتاجية المصنع أو البرامج والخطط الاستيعابية، أو التفكير خارج الصندوق في إضافة لمسات جمالية وابداعية وذوقية للمنتج ليس على المستوى التجاري العالمي بل أيضا على مستوى الاستهلاك المحلي وبشكل خاص فئة الأطفال والنساء والشباب الذين يظهر منهم قلة وجود التمر في قاموسهم الغذائي، وبالتالي أن يبقى دور المواطن والمزارع حاضرا في كل محطات الإنتاج، فلا يقتصر دوره على رفد المصنع ومراكز التجميع الأخرى بالتمور، بل أن يكون مسوقا لمنتجه، مستفيدا من التقنية ومنصات التواصل الاجتماعي وغيرها في إيصال منتجه إلى العالم أجمع، فمثلا أن يكون لديه حساب إلكتروني ومنفذ للبيع عبر التقنية، ووكلاء ومسوقون له داخل السلطنة وخارجها، ومشاركات وحضور له في الفعاليات الداخلية والخارجية والأسواق التجارية والاستهلاكية والمهرجانات السياحية لعرض منتجه، فيتجه إلى الأصناف التي تلقى إقبالا تجاريا وإكسابها فرصا أكبر لدخول الاتيكيت والذوق في عمليات التسويق، فمع حرصه على أن يكون لديه منتج فاخر يتوافق مع المعايير فهو في المقابل عليه أن يمتلك خطة تسويقية يستطيع من خلالها أن يصل للمستهلكين العامين والفئة الخاصة به داخل السلطنة وخارجها.
وعودا على بدء فإن حديثنا عن مصنع التمور يعود بذاكرتنا التاريخية إلى مصنع تمور نزوى في الثمانينيات، ومصنع تمور سمائل في تسعينيات القرن الماضي الذي يعتبر أول مصنع متكامل لإنتاج وتعليب التمور، حيث اكتسب في فترة التسعينيات وإلى وقت قريب اهتماما شعبيا، فذاع صيته ورسم ذكره في أذهان الناشئة طلبة المدارس مفاتيح أمل لإكرام النخلة وحسن العناية بها، بالرغم من قلة الوسائل التسويقية والترويجية التي تيسرت للمصنع، فإن طرح مشروع مصنع التمور اليوم وبآليات جديدة ومعايير قياسية عالمية وبمساحة أوسع؛ تحّول نوعي يرسم مسارا تفاؤليا في الأمن الغذائي ويعكس حجم الشعور الوطني بالحاجة إلى إعادة إنتاج واقع النخلة من جديد الذي بدأ مع الأمر السامي بمشروع المليون نخلة ويستمر مع إدخال تقنية الذكاء الاصطناعي في عملية إدارتها وتطويرها، وها نحن اليوم نعيش ملحمة جديدة في إعادة المسار الصحيح الذي تستحقه النخلة في القاموس الغذائي العماني، وحضورها في الحياة اليومية للإنسان العماني.
تلك إذا.. هي النخلة باسقة لها طلع نضيد، عايشت إنسان هذا الوطن في كل أحواله، وهو يتفيأ ظلالها الوارفة، ويقطف ثمارها اليانعة رطبا جنيا، فرغب بها ورغبت فيه، ومنحها وقته وجهده فأعطته أينع الثمر وأجوده، بل كانت حياة العمانيين قائمة على النخلة، فهي زادهم الذي يمنحهم قوت يومهم ويؤسس لهم مساحات الأمان القادمة ولقاء الأنس العائلي والاجتماعي، وإذا كان واقعنا اليوم يختلف عن سابقه، الذي شكلت النخلة فيه ركيزة أساسية في حياة الأسرة العمانية حتى كان أكثر الناس نخلا أكثرهم يسرا في الحال واستطاعة وقدرة في تقديم المبادرة وإسعاد أهل بلده بإنفاقه ووقفه في وجوه البر والخير، فارتبطت النخلة بالقيمة الاجتماعية التي تصنع في البيئات أسرا ميسورة الحال قامت بدورها في احتواء الجميع ووجهة لأهل البلدة عندما يشتد بهم الحال، وإننا في الوقت نفسه ندرك بأنه على الرغم من اختلاف الأزمان وتدخل الايدي الوافدة في هذا المسار الاقتصادي، فإن الرهان اليوم على أبناء الوطن في الاستفادة من هذا التوجه الوطني والمبادرة الجادة التي نرجو أن تحقق غاياتها الكبرى في إعادة النخلة إلى الواجهة الاقتصادية للوطن، ومصدر لإنتاج القوة الاقتصادية والاكتفاء الذاتي؛ لتبقى النخلة شموخ الإنسان وسموقه، وهي تبسط له على الأرض عطاء غير مجذوذ وثمرا غير منقوص.

إلى الأعلى