الخميس 17 أكتوبر 2019 م - ١٨ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / إن لهم مالنا وعليهم ما علينا .. على أن..

إن لهم مالنا وعليهم ما علينا .. على أن..

علي عقلة عرسان

في بلد يعاني من الحرب والاحتلال والتآمر والإرهاب، وتستهدفه مخططات أعدائه التاريخيين بتقسيمه وتدميره ويوالي بعض مواطنيه أولئك الأعداء ويكونون أدوات لهم وخناجر في خاصرة شعب ووطنهم..
في بلد يضاعف أزماته ومشكلاته وجود عدة جيوش أجنبية تحتل أجزاء من أرضه، وتقيم قواعد عسكرية لها فيما تحتله أو تسيطر عليه من أرض، وتتمترس هناك، وقوى دولية تتصارع وتتضارب مصالحها وتتنافس على حساب استقلاله ومصالحه، وتستقطب مواطنين فيه وتتقاتل بهم وتدمر ما بناه..
في بلد يوجد فيه إرهاب واستثمار في الإرهاب، وفتنة ذات رؤوس تتدحرج هنا وهناك، وأزمات اقتصادية وضائقات معيشية ذات مضاعفات اجتماعية خلفتها وتخلفها الحرب المدمرة الدائرة على أرضه، والفساد المستشري في كيانه، ويفرَض عليه حصار، ويصعب عليه تحمل أعباء كبيرة منها أعباء الحرب وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، ومواساة من جرح وأصيب بإعاقات دائمة ومن نُكِب من مواطنيه، واستعادة من نزح ومن تشرد من شعبه إلى دِيارهم بأمن من جوع وخوف.. و.. و..؟! ما الذي يضيره إذا تضاربت مصالح المحتلين لأرضه، وقاتلَ محتل لأرضه موالين لمحتل آخر يعملون على تمزيق وحدته أرضا وشعبا، ويسعون إلى تعزيز قدرة ألد أعدائه على أرضه، ويضعفونه “وطنا وشعبا ودولة”، ليقيموا فيه دولة لهم على حساب الدولة؟!
صحيح أن المحتل ذا أطماع، وأنه لا يُفعل ذلك من أجل البلد الذي يحتل بعض أرضه والدولة التي يضعفها، وأنه لا يخدم سوى مصالحه.. ولكنه في صراعه ذاك يضعُف ويُضعِفُ محتلا آخر ومتآمرا وخائنا لبلده يقاتل تحت راية ألد أعداء ذلك البلد “الأميركيين والصهاينة”، ويرفع راية الولايات المتحدة الأميركية و”إسرائيل” ويستقوي بهما علنا، وينهب خيرات الدولة وثروتها النفطية ويكون قوة ضدها معادية لها، ودولة على حساب أرضها وشعبها وسيادتها تكون أشد خطرا عليها من الاحتلال الذي لا بد أن يزول؟! ليس المحتل التركي أفضل من الأميركي، ولا الأميركي أفضل من التركي، وسوريا البلد المُسْتَهدف المنكوب ببعض مواطنيه، ستدحر كل محتل لأرضها في نهاية المطاف عندما تستعيد عافيتها وتوقف الحرب/ الكارثة وتستعيد لحمة شعبها.. ولكن إقامة “إسرائيل” ثانية في الشمال الشرقي على حساب وحدة أرضها وسيادتها سيكون كارثيا على المدى البعيد. إن الصهيونية تعمل على إقامة تلك الدولة منذ عقود وتحشد الأميركيين والغربيين وراء هذا المشروع، وتنسق مع عملائها من أجل تحقيقه لتضعف سوريا والعراق، وتؤسس كيانا معاديا لهما وللأمة العربية، يضاف إليها ككيان معادٍ رأينا منه ما رأينا. إن ذلك عَمَلٌ بخطورة الاحتلال إن لم يكن أخطر منه، وهو ينخر جسم الدولة السورية ويستخدم ثرواتها لتعزيز قوته، ويقيم قواعد عسكرية لألد أعدائها وأعداء العروبة والإسلام على أرضها ليحتمي بها وتنصره وينصرها.. وهذا شر يماثل الصهيونية التي هي الشر المطلق ويتحالف معها ومع من يعادي العروبة والإسلام.
في ذروة الحرب العدوانية الأميركية ـ البريطانية على العراق عام ٢٠٠٣ كان عملاء عراقيون أكثرهم من شمال العراق يتجولون في شوارع بغداد وأماكن وجود القوات المدافعة عن بغداد ومعهم هواتف “الثُّريا” ويقدمون المعلومات للأميركيين والصهاينة ليدمروا الجيش العراقي ليحصلوا على دولة لهم في شمال العراق على حساب العراق وشعبه كما وعدوا بذلك.. وفي الحرب التي استهدفت سوريا وما زالت أعلن الأكراد في شمال شرق سوريا أنهم سيصلون إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط ويقيمون دولتهم انطلاقا مما سموه “روج آفا” وكردستان الغربية، ونشروا خرائط تحدد حدود طموحهم، ورفعوا العلم الأميركي والصهيوني في أجزاء من سوريا وألغوا علَمها، معلنين “دولتهم؟!”، وناصبوا الدولة العداء وبدأ الصهاينة والأميركيون تأسيس كيان وجيش لهم. ويوم شن جورج W بوش حربه الصليبية القذرة على العراق ودمره ونشر بريمر قانونه، رفعوا العلم الأميركي في القامشلي، ورقصوا على وقع تهديد وزير الخارجية الأميركي، كولن باول ذي الأنبوب، حين قال لسوريا بتهديد صريح من إدارة المجرم العنصري الصليبي العفن جورج بوش: “تذكروا أننا أصبحنا جيرانكم”. هؤلاء هم الذين قال عنهم الرئيس السوري ذات يوم من أيام الحرب في سوريا وعليها “إنهم خونة”، وقالها بعد صبر طال وتآمر وقح، ولقد تأخر ذاك الحكم عليهم أربعين أو خمسين سنة على الأقل، كانوا خلالها وقبلها يتمردون ويتآمرون ويؤسسون لضرب قوة سوريا في ظل الحكم الذي كانوا يتهمونه باضطهادهم ويهاجمونه بما لا يليق، ويصطنعون مظلومية كاذبة، ويزيفون تاريخا لهم مثلما زيفت “إسرائيل” شعبا وتاريخا لها، وكان يمالئهم ويرفع راية “مظلوميتهم” مَن تتلمذوا على الصهيونية العنصرية التي اخترعت شعبا وزيفت تاريخا ورعت من يخرب البيت العربي عامة والسوري خاصة، ورفعته “مناضلا” وما إلى ذلك من تلفيق وتزوير وتشويه وتآمر نحصد نتائجه اليوم، ويعيه بعض الذين كانوا أدوات للعنصرية الصهيونية وأشياعها ومشاريعها ممن “قادوا” وشوهوا الكثير من مشاهد الحياة السورية والعربية، ووقائع تاريخ الأمة ونالوا مِن رموزها وشخصياتها وهويتها وعقيدتها.. وما زالوا يعبثون.
حتى المعارضة السورية التي ناصرت أولئك الانفصاليين ورفعت راية “مظلوميتهم؟!” اكتشفت أنها على خطأ فلم يتوافق بعض عناصرها معهم في أمور، وإن بقي البعض ممن هم في إطارها يحلبون في إناء أحزاب المشروع الانفصالي الكردي لإقامة دولة على حساب الدولة السورية تكون نواة لدولة أوسع على حساب وحدة أرض وشعب دول أربع “العراق وسوريا وإيران وتركيا”.. ولم تكن تلك المشاريع الانفصالية في الدول الأربع جديدة لكنها كانت قيد الاختبار والاستثمار بيد الاستعمار وهم كانوا أدوات ولم يتعلموا الدرس.. وقد كانت البداية في إيران يوم أقام ستالين جمهورية “ماهاباد” على شمال إيران ودعمها لِوَقت، ومن ثم دعمت “إسرائيل” مصطفى البرزاني في حربه على العراق منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وأعلنت اعترافها ومساندتها للبرزاني الوريث يوم أعلن إقامة دولته في شمال العراق قبل سنوات قليلة.. ودعمَ كيان الإرهاب والعنصرية “إسرائيل” إقامة دولة كردية في شمال شرق سوريا يوم أعلن الكرد عن إقامة كيان انفصالي لهم، ورفع الإرهابي المجرم نتنياهو صوته عاليا بذلك التأييد.. وحين صدمهم صخر الواقع الصَّلْد تحولوا للحديث عن فيدرالية ثم عن حكم ذاتي، في تكرار لسيناريو شمال العراق، وهو ما رفضته سوريا وما زالت ترفضه وينبغي أن ترفضه، لأن من حقها وواجبها أن ترفض ما تمليه “إسرائيل” والولايات المتحدة الأميركية والدول الاستعمارية وأدواتهم جميعا عليها، وكلّ ما يمزق وحدتها أرضا وشعبا، وينال من سيادتها ومكانتها ومن حقوقها التاريخية في أرضها.. وقد حاربت تركيا مشاريع الأكراد التقسيمية أيضا وهي في حرب قديمة معها من خلال حزب العمال الكردستاني ومشتقاته في جبال قنديل وغيرها. ولم تكن تلك المشاريع في الدول المشار إليها إلا مشاريع تدخل خارجي “سوفييتي ـ غربي ـ صهيوني..” في شؤون دول نشأت نتيجة الحرب العالمية الأولى وما أسفرت عنه من معاهدات واتفاقيات، ونتيجة لما كان من مؤمرات على المنطقة في سنوات تلك الحرب أشهرها وأهمها مؤامرة “سايكس ـ بيكو” التي لم تكن روسيا القيصرية بعيدة عنها بل كانت ضمن ناسجي خيوطها.. وهو ما كشفته وألغته ثورة ١٩١٧ في روسيا ووصول الشيوعيين إلى الحكم حيث انسحبوا من المعاهدة وكشفوها.. وما زال ذلك المشروع الاستعماري “الغربي ـ الصهيوني” التدميري لدول المنطقة عامة وللدول العربية خاصة يفعل فعله وتتفاعل مشكلاته لأن تقسيم المنطقة كان لإقامة كيان صهيوني في فلسطين أدخل أمتنا في كوارث منذ إنشائه، ولتفتيت الأمتين العربية والإسلامية وإضعافهما.. وهو ما زال مشروعا يُطبخ في الدوائر الصهيونية والاستعمار الحديث ويروَّج سمه ترياقا عند بعض قصار النظر.
من الطبيعي أن نرفض أي احتلال لأرضنا ولأية أرض عربية، وأن ننادي بتحرير أرضنا من أي محتل ونعد أنفسنا لذلك.. نحن لا نريد احتلالا إسرائيليا أو تركيا أو أميركيا أو.. أو.. وسنقاوم كل احتلال لأرضنا مهما كان وندحره فتلك إرادة شعب وقضية أمة، وذاك مصيرها أيضا.. وأمتنا العربية لن تبقى ممزقة وحربا على ذاتها وألعوبة بأيدي حكام تابعين لأعدائها، فالحياة حركة والحركة تحمل التغيير.. والوضع المأساوي الحالي ليس قَدَرا مَقدورا ولن يدوم إلى الأبد، فلا بد من صحوة تعيد الأمة إلى طريقها الصحيح. نحن لا نريد وجودا أجنبيا على أرضنا أيا كان شكل ذلك الوجود وهدفه ومسوِّغاته، لأنه ينتقص من سيادتنا ويسلبنا حريتنا وكرامتنا، ويهدد وحدتنا “أرضنا وشعبنا”، ويديم ضعفنا وتمزيق أمتنا لكي لا نقوى فنستغني عنه وعن وجوده وتنتفي مسوِّغات ذلك الوجود.. ولا نريد تمزيق وطننا سوريا ولا أي قطر من أقطار أمتنا، فمن يتطلع إلى الجمع لا يقبل الفُرْقة ولا يعمل لها.. ولا نسمح بإقامة كيانات مصطنعة عميلة في أي جزء من بلدنا تكون مدخلا لأعدائنا علينا وخناجر مسمومة في خواصرنا، إذ تحتمي تلك العمالات بأعدائنا وتفتح أبوابا لزعزعة أمننا واستقرارنا، وتتسبب في استمرار الصراع والعنف والتطرف وتوليدهما في أرضنا وبين أبناء شعبنا، وهذا ليس في صالح أحد منا.. إن علينا أن نغلق الباب نهائيا أمام مشاريع التجزئة والتقسيم ونعزل من يحملون راياتها ونعريهم، ونركل بكل قوة فكر برنارد لويس ومن سار على نهجه وحمل سمومه ونادى بتقسيم وطننا.. سواء كان مِن اليهود والصهاينة وصولا إلى الفأر المختبئ في المكاتب الأميركية الصهيوني “دانيال بايبس” الذي يحرض مع غيره من طينته على العروبة والإسلام، ويشوِّه وهو المُشَوَّه.. أو مِن سواهم من المتصهينين والعنصريين والمستعمرين.
نريد وطنا مستقلا سيدا كريما مُعافى منتميا لأمته العربية وطليعة فيها ورائدا كما كان، وطنا لا وجود لأجنبي ولا لنفوذ أجنبي فيه، وطنا لا محتل ولا انفصاليا ولا عنصريا ولا فِتْنويا فيه، وطنا لأبنائه جميعا ينعمون فيه بالاستقرار، ويعيشون فيه بكرامة ويتطلعون إلى الحياة بأمل، ويتمتعون بحريتهم وبعدل في وطنهم يشمل الناس كافة وتؤسس له الدولة بمسؤولية ووعي، في إطار الدستور والقوانين التي يرضاها الشعب، ولا يرتفع فوقها رأس مهما كان وصار، ولا يتجاوز أحكامها أحد.. نريد وطنا بلا فساد ولا إفساد ولا اضطهاد ولا تبعيات من أي نوع ولا تفرقة من أي نوع. لا نريد للكرد ولا لغيرهم من أبناء الشعب أن يظلموا أو يعانوا أو يضطهدوا أو يهمَّشوا، ولا أن يدَّعوا مظلومية يتلطون تحتها لأغراض منها مكاسب أو منها تقسيم سوريا وخلق صراعات عرقية ودينية وطائفية ومذهبية فيها.. لا نريد للكرد اليوم أن يعانوا، ولا أن يتعرضوا لويلات حرب تهدد تركيا بشنها على غُلاتهم تحت عناوين أعلنتها،.. نريدهم مثلنا كلنا لهم ما لنا وعليهم ما علينا.. ولكن أمامهم مسؤوليات وعليهم أولويات ينبغي أن يتخذوها أو يقوموا بها أو يراعوها، منه: الولاء التام للوطن سوريا، ونبذ المشروع الانفصالي والتعصب العرقي والاستقواء بالأجنبي، والاستيقاظ من وهم أو حلم إقامة دولة لهم في الأرض السورية على حساب الدولة العربية السورية، ووضع حد نهائي للعلاقة مع العدو الصهيوني والاستقواء بالأميركي والغربي وفتح أبواب الوطن لتدخلهم في شؤوننا الداخلية. وإن لهم ما للسوريين كافة من حقوق وحريات في مواطَنة تامة وحقوق مواطَنَة محترمة، ولمؤسسات دولة أن تسير الأمور في مناطق يسيطرون عليه بدعم خارجي، وفق الدستور والقانون والحكم بعدل وحكمة ومساواة. لا فدرالية ولا كونفردالية لهم في سوريا، يفرضونها أو يطالبون بها، تكون مسمار جحا “يعلقون عليه مطلب إقامة دولة لهم في المستقبل”، فعليهم ألا يستغفلوا أحدا أبدا، ولا إدارة خاصة ذات حكم ذاتي لهم، ولا راية خاصة لهم “عَلَم” غير علم الدولة العربية السورية مثلهم مثل غيرهم، ولا خصوصية في التعامل معهم فهم في محافظات القطر مثلهم مثل سواهم من المواطنين في المحافظات كافة.. ولا نريد أن نتحدث في هذه الظروف عن ممارسات أكثر من سيئة مارسوها ضد سوريين من أبناء الوطن الواحد، يوم كانوا يضطرون للجوء إلى مناطق سيطرتهم حيث كانوا يطلبون منهم كفيلا ليدخلوا الأرض السورية، ويطالبونهم بجزية، ويشردون سكان قرى بكاملها في تصفية عرقية كان يشجع عليها العدو الصهيوني وحليفه الأميركي ويتبناها غلاة منهم سياسة “عادلة؟!”. لا نريد لهم أن يعانوا من ويلات حرب جديدة، أو من فصل من فصولها جديد.. لكن عليهم أن لا يرفَعوا السلاح بوجه أحد حتى لا يرفع السلاحَ بوجههم أحد، وأن يفتحوا المناطق التي يتسلطون فيها ويتحكمون بها ويفتحونها للأميركي و”الإسرائيلي” ليدخلها الجيش العربي السوري، وعندها تبدأ مسؤوليته وتنتهي ذرائع الأتراك وينتفي مبرر تدخلهم وتنكشف نيّاتهم.. إن قيام الكرد بذلك يجعل الجيش السوري مسؤولا عن حماية الحدود والأرض السورية. وعليهم ألا يستمروا في السير خلف مَن كان يعلن منهم “أن الجيش السوري لن يدخل مناطقهم وسيقاتلونه إن هو فعل..؟!”.. ألا كفى.. كفى.. احقنوا الدم، وأُولوا إلى العقل والوعي والحكمة.. الأجنبي لن يدوم لكم وقد يستخدمكم أدوات، أمَّا وطنكم فهو حضنكم وبمقدار ما تلتحفون به تدفَؤون.. نحن منكم وأنتم منا كما كنا وكما كنتم في تاريخ لن يلغيه مغامرون ولن يشوهه مقامرون وتابعون لمشوهي الوعي والتاريخ والوقائع والحقائق الصهاينة العنصريون.
والله مِن وراء القصد.

إلى الأعلى