الخميس 17 أكتوبر 2019 م - ١٨ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تسخير الموجودات لإتمام الهجرة (7)

تسخير الموجودات لإتمام الهجرة (7)

2 ـ سراقة بن مالك: حينما أعلنت قريش عن جائزتها التي لم يسبقها مثيل، عمل كل واحد من أهل مكة ومن غير أهلها على أن تكون هذه الجائزة من حظه، وكان من بينهم ساقة بن مالك الذي فطن لتحركات عامر بن فهيرة، فأخذ في يراقب حتى لحق برسول الله، كما ذكر غير واحد من المؤرخين، ومن بينهم (الكامل في التاريخ) لابن الأثير (1/ 696): وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ جَعَلَتْ لِمَنْ يَأْتِي بِالنبِي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) دِيَةً، فَتَبِعَهُمْ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ فَلَحِقَهُمْ وَهُمْ فِي أَرْضٍ صُلْبَةٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَدْرَكَنَا الطَّلَبُ! فَقَالَ:(لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة ـ 40)، وَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ علَى بَطْنِهَا وَثَارَ مِنْ تَحْتِهَا مِثْلَ الدُّخَانِ، فَقَالَ: ادْعُ لِي مُحَمَّدُ لِيُخَلِّصَنِي اللَّهُ، وَلَكَ عَلَيَّ أَنْ أَرُدَّ عَنْكَ الطَّلَبَ، فَدَعَا لَهُ فَتَخَلَّصَ، فَعَادَ يَتْبَعُهُمْ، فَدَعَا عَلَيْهِ الثَّانِيَةَ فَسَاخَتْ قَوَائِمُ فَرَسِهِ فِي الْأَرْضِ أَشَدَّ مِنَ الْأُولَى، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا مِنْ دُعَائِكَ عَلَيَّ، فَادْعُ لِي وَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ عَنْكَ الطَّلَبَ، فَدَعَا لَهُ فَخَلُصَ وَقَرُبَ مِنَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، وَإِنَّ إِبِلِي بِمَكَانِ كَذَا فَخُذْ مِنْهَا مَا أَحْبَبْتَ، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ عَنْهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): كَيْفَ بِكَ يَا سُرَاقَةُ إِذَا سُوِّرْتَ بِسِوَارَيْ كِسْرَى؟ قَالَ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُز؟ قَالَ: نَعَمْ. فَعَادَ سُرَاقَةُ فَكَانَ لَا يَلْقَاهُ أَحَدٌ يُرِيدُ الطَّلَبَ إِلَّا قَالَ: كُفِيتُمْ مَا هَاهُنَا، وَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ .. (المرجع السابق (1/ 697).
ثالثاً: أجساد المشركين وجوارحهم: لقد اصطف أشداء الشباب وصفوتهم من أهل مكة، لا ينتظرون خروج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فحسب بل وحميت وطيس حربهم فأرادوا أن يقتحموا بيته، (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال ـ 30)، وما العمل إذا خرج رسول الله عليهم وجهاً لوجه، وسيوفهم مسمومة، وقلوبهم مغلفة، وفي أذانهم وقر، وهنا تعلن السماء إنذارها، وتتجلى عناية الله لتوقف عمل تلك الأجساد بكاملها بعد أن كانت تعمل.
1 ـ الأجسام كاملة: تحجرت وتصخرت ولا يزال الدم يجري في عروقها، فما تحرك لها ساكن، وقت خرج رسول الله عليها تالياً قوله تعالى:(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سداً) (يس ـ 9)، تأملوا معي كيف أمسك الله جوارهم عن الحركة، وكفها عن العمل، فكانوا كالخشب المسندة، أصبحوا كالجماد بمعنى الكلمة، بكل كانوا جماداً بالفعل، يقفون دون حراك، الأجسام بشرية، والأشكال إنسانية، ولكن تلك الأجسام أصبحت هيكلية ، وكأنها أصنام كالتي كانوا يعبدونها.
2 ـ الأبصار: وقد عجزت أبصارهم عن النظر، وتوقفت عن عملها ،مرتين : المرة الأولى: لما خرج رسول الله عليهم من بيته، (وفي هجعة من الليل خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد أخذ الله على أبصارهم فلم يبصروا به، وكان أخذ كفا من تراب .. (السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة (1/ 476)، وأما المرة الثانية: فهي عندما أتوا فوهة الغار، يقول صاحب (السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة (1/ 480): من الذي أخذ بأبصار المشركين فلم ينظروا تحت أرجلهم، ولو فعلوا لرأوا طلبتهم المنشودة؟ ومن الذي سمّر ـ أوقف ـ أرجلهم في الأرض فلم يتقدموا نحو فم الغار؟! ومن الذي صرفهم عن الغار، وقد همّ بعضهم بدخوله؟.

محمود عدلي الشريف
ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى