الخميس 17 أكتوبر 2019 م - ١٨ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / المنظومة الوجودية والفساد الأخلاقي

المنظومة الوجودية والفساد الأخلاقي

اعداد ـ هلال بن حسن اللواتي:
من القصص القرآنية التي تؤكد على أن الإنسان لا يعرف حقيقة المنظومة الوجودية، وبدلاً عن الإستفادة من الممثلين عن الله تعالى في أرضه، وهم خلفاؤه، والتعرف على هذه المنظومة الوجودية بكل تفاصيلها والمضي على بنودها للوصول إلى أوج السعادة والحضارة والطاقة البشرية كان الإنقلاب على أهل السلم والصلاح قصة قوم النبي لوط ـ عليه السلام ـ فإن الفساد الأخلاقي الذي وصل إليه أولئك كان سبباً في تحريك القانون التكويني ضدهم، فلا يتعلق الأمر بالمشتهيات النفسية وما تريده الأنا، بل إنه يتعلق بذات الوجود، وبالتركيبة الوجودية التي لم تنشأ على العلاقات المثلية بل إن المنظومة الوجودية نشأت على نبذ المثلية، لأن المثلية بكل بساطة تخالف التركيبة الوجودية التي صمم عليها الإنسان، وقد بينا أن كل ما هو يخالف التركيبة الوجودية التي صمم عليها الإنسان يكون مرجعه إلى السلبية، فلما تمرد قوم لوط ـ عليه السلام ـ ولم يرغبوا في الإنصات ولا الإستماع لمنطق المنظومة الوجودية، ولم يخضعوا لصوت “الإحتياج الذاتي” للبدن والروح والعقل والنفس والمحيط، قال تعالى:(وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ) (القمر ـ 36)، فكان عاقبة هذا التمرد ما جاء في قوله تعالى:(وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ) (النمل ـ 58).
إذن المسألة لا تتعلق بالحرية الشخصية، بل تتعلق بحق الوجود والموجودات، فإذا تزاحمت الحرية الشخصية مع الحق الوجودي فإن الحق الوجودي لا شك يتقدم على تلك الحرية الشخصية، فلابد من الإلتفاتة إلى أمر مهم وهو: تارة يصدر الفساد الأخلاقي بكتمان وخفاء، وأخرى يصدر الفعل الفاسد علناً ويُحاول من لا خبرة له في الحياة ولا علم له بالمنظومة الوجودية تقنين هذه الظواهر الفاسدة، وإيجاد أرضية تشريعية يقبلها الناس، فإن لمثل هذا الإعلان والقبول تحريك حتمي للنظام التكويني الذي زود بترسانة طبيعية تدافع عن حياة الوجود والموجودات من كل ما يخالف التصميم الخلقي والتركيبة الوجودية، وجهل الإنسان بهذه المنظومة الوجودية وبهذا النظام التكويني وإصراره على البقاء على جهله هذا وعدم خروجه منه يقوده إلى تدمير كل ما بناه وعمره ووصل إليه من التقنيات العالية، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن القصص القرآنية التي تؤكد على في هذا الوجود من منظومة وجودية متقنة ولا تقبل تخلل الفساد فيه ما جاء في قصة النبي شعيب ـ عليه السلام ـ فإنه قصة تتحدث عن التجارة والتجار، وعن رجال الأعمال الذين أمرهم الملك بإحتكار الطعام ونقص مكائيلهم وموازينهم، قال تعالى:(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (الأعراف 85 ـ 86)، إلا أن هؤلاء ظلوا على تمردهم وغطرستهم وطغيانهم فما كان للقانون الوجودي الذي يستظل تحت مظلة المنظومة الوجودية إلا التحرك للدفاع عن الإنسانية والإنسان الصالح، وعن الطبيعة والكائنات والموجودات، وعن حق (التوحيد)، قال تعالى:(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ، الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف 91 ـ 92).
وهناك قصص كثيرة في القرآن الكريم وشواهد كثيرة تؤكد على أن الإنسان يجهل (الإحتياج الذاتي)، ويجهل المنظومة الوجودية لذا لن يتمكن من الوصول إلى إستقرار حقيقي على وجه الأرض، وإذا أراد الإستقرار الحقيقي والوصول إلى السعادة وذروتها أن ينصت إلى منطق (الإحتياج الذاتي) ويتبع خريطه، فإنه سيجد نفسه في أعلى قمة الكمال البشري، والحمد لله رب العالمين.

إلى الأعلى