الخميس 17 أكتوبر 2019 م - ١٨ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / بطل “المآذن العالية”
بطل “المآذن العالية”

بطل “المآذن العالية”

مرسي
منذ أيام مضت حلت الذكرى الـ46 لنصر السادس من أكتوبر، والذي يمثل ملحمة عسكرية عربية، فقد استطاع الجيش المصري تحطيم خط بارليف، وهزيمة العدو الإسرائيلي الذي وصفه الغرب بأنه “لا يقهر”، وأواصر الملحمة كانت بشد العضد العربي بعضه بعضًا، فما زلنا نفخر بالوقفة العربية الجسورة مع دولتي المواجهة، مصر وسوريا، واستخدام سلاح النفط في التأثير على الغرب للتوقف على مساعدة الإسرائيليين، وموقف الزعيم العراقي الراحل صدام حسين حين طلب منه الرئيس المصري الراحل أنور السادات شراء صواريخ سوفيتية، كان الاتحاد السوفيتي قد رفض تزويد مصر بها، فما كان من صدام إلا أن قال له إنها أصبحت ملكًا للجيوش العربية، وأهداه إياها بدون مقابل.. نتذكر كل هذا ونحن في لحظة فارقة في التاريخ العربي حين كان لحمة واحدة، تجرعوا المرارة معًا وصنعوا النصر سويًّا.
وعند الحديث عن نصر أكتوبر يتذكر الجميع الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان الجيش المصري ـ آنذاك ـ ومهندس الانتصار الذي شهد له الجميع، فعندما تأتي الشهادة من الأعداء يكون التوثيق أكثر مصداقية منه لو كانت تلك الشهادة من الحلفاء، فقد قال وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه ديان: “المصريون كانوا يملكون قائدًا عظيمًا يعرف باسم الشاذلي، إنه حقًّا من أذكى القادة العسكريين.. إنني أقولها للتاريخ فقط، وليس لمصلحه، فهو من أشجع الضباط المصريين.”
وقال أرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، وقائد فرقه ضباط الاحتياط أثناء حرب أكتوبر إن “الشاذلي من أذكى الضباط المصريين عسكريًّا.. إنه محترف بكل المقاييس يجب علي أن أعترف بذلك.”
الفريق سعد الدين الشاذلي واحد من ضمن عظماء التاريخ الذين سطروا انتصارات المعارك الكبرى، وأهم أبطال حرب أكتوبر، وواضع خطة عبور الجيش المصري لقناة السويس، فحول المستحيل إلى ممكن، بداية من مراحل الإعداد، ووصولا إلى عبور خط بارليف المنيع، وسحق الجيش الإسرائيلي.
اكتسب خبرات إدارة الحروب المسلحة والمناورات العسكرية الاستراتيجية من خلال مشاركته في عدة حروب ضد إسرائيل كانت بدايتها حرب فلسطين عام 1948، ثم خاض العديد من الدورات الحربية، ثم تولى قيادة سلاح المظلات المصري أثناء العدوان الثلاثي (بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل) على مصر عام 1956، كما شارك في حرب يونيو عام 1967؛ ورغم الهزيمة فيها إلا أنه أظهر قدرة كبيرة على القيادة والمناورة بقواته خلال الحرب، خصوصا حينما تمكن بحرفية شديدة أن يقطع أراضي سيناء كاملة من الشرق إلى الجانب الغربي لقناة السويس في عملية انسحاب عالية الدقة، خدع بها الإسرائيليين لتنفيذ الانسحاب الآمن بعدما لم يجد أي دعم جوي له، مما أكسبه سمعة كبيرة في صفوف الجيش المصري، فعين قائدًا للقوات الخاصة والصاعقة والمظلات، ثم قائدًا لمنطقة البحر الأحمر العسكرية، ثم أهلته كفاءته وقدرته العسكرية التي اكتسبها من دراسته في أميركا والاتحاد السوفيتي في العلوم العسكرية ليعين رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية، وفي الـ6 من أكتوبر عام 1973، الذي تزامن مع العاشر من رمضان المبارك، شن الجيش المصري هجومًا على القوات الإسرائيلية، بطول الجبهتين، ونفذ الجيش المصري خطة وضعها الشاذلي تسمى “المآذن العالية”، وقد حظيت بنجاح غير متوقع.
القوات المصرية حققت نجاحًا مؤثرًا في معركة القناة، وعبرت أصعب مانع مائي في العالم، وحطمت “خط بارليف” في 18 ساعة، وانتهت أسطورة العائق الرملي والدفاعي التي كان يتغنى بها العدو الصهيوني.
الفريق سعد الدين الشاذلي حبة لؤلؤ مكنونة داخل محارها، ويحمل ملف العسكرية المصرية العديد من القادة العظام والأبطال الذين يتذكرهم العرب لبسالتهم في حرب أكتوبر، ويمثلون عُقد من اللآلئ التي تزين الصدر العربي، مثل صاحب قرار الحرب الرئيس الراحل محمد أنور السادات، والفريق أحمد إسماعيل علي وزير الدفاع المصري الأسبق وقائد الجبهات المصرية والسورية والأردنية، والمشير محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة العمليات وقتها، وغيرهم الكثيرين من قادة وجنود .. إنها أسماء لن ينساها التاريخ، لأنها صنعت النصر الوحيد الذي ما زلنا نتغنى به، ونورث الأبناء والأحفاد الفخر به.

إلى الأعلى