الخميس 17 أكتوبر 2019 م - ١٨ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الترقيع والسذاجة البرلمانية

الترقيع والسذاجة البرلمانية

عادل سعد

هو تفويض ذاتي، ذلك الذي دفع الدكتور عادل عبد المهدي رئيس مجلس وزراء الدولة العراقية، إلى القول إنه لا يملك عصا سحرية لتحقيق الإصلاح الاقتصادي، وإن الأمر يحتاج إلى غطاء تشريعي مفتوح في التصدي الحازم للمعضلات القائمة، وتحقيق العدالة في استثمار ثروة العراق. ومع تأخر هذه الصراحة إلا أن ما ذهب إليه رئيس الوزرا عبد المهدي حمل بعض الوجاهة، لأن الإصلاح ـ أي إصلاح للنظام الاقتصادي في أي بلد ـ هو عملية بنيوية معقدة تستدعي تضافر جهود كل أطراف الدولة في إنجازه، وإلا كيف يستطيع عبد المهدي بموقعه الحكومي أن يواجه عمليات نهب المال العام وسط ضغوط المحاصصة؟ وكيف يمكن له أن يتصدى جذريا للفساد وهو بغطاء مؤسسي سميك؟ وما الحلول الاستئصالية التي يمكن أن يزيح بها رؤوسا سياسية فاسدة تتصدر الواجهات؟
هل يستطيع عادل عبد المهدي أن يخفض مرتبات ومخصصات الفئتين الأولى والثانية من موظفي الدولة العراقية إلى النصف؟ هل يستطيع أن يضع بالتنسيق مع وزارتي التخطيط، والعمل والشؤون الاجتماعية نظاما محكما نزيها لرعاية الأسر المصابة بالعوز المعاشي والعاطلين عن العمل، أسوة بما دأبت عليه دول أخرى نجحت في تطبيق إجراءات بشأن ذلك؟
هل يستطيع عبد المهدي من موقعه وبمفرده أن يضع حدا للتشاطر في السرقات واللصوصية المتمرسة للاستيلاء على بعض المصادر النفطية والعقارات، وبيوت مالية تتحكم في أغلب الأحيان بحركة النقد وبعضها بإنفاق مصرفية عميقة؟ هل يستطيع أن يختصر عدد موظفي (المنتجعات)، أعني السفارات العراقية المتورمة بالبطالة الوظيفية المقنعة؟
المعيب الإعلامي في الصور والتصريحات الرسمية العراقية أن تنشر أخبارا مقتضبة عن اجتماعات للرئاسات الثلاث بابتسامات عريضة مع دعوات لضبط النفوس، والمعيب أكثر حين سقطت رئاسة مجلس النواب في السذاجة من خلال دعوة ممثلين للمتظاهرين من أجل اللقاء بهم لمعرفة مطالبهم، وكأن البرلمان وفد سياسي يزور العراق للمرة الأولى ويجهل ما يجري به، ويهمه معرفة ماذا يريد المتظاهرون.
إن الفضيلة التي تنقص مجلس النواب بصفته عراب الرأي العام العراقي، وتنقص أيضا أغلب السياسيين العراقيين، عدم الاعتراف بالأخطاء والتقصير وإهمال فرص الإصغاء المثابر لوجع العراقيين، أين هي الأثرة الحسنة؟ وأين هو هامش التضحية البسيطة أن يتخلى السياسيون من بعض امتيازاتهم الفائضة عن حاجاتهم الحقيقية؟
في الذاكرة السياسية العالمية، أن رؤساء دول ومسؤولين سياسيين آخرين طلبوا تخفيض رواتبهم إنصافا وتضامنا مع فقراء بلدانهم، وهناك قائمة طويلة معروفة بهؤلاء السياسيين الشرفاء.
إن الوظيفة السياسية على وفق التصنيف الدقيق والمعنى الإجمالي هي (حراسة)، ولكم أن تنظموا قائمة بأولويات تلك الوظيفة من سهر وتفقد ومتابعة ميدانية، وبالمقابل، أن الإشارة إلى الألم الحكومي، لا يعني الدعوة إلى إنصافها، بل يعني أن وباء الفساد بمجسات انتشار تشمل (حقائب وزارية) ومفوضيات وحقائب مجالس محافظات وبرلمانيين وحاشيات بمستمسكات ثبوتية حزبية.
أعتقد أن العراق أمام لحظة فاصلة، والخطأ، كل الخطأ، أن يتم اللجوء إلى الترقيع الإرضائي؛ لأنه يحول الحكومة إلى مجرد جمعية خيرية لإطعام أفواه جائعة، كما أن الاعتذار للفقراء يبقى قاصرا؛ لأن حجم التذمر لا تكفيه مواساة وطلب الصفح.
السياسيون المسؤولون في الدولة العراقية بحاجة ماسة الآن إلى اختصار أمين لأصناف (موائدهم)، خصوصا وأن الأمعاء الخاوية العراقية خارج التغطية العددية، ثم لي أن أسأل: أين هي (إبداعات) مستشارين يحيطون بالمسؤولين السياسيين، إحاطة الخاتم بالإصبع؟
إن أكثر الفساد انتشارا يكمن في استخدام الصلاحيات بغير وجه حق على غرار ذلك القرار (الشهير) لرئيس الجمهورية السابق فؤاد معصوم عندما عين ابنته مستشارا له براتب شهري قدره اثنا عشر مليون دينار في توثيق فاضح، بل ومخجل للمحسوبية، وهكذا أيضا، أسأل: كم وزيرا ونائبا ورئيس حزب أوجد وظائف من هذا النوع لأبنائهم وأقاربهم ومعارفهم من الدائرة الضيقة التي تحيط بهم أو من خلال صفقات شراء ذمم؟
الصمت هو الطريقة الوحيدة التي يجب أن تشرف أغلب السياسيين العراقيين الذين صنعوا لهم نفوذا لا يستحقونه، وفوضوا أنفسهم جدارة زائفة تحكمها نزعات الاستحواذ وأجواء الغنائم، لذلك أرى أن يخضع جميعهم لفحص سريري دقيق، بإجراء تحليلي مختبري أمام الرأي العام العراقي.
في سياق آخر، وبالتجربة، لا تفضي الأقوال الكبيرة إلى أعمال كبيرة دائما، الحالة العراقية لا تحتمل إلا الآمال الواقعية، أي ترشيد نفقات الكلام.
بيت الداء، البعض يركب الخيول وهي محددة باغتنام فرص الدخول على الحدث، وما أكثرهم، أيها السياسيون اعملوا على تفكيك حديد الخيول أولا، واللبيب من يفهم.

إلى الأعلى