الخميس 17 أكتوبر 2019 م - ١٨ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أكتوبر خريف العرب

أكتوبر خريف العرب

د. أحمد مصطفى أحمد:
ربما كانت حرب أكتوبر التي انتصر فيها العرب على إسرائيل عام 1973 المناسبة الأهم، والأخيرة، التي يتذكرها العرب باعتبارها “عملا عربيا مشتركا”. وليس القصد هنا الحديث عن الدول العربية التي وقفت إلى جانب مصر وسوريا في الحرب ضد الاحتلال الصهيوني بالمال والسلاح والعتاد والقوات، إنما تلك الحالة التي عاشها العرب جميعا من المحيط الخليج ومن الساحل إلى الصحراء من أن تلك “حربهم” في مواجهة “عدوهم”. وكانت تلك آخر أزهار الربيع العربي التي أثمرت في صيفه، قبل أن تبدأ في العطب والتحلل في خريفه. وإذا كان البعض، خصوصا في منطقة الخليج، يرى أن خريف العرب بدأ بغزو العراق للكويت قبل نحو ثلاثة عقود فإن الواقع أنه بدأ قبل ذلك بسنوات. بدأ خريف العرب مباشرة بعد حرب أكتوبر بقرار الرئيس المصري وقتذاك أنور السادات اعتبار “أكتوبر آخر الحروب” كما قال. ولم تكن مفاوضات وقف إطلاق النار وفض الاشتباك إلا مقدمة لعملية الصلح المصرية ـ الإسرائيلية برعاية أميركية والتي أثمرت معاهدة كامب ديفيد في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي.
من هنا بدأ خريف العرب، إذ قاطع أغلب العرب مصر بسبب صلحها مع العدو الذي كان يوحد العرب إلى حد كبير في ربيعهم وصيفهم. ولم تفلح الحرب العراقية ـ الإيرانية على مدى عقد الثمانينيات في استعادة روح العروبة من المحيط إلى الخليج كما تفعل قضية فلسطين والصراع مع إسرائيل. صحيح أنه في الخليج كان هناك شعور بأنها حرب بين قوميتين: فارسية وعربية، لكنه لم يكن شعورا طاغيا في العالم العربي كله كما كان الحال في الحرب مع إسرائيل. لا يعود ذلك فقط لاختلاف موقف العرب من إيران عن موقفهم من إسرائيل لاعتبارات دينية مثلا، وإنما لأن إيران موجودة في المنطقة منذ قرون إنما دولة الاحتلال في فلسطين كيان اختلقه الاستعمار في النصف الأول من القرن الماضي وكان ـ وما زال إلى حد ما ـ يشكل تهديدا وجوديا لكثير من الدول العربية.
ما أن انتهت الحرب العراقية ـ الإيرانية، وقبل أن يتعافى أحد من تبعاتها، اختلف العراق مع جيرانه الخليجيين الذين دعموه خلال سنوات تلك الحرب. ووصل الخلاف مطلع التسعينيات إلى التدخل العسكري وغزو العراق للكويت. وكانت تلك الحرب وما تلاها من إخراج العراق من الكويت وحصار العراق وتدمير قدراته بتحالف دولي تقوده أميركا وبريطانيا حلقة فاصلة في المنطقة كلها. فأولا، انكسر الشعور العروبي والقومي لدى أغلب الخليجيين بعد غزو عربي لقطر عربي وازداد الشرخ تعمقا بدخول “الأجنبي” بقوة في صراع عربي ـ عربي. ولم يقتصر الأمر على الخليج فقط، بل بددت تلك التطورات ذلك الحال العربي الإيجابي الذي ساد في حرب أكتوبر قبل 46 عاما وما قبلها. وانقسمت دول وشعوب المنطقة انقسامات تعمقت باستمرار حصار العراق ثم حرب غزوه واحتلاله أميركيا وبريطانيا. وانتهى خريف العرب الذي بدأ عقب الحرب مع إسرائيل ليدخل العرب شتاء طويلا، ظن بعضهم أنه انتهى بما سمي “الربيع العربي” في بداية هذا العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. ولم تفلح حروب إسرائيل على لبنان وقطاع غزة وغاراتها المستمرة على سوريا وغيرها من بلاد العرب في الدفع نحو استعادة ذلك الشعور العربي العام.
بل إن المرء يمكن أن يذهب إلى أن غزو الكويت وما بعده أدى إلى تراجع العداء لإسرائيل ـ خصوصا في منطقة الخليج ـ إلى مرتبة متأخرة عن قضايا أخرى. وإذا كان الصلح المصري ثم الأردني مع إسرائيل وأيضا اتفاقات أوسلو بين الفلسطينيين وإسرائيل وما صاحبها من تطبيع بعض الدول علاقاتها مع الصهاينة، ولو بقدر محدود، ساهم في تخفيف ذلك العداء إلا أن حروب العرب وصراعاتهم فيما بينهم كانت العامل الأهم في دخول ذلك الشتاء العربي الذي لا تبدو له نهاية حتى الآن. ولعل البعض لم ينتبه لملاحظة أن أحد ملامح الاحتجاجات الشعبية في بعض الدول العربية التي شهدت تغييرات حادة في 2011 كان عودة ـ ولو على استحياء ـ للموقف من العدو الإسرائيلي. وتبدى ذلك جليا في تونس ومصر أكثر من غيرها.
لكل ذلك، نقول إن حرب أكتوبر كانت نهاية ربيع وصيف العرب، وبعدها بدأ خريف دخل في شتاء لم تكن أحداث 2011 سوى محاولة خروج منه بطريقة “حلاوة الروح” كما يقول المثل. وها نحن نحتفل بذكرى تلك الحرب المجيدة في التاريخ العربي المعاصر بينما إسرائيل تقصف سوريا والعراق وربما غيرهما، وتقضي بدعم أميركي على ما تبقى من فلسطين وبعض العرب يتقبلون ذلك بأريحية غريبة. وإذا كان البعض يتصور أن الموقف من إيران يمكن أن يعيد للعرب بعضا من تعاضدهم الذي شهدته سنوات ما قبل حرب أكتوبر وخلالها فهو واهم لأسباب عدة، بالطبع ليس من بينها أن إيران لا تريد نفوذا ومصالح قد تعارض مصالح دول المنطقة وإنما لأن موقف العرب من الفرس والترك على مر التاريخ لم يكن أبدا بذات القوة والاتحاد والتعاضد الذي شهده صراعهم مع كيان احتلال استيطاني زرع في وسطهم بالقوة.
شهر أكتوبر هو عز الخريف في فصول السنة الأربعة، وأكتوبر العرب عام 1973 كان بداية خريفهم الذي دخل شتاء يزداد ضراوة وقسوة. تلك هي الذكرى التي علينا تدبرها ونحن نحتفل الآن بيوم 6 أكتوبر، يوم النصر العربي على إسرائيل.

إلى الأعلى