الخميس 17 أكتوبر 2019 م - ١٨ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / بشأن المقاطعة الاقتصادية لدولة الاحتلال

بشأن المقاطعة الاقتصادية لدولة الاحتلال

علي بدوان

تطبيق القرار الفلسطيني، والقاضي بتعليق العمل بالاتفاقيات الموقعة مع دولة الاحتلال، والانطلاق إلى مرحلة جديدة من العمل الفلسطينية، ضرورة باتت تفرضها الجهود الفلسطينية في مواجهة سياسات الاحتلال، وضربها عرض الحائط بقرارات الشرعية الدولية. فيما أجمعت قيادات الفصائل الفلسطينية وقيادة حركة فتح في الضفة الغربية المحتلة، على أهمية استمرار وتفعيل حملات مقاطعة البضائع “الإسرائيلية” خلال الفترة المقبلة، في إطار الخطوات الشعبية الرافضة لسياسات هدم المنازل وآخرها في بلدة (صور باهر) قضاء القدس قبل شهر مضى، وهو ما يؤكده مسؤولون في قيادة القوى الفلسطينية، التي تعتقد بأن أولى الخطوات الملموسة بدأت بــ”الخطوات العملية” لمجابهة “إسرائيل” بسلاح “المقاطعة الاقتصادية”، وهو سلاح فعّال جرت تجربته سابقا، وحقق نجاحات عدة، وكبَّدَ خلالها اقتصاد “إسرائيل” خسائر كبيرة. والمعروف أن “إسرائيل”، وبسبب من واقع الاحتلال، تعتمد على الأسواق الفلسطينية في تصريف الكثير من البضائع، باعتبار المناطق الفلسطينية السوق الثاني لها. ومن المقرر أن تبدأ خطوات المقاطعة الاقتصادية بالبضائع التي يتوافر لها بديل محلي في المناطق المحتلة عام 1967، وهي بضائع كثيرة، على أن يطول الأمر في وقت لاحق قريب بضائع أخرى، بعد العمل على استيرادها من الخارج. ولا يخفي القائمون على الحملة مجابهتهم صعوبات في بداية الحملة، تتمثل كما المرات السابقة، بقيام الجهات “الإسرائيلية” بخفض أسعار بضائعها، لتقارب أسعار المنتجات المحلية أو أقل من ذلك، في مسعى لإفشال الحملة، لكن القائمين على الحملة يتوقعون مشاركة شعبية أكبر في هذا الوقت، الذي يشهد هجمات غير مسبوقة للاحتلال ضد الفلسطينيين، التي ستسهم في تحقيق النتائج المرجوة.
المواطن الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1967، لديه رغبة كبيرة وعارمة في كسر كل أشكال العلاقة مع الاحتلال بالرغم من حالة الأمر الواقع بوجود الاحتلال ذاته منذ أكثر من خمسين عاما. لكن حالة القلق من التدهور المتوقع في وضعه الاقتصادي والاجتماعي بسبب “العقوبات الإسرائيلية” التي تفرضها سلطات الاحتلال، والضغط بشأن أموال (المقاصة)، وهي الرسوم الجمركية والضرائب لقاء البضائع المتدفقة من الخارج لمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، والتي تبتلع سلطات الاحتلال جزءا كبيرا منها، طالما استمرت السلطة الوطنية الفلسطينية بدفع المستحقات المالية لعائلات الأسرى الفلسطينيين والسجناء المحررين. وهذا القرار الفلسطيني الرسمي بدفع المستحقات المالية لعائلات الأسرى والشهداء، أدى إلى تفاقم ضغوط الاحتلال، وتزايد حجم الأزمة المالية في السلطة الوطنية الفلسطينية، وهو ما دفع باتجاه تعزيز وجهة النظر التي تدعو للانسحاب من الاتفاقيات الموقعة مع دولة الاحتلال.
الجمهور الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1967 وحتى في مناطق 1948 والشتات، بات على قناعة بأن عملية التسوية لم تعد قائمة بل تَغُط في حالة موت سريري منذ سنوات طويلة. ففي استطلاع للرأي جرى في الضفة الغربية، فإن 62% من الجمهور الفلسطيني في الداخل يؤيدون الكفاح الشعبي في مواجهة الاحتلال. بينما 47% يعتقدون بأن الكفاح المسلح هو البديل المطلوب. ويؤيد 33% من الفلسطينيين حل السلطة الوطنية الفلسطينية، بغياب مسيرة سياسية حقيقية وجادة على أساس تسوية “حل الدولتين”. وجاء في نتائج الاستطلاع ذاته أن أغلبية الشارع الفلسطيني بواقع 73% تؤمن بأن الولايات المتحدة ستواصل معاقبة السلطة الوطنية الفلسطينية إذا ما رفضت هذه الخطة الأميركية المعنونة بــ”صفقة القرن”. ومع ذلك ورغم أن المعنى الناشئ هو العنف والعقاب الاقتصادي، فإن 75% يؤيدون موقف السلطة الوطنية الفلسطينية من سياسات ومواقف الولايات المتحدة المنحازة لدولة الاحتلال.
وعليه، يبدو أن السلطة الوطنية الفلسطينية، باتت مقتنعة أكثر من أي وقت مضى، بضرورة تغيير نهجها وأسلوب تعاملها مع دولة الاحتلال، والانتقال إلى حالة من التصعيد السياسي والدبلوماسي والشعبي، ومواجهة سياسات الاحتلال وحكوماته المتعاقبة، والقائمة على المراوغة وكسب الوقت لفرض وقائع تهويدية زاحفة جديدة. كما في الدخول بعملية مواجهة سياسية مع الجانب الأميركي، وهو ما يتم عمليا عندما قررت السلطة الوطنية الفلسطينية قطع الاتصالات مع الإدارة الأميركية، وعدم استقبال ممثليها ومبعوثيها إلى المنطقة، وهو القرار الذي ما زال سريا منذ اكثر من عشرة أشهر، وكذلك الرفض الفلسطيني لمبادرات واشنطن وصفقاتها المنحازة للجانب “الإسرائيلي”.
وعليه، المزاج العام في فلسطين، يصرخ بأعلى الصوت، ويطالب بالتعجيل والإسراع والعمل على تنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمجلس المركزي، وقرار الرئيس محمود عباس بإلغاء كل الاتفاقيات التي أبرمت مع الاحتلال دون مواربة ودون لف أو دوران، وإعلان موت اتفاقية أوسلو وتبعاتها وملحقاتها، وما يتعلق بكل ملفاتها السياسية والأمنية والاقتصادية، والعودة إلى خيارات الشعب الفلسطيني ومطالبه الصريحة والواضحة في التصدي للاحتلال بكافة الوسائل المشروعة والمتاحة في ظل ما يعلن اليوم عن ما يسمى بــ”صفقة القرن” ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية.
وفي هذا فإن الضغط على السلطة الوطنية الفلسطينية، وعلى شخص رئسها يتكرر الآن، في استحضار لمقولة “إسرائيلية” (قديمة/جديدة) عن “فقدان الشريك الفلسطيني”، وهي مقولة سبق وأن تم العزف على وترها أيام الرئيس الراحل ياسر عرفات. وفي مسارات الضغط يتم أيضا الاستمرار “الإسرائيلي” في مشاريع التوسع الاستيطاني التهويدي في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، وصولا إلى قيام الراعي الأميركي بمحاولة سحب آخر ما بقي من أوراق قوة من يد السلطة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني. وتجفيف مواردها المالية، توازيا مع السعي إلى شطب قضية اللاجئين الفلسطينيين ومحاولة تفكيك وكالة الأونروا. وكل تلك المعطيات أوصلت السلطة الوطنية الفلسطينية لرفع الصوت عاليا ضد ممارسات كل من الولايات المتحدة و”إسرائيل” واتخاذها قرارها بتعليق العمل بالاتفاقيات الموقعة. وتهديدها بالانفكاك من “التزامات أوسلو”.

إلى الأعلى