الأربعاء 5 أغسطس 2020 م - ١٥ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : مدونة السلوك الوظيفي للموظفين المدنيين ضرورة وطنية .. ولكن

في العمق : مدونة السلوك الوظيفي للموظفين المدنيين ضرورة وطنية .. ولكن

د. رجب بن علي العويسي

يأتي إصدار مجلس الخدمة المدنية الموقر بالقرار رقم (7/2019) لمدونة قواعد السلوك الوظيفي للموظفين المدنيين في وحدات الجهاز الإداري للدولة، خطوة مهمة وضرورة وطنية لتتواكب مع المتغيرات الحاصلة في منظومة الأداء الإداري، ولقد أشرنا مرارا على أهميتها منذ فترات سابقة، ومن بينها مقالنا المنشور بهذه الجريدة في يناير من عام 2019، نظرا لما يمكن أن تحققه من تحول في مسار الأداء الوظيفي وتعززه من اخلاقيات المهنة، خصوصا إن اقترن تنفيذها بوجود ممكنات تشريعية وتنظيمية وموجهات ضبطية وتقنينية أو موجهات تحفيزية وتمكينية؛ وأشرنا في الوقت نفسه إلى أن قواعد السلوك ينبغي أن تقرأ اليوم في إطارها الوطني كما هو أيضا في إطارها القطاعي والوظيفي، ومعنى ذلك أن تتحول النظرة إلى أهمية وجودها في نطاق الوظيفة العامة والموظف العام إلى سلوك المواطن العماني؛ كونها تستهدف ترسيخ الهوية وتأطيرا منهجيا منظما لكل المبادئ والأخلاقيات والقواعد والنظم التي تحكم سلوك المواطن كإنسان له حقوق وعليه واجبات، وبالتالي كيف له أن يوظف الفرص الحياتية والوطنية والتشريعية التي أوجدها له الشرع وعززتها قوانين الدولة وأنظمتها في بناء سلوك قادر على تحقيق إنسانيته وتعزيز حضوره وترقية ممارساته ليعيش في عالمه بسلام وأمان.
وبالتالي يعد إصدار هذه المدونة خيارا وطنيا ذا أهمية كبيرة في تسليط الضوء على الحقوق الواجبات الوظيفية والقيمة المضافة الناتجة من تجديد مساحات الالتزام بقواعد السلوك الوظيفي على جودة الحياة الوظيفية، بالشكل الذي يعزز من حصول الموظف على استحقاقاته الوظيفية ويؤصل لديه مبادئ وأخلاقيات الوظيفة لتصبح محطة إنتاج له واستراحة يوظف فيها ملكاته الفكرية وابتكاراته، ويطبعها بأخلاقه ويصنع منها أنموذجا يدلل عليه، ويعرف من خلاله، ومع التأكيد على أن البناء السلوك الوظيفي إنما هو نتاج للبناء الفكري والأخلاقي والقيمي الذي يتشربه الفرد في سنواته الأولى ويتأسس لديه منذ نعومة أظفاره من معين الأسرة والمدرسة وبيئة المجتمع، فتقوى عزيمته فيه عندما يصل لمراحل الفعل، ويقف على عتبة الوظيفة والمسؤولية، عندها تصبح العملية السلوكية نتاجا لحراك مجتمعي ونهضة أخلاقية وقناعة صادقة تنبع من ذات الفرد في ظل صحوة ضمير ورقابة نفس وحضور وازع، بما يعنيه ذلك أن مدونة السلوك الوظيفي لا تختص بالموظف فقط وليست حكرا عليه، كما أنها لا تختص بموظف دون آخر أو بمركز وظيفي دون غيره، بل هي قواعد ومبادئ والتزامات أخلاقية عامة تسع الجميع ويشترك فيها الكل ويتفاعل معها المجتمع، لذلك يجب أن تحظى بالاهتمام والمتابعة الوطنية لها عبر نشرها والتعريف بها وتعميمها المستمر ووضعها ضمن قائمة مهام واختصاصات دوائر الموارد البشرية بالمؤسسات، وهو ما أشار إليه الفصل الأول من المدونة “أحكام عامة” في الفقرة رقم (3)، ويصبح التزام هذه المسؤولية واجبا وظيفيا تقوم به هذه الدوائر المختصة بالمؤسسات والتي عليها أن تعمل في الفترة القادمة على تأطير منهجي لها وفق المسار الوطني المحدد في آلية تنفيذ أو تطبيق قواعد هذه المدونة والأحكام السارية عليها، وعبر فهم وقراءة معمقة لها وفق أساليب مهنية تستهدف بناء أخلاقيات الموظف وترقية وجود الأنموذج الوظيفي القدوة بالمؤسسات، وتصحيح المفاهيم والأفكار الخاطئة التي تقرأ قواعد السلوك الوظيفي وكأنها من طرف واحد أو عبارة عن التزامات أكثر من كونها حقوقا وأدوات يمكن من خلالها بناء الحوافز وترقية الدوافع وصناعة الذات الإيجابية التي تحمل في استراتيجية أدائها، مفاهيم الابتكار في الأداء والإبداع الوظيفي والإنتاجية والالتزام وأخلاقيات المهنة والاستمرار الجدي في تحقيق أفضل النتائج وتحقيق الاستدامة للممارسة المجيدة، وعدم الالتفات للرسائل السلبية التي توجه من قبل البعض حول الالتزام وغيره.
من هنا نعتقد بأهمية أن تسلك عملية تأطير المدونة نهجا تسويقيا إعلاميا تنظيميا متكاملا، تبدأ بالإعلاء من شأنها في المؤسسة، وكيفية المنافسة في تنفيذها وما يعنيه وجود هذه المدونة من توقعات قادمة على مستوى الأداء والإدارة والقرار والتنظيم وإدارة العمليات التخطيطية والتقييمية والتعليمية والتشخيصية والتدريبية بالمؤسسات، وكيف يمكن الوصول إلى رجع وطني في طريقة تعامل المؤسسات والقطاعات مع ما ورد في هذه المدونة، ليس فقط فيما يتعلق بحصر السلوك السلبي وحالات التوقيف والمتابعة التي تتم لبعض الموظفين أو القائمين على أمر هذه المؤسسات؛ بل أيضا في الدور الآخر المعقود على المؤسسات في القيام به في تعزيز سلوك الموظف وترقيته ونقله إلى مرحلة متقدمة من الوعي والفهم والإيجابية التي تنعكس إيجابا على عطائه وإنجازه واهتماماته، وما تحظى به مبادراته وأفكاره واهتماماته من أولوية وحضور في فقه المؤسسة والقائمين عليها، والرجع الناتج على التزامه بكل هذه الموجبات، فإن ما ورد في مختلف فصول هذه المدونة، تأكيد على أهمية صناعة التزام وظيفي وأخلاقي وقيمي ومهني لدى الموظف وما يعنيه هذا الالتزام من استحقاقات قادمة يجب أن يحصل عليها الموظف كنتاج لهذا الالتزام وعربون التفاني والإخلاص الذي سلكه، كما ورد في الفصل الثاني “الواجبات العامة” في الفقرة (1) و(4) و(5) وفي الفصل الرابع “واجبات الموظف تجاه مرؤوسيه” وغيرها من الفصول الوارد في المدونة، وبمعنى آخر ما هي النتيجة المتحققة من التزام الموظف بهذه الواجبات وانعكاساتها مستقبلا على مساره الوظيفي وحصول على حوافز تعزز من استمراريته في قوة الممارسة والتزامه منهج العمل الجاد المخلص، إذ التحدي المتوقع هو عندما يتساوى في النتيجة من يلتزم بهذه الموجهات ويعمل بها مع غير الملتزم بها في الترقيات أو الوظائف أو شغل وظائف إدارية أعلى، أو ما قد يحصل عليه الآخر من حوافز وبرامج تدريب. وبالتالي أن تتعدى مسألة الالتزام بقواعد السلوك الوظيفي، فئوية الوظيفة العامة، لتشمل كل العاملين في القطاعات الثلاثة: الحكومي والخاص والأهلي، كما تشمل أيضا المسؤولين من وزراء ومستشارين ووكلاء وزارات ورؤساء مجالس الإدارة ومن في حكمهم، وتشمل العالمين في المستويات الإدارية المختلفة على مستوى ديوان عام الوزارات والهيئات واللجان والمجالس وغيرها، وهي تشمل أيضا العاملين في الميدان والقائمين على المتابعة والإشراف، والقائمين على الممارسة التنفيذية والفئات الوظيفية المساندة لها من سائقين وحراس ومندوبين وغيرهم. ومعنى ذلك أن نطاق عمل هذه المدونة يجب أن يتجاوز فئة معينة أو نطاق وظيفي محدد، فالمسؤولية جماعية مشتركة والالتزام بها واجب على الجميع، ومعنى ذلك أن رؤية التنفيذ يجب أن تبدأ بالتوسع في المتابعة والتشخيص والقراءة ويتعدى ذلك الموظفين في المستويات الإدارية التنفيذية إلى المسؤولين الحكوميين والقائمين على تشريع أنظمة المتابعة ومتخذي القرار وراسمي السياسات.
ومع التأكيد على أن مدونة السلوك الوظيفي بمثابة إطار عمل وطني جامع يضم بين دفتيه قواعد سلوكية محددة وميثاق شرف مكتوب يلتزم به الموظف في أثناء تأديتهم لمهامه الوظيفية؛ إلا أنه بحاجة إلى إجراءات ونظم واضحة في التنفيذ والمتابعة، والمزيد من الضبطية والتقنين وتوفير الموجهات القانونية والمحاسبية والجزاءات التي يتم تنفيذها في حالة الإخلال بقواعد السلوك الوظيفي الواردة في المدونة، وفي الوقت نفسه جملة الحقوق والموجهات التي تساعد الموظف للحصول على حقوقه في حالة عدم تحققها له بالرغم من التزامه المعايير الأخلاقية التي حددتها المدونة أو تم الإشارة إليها في القوانين المنظمة، وذلك عبر الإشارة صراحة أمام كل فقرة للعقوبات والجزاءات أو الحوافز الواردة في هذا الشأن؛ هذا الأمر من شأنه أن يصنع للمدونة حضورا واسعا في فقه الوظيفة وسلوك الموظف واهتمامات المؤسسات، ويضع المدونة أمام مسار التزام واضح واستشعار بقيمتها في جودة حياة المؤسسة، واستشعار الموظف لها في كونها مسلكا دفاعيا ضامنا لحقوقه عندما تتحقق منه شرطية الالتزام، وفرصة لتسويق نفسه بالمؤسسة من خلال إنتاجه المستمر وعطائه النوعي بما يمنحه فرصة أكبر للمنافسة وللحضور المؤسسي، وهو دعوة للمؤسسة إلى التزامها بكل تعهداتها الموظف في كل ما يتعلق بخلق الدافعية فيه، وترقية الحافز الإيجابي، وتعزيز الصلاحيات والتمكين، وإدخاله في مسارات العمل، وتوظيف ما لديه من أفكار وتوجهات إيجابية في خدمة المؤسسة وإشراكه الفعلي، بما يضع المؤسسة أمام مسؤولية البحث في مسارات عمل واضحة لكل الدوائر والموظفين العاملين بها منعا من حدوث حالات الإقصاء أو التهميش أو غيرها من الممارسات التي تتعارض مع أهداف مدونة قواعد السلوك الوظيفي التي أكدت عليها في الفصل الأول “أحكام عامة” في الفقرات (1، 2،3،4)، وما ورد في الفصل الثاني “الواجبات العامة” الفقرة (2) الحيادية والإنصاف، والفصل الثالث “واجبات الموظف تجاه مسؤولية” في الفقرة (2،4) وفي الفصل الرابع “واجبات الموظف تجاه مرؤوسيه” في الفقرة (1)، وفي الفصل الخامس “واجبات الموظف تجاه زملائه في العمل” وفي الفصل السادس “واجبات الموظف تجاه المواجعين”، وهي التزامات وظيفية ترتب عليه المزيد من الالتزام وحس التعامل وعظم المسؤولية والإخلاص، وأن يكون جزءا من منظومة العمل، فالواجبات تمنحه حضورا أقوى وممارسة حكيمة وسلوكا صائبا وهو ما لا يتحقق إلا عبر شعوره بأنه جزء من منظومة العمل المؤسسي.
كما أن بناء مدونة قواعد السلوك يستدعي تأطير مفاهيمها في ثقافة المجتمع وسلوك المواطن نفسه بحيث تصبح مائدة قيمية وأخلاقية له يحتاجها في كل تصرفاته وممارساته، كونه يعيش في مجتمع لديه قواعد وأصول ثقافية وحضارية وقيمية تستند إلى قواعد الدين ومبادئ الشرع وفضائل الأخلاق ومحاسن التصرفات، لذلك كانت المسألة بحاجة إلى أن تتعمق في بيئات التعليم وتدرس في المناهج الدراسية ليتعرف عليها الناشئة وتستمر معهم قواعد أخلاقية ومبادئ راقية تسلتهم من معين الهوية العمانية والثقافة الأصيلة موردا لها في قدرتها على التعاطي الواعي مع كل المتغيرات القادمة التي تتعايش مع الفرد بين فترة وأخرى، ويحتاج في طريقة التعامل معها إلى الرجوع إلى الموجهات والدعائم التي تساعده على اختيار أدوات التصحيح وآلية التعامل وبدائل العمل في مختلف المواقف الحياتية، لذلك كان من الأهمية تبني استراتيجيات أداء لاستدامتها وإقرارها في السلوك التعليمي، ثم مراقبة حضورها في فقه المواطن كعامل وموظف ومسؤول ورئيس مجلس إدارة ووزير وغيره، يصنع منها محطات إنتاج قادمة تظهر في أخلاقياته ومبادئه وقناعاته، وفي تقديرنا الشخصي بأنه لو كان تركيزنا منذ فترة على ترقية النماذج الحسنة وصناعة القدوات بالمؤسسات وتعزيز حضور النماذج الإيجابية في مشهد القرار المؤسسي وفي الوظائف العليا وغيرها لما ظهرت هذه التجاوزات الوظيفية، أو التحايل على القوانين والأنظمة والتشريعات والمبادئ التي أقرتها الدولة وقامت عليها النهضة وجاء الخطاب السامي لجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ على التأكيد على أهمية أن يسلك موظفو الدولة والقائمون على شؤون المواطنين وإدارة المؤسسات، مسلك القوة والنزاهة واحترام المسؤوليات والحيادية والإنصاف والموضوعية، ولما وجدنا أي مدخل لتضارب المصالح أو تجاوز المسؤوليات أو الالتفاف حول القانون، ولعل ما أشارت إليه إحصائيات جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة من أن عدد قضايا الاختلاس والرشوة والتزوير في الفترة بين الأعوام 2012 إلى 2019 بلغت 269 قضية، وما أشار إليه تقرير محكمة القضاء الإداري في الحوار الذي أجرته جريدة عمان في يونيو من عام 2019 مع فضيلة قاضي المحكمة، من أن عدد الدعاوى والطعون التي قيدت خلال العام القضائي (التاسع عشر) 2018/‏‏‏2019م قد بلغت (3104) قضية، وأن أبرز القضايا التي نظرتها المحكمة، كانت حول دعاوى المشروعيــــــــــة (مراجعة القــــــرارات الإدارية) ســــــواء منها ما يتعلق بالشأن الوظيفي للموظفين العموميين بوحدات الجهاز الإداري للدولة، أو القرارات المتعلقة بذوي الشأن التي تنشئ مركزا قانونيا أو تلغيه أو تعدله والتي تصدر في شكل قرار من مختلف الوزارات الخدمية كالإسكان والبلديات الإقليمية وموارد المياه والتربية والتعليم، والتعليم العالي، والصحة وسائر الوزارات والهيئات العامة فيما عدا ما استثني منها بنص القانون؛ فإن ما تعكسه هذه الإحصائيات من مؤشرات يستدعي المزيد من الفهم المتحقق والوعي التام بالسلوك الوظيفي وإعادة إنتاجه في فقه المؤسسات بما يعزز من مساحة الثقة بين الموظف والمؤسسة، ويقلل من حالة التباعد والازدواجية في القرار الإداري، والتجاوزات الوظيفية التي أوجدتها بعض القرارات الإدارية المرتجلة أو حالة الإقصاء والتهميش التي تعانيها بعض الدوائر والوظائف بالمؤسسات.
وأخيرا فمع الاعتراف بأن مدونة السلوك الوظيفي منظومة قواعد سلوكية جامعة لجملة من القواعد المعيارية والقيمة، والأنماط السلوكية والممارسات التي يجب الالتزام بها واتباعها من قبل الموظف في سبيل أداء عمله على أحسن وجوه، والوفاء بالتزاماته المنوطة به، فإن وجودها في هذه المرحلة الوطنية، خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح ومسار تشريعي داعم لكل التوجهات المعززة للضبط الإداري واحترام المسؤوليات ولكنها في الوقت نفسه بحاجة إلى مزيد من الدعم عبر توفير المعطيات والموجهات الضبطية والتشريعية والإجراءات القانونية التي تحمي هذه المبادئ والقواعد وتحافظ عليها وتعمل على الاستثمار الأمثل فيها بما يحقق مصلحة جميع الأطراف، ويرفع من سقف التوقعات الإنتاجية، ويعزز من احترام الموظف، ويؤصل فيه قيم المحافظة على السلوك الوظيفي في نقائه وصفائه؛ فإن من شأن وضوح فلسفة العمل ومسارها والمنهجية التي تعتمد عليها وأنظمة التقييم والرصد والتشخيص وآليات المتابعة وأساليب التصحيح وطريقة رصد السلوك وغيرها والجهة المخولة بالمؤسسة، ثم مدى وجود إطار مؤسسي يعمل على إدارة هذه القضايا وحلحلة هذه التجاوزات والتصادمات، بما يعزز من إدارة المشاعر، ويؤصل لفهم تقدير الظروف، والوقوف على السلوك وإعادة إنتاجه وتوفير الممكنات الداعمة له؛ وقدرتها على رسم ملامح التحول في السلوك الوظيفي وقواعد المواطنة الوظيفية والسلوك التنظيمي وقضايا الولاء والانتماء الوظيفي وغيرها؛ أن يصنع التزاما يمشي على الأرض، ويبني أرضية عمل يتعارف عليها الجميع، ويقدم فرصا أكبر للمنافسة ويعزز من فرص البحث عن صناعة نماذج وقدوات مؤسسية، لذلك ينبغي أن تتجه المدونة إلى تعزيز بدائل الحل وتوفير نماذج التطبيق والتنوع في الخيارات التي تتيح للموظف المزيد من بذل الجهد وتقديم أفضل الممارسات، وإعطاء هذه المدونة الصبغة القانونية كمنصة للتأثير والاحتواء الذي يمكن ان تحققه في هندسة السلوك الوظيفي، لذلك تأتي أهمية توفير الممكنات القانونية والضبطية والتشريعية والجزائية أو الممكنات الأخرى الداعمة لمنطق الحوافز الإيجابية والتمكين والصلاحيات وتوظيف الفرص بشكل يصنع فارقا في أداء الموظف، فإن البحث في معادلة التوازن في السلوك الوظيفي مرهون بتحقق معادلة “كل حق بقابله واجب”، و”أن العلاقة بين المؤسسة والموظف ليست علاقة وقتية مبنية على تحقيق فعل أو سلوك أو القيام بعمل بقدر ما هي علاقة متجذرة تقوم على استشعار الجميع لمسؤولياته نحو الآخر”، وبالتالي كيف يمكن أن نصنع من وجود هذه المدونة تحولا نوعيا في مسيرة الإنجاز الوطني، واستراتيجية عمل متقدمة تبرز مساحات التناغم والتكامل بين الموظف والمؤسسة مع القوانين والتشريعات التي تعمل على تحقيقها، وهو ما نعتقد أن على منظومة مجلس الخدمة المدنية لموظفي الجهاز الإداري للدولة أن تعمل على تحقيقه في ظل التحديات التي باتت تطرح في الواقع المؤسسي مسائل الترهل الوظيفي وتدني الإنتاجية والمنافسة وفارق الأداء والدوام المرن ومفاهيم الضبطية والمحاسبية والمساءلة لتتربع قواعد السلوك الوظيفي على عرش منظومة الأداء وتتفاعل مع موجهات العمل لصناعة تحول استراتيجي في الأداء يظهر في كفاءة استخدام الموارد واستثمار فعلي للمنتج المتحقق منه… فهل ستظهر في قادم الوقت موجهات للعمل بهذه المدونة، ونصائح لآلية التعامل معها؛ أم تترك مسألة التنفيذ للاجتهاد والاختيار، وهل سترصد في واقع المؤسسات قضايا جديدة تتعلق بالسلوك تضاف إلى القضايا والمرافعات الأخرى بالقضاء الإداري؟ أم ستبرز على السطح أدوات جديدة للمعالجة ومسارات لإعادة إنتاج السلوك وصناعة القدوات؟ هذا ما نتوقع بأن المستقبل سيكشف عنه.

إلى الأعلى