الأربعاء 12 أغسطس 2020 م - ٢٢ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أوراق الخريف : الفساد آفة عالمية ومجتمعية تستنزف الطاقات

أوراق الخريف : الفساد آفة عالمية ومجتمعية تستنزف الطاقات

احمد باتميرة

النجاح هو عمل إنساني فرديا كان أو جماعيا، والفساد كذلك، وعلى الرغم من الضرر الفادح الذي يلحقه الفساد وما يسببه من تبديد وهدر لمقدراتنا التنموية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن الفساد المتصل بالمال العام يتطلب التحرك العاجل لوقفه ومحاربته، لأنه أصبح ثعبانا بعدة ألوان، ومعظم الدول تعاني منه، وكثيرا ما نسمع ونقرأ عن هذه الأمور تحدث هنا وهناك.
وما زلت أتذكر افتتاح مجلس عُمان في دورته السادسة تحت الرعاية السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ عام 2015 في حصن الشموخ، والآية الكريمة التي استهل به الافتتاح: “ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها”. والتي كانت رسالة واضحة للمحافظة على مكتسبات الوطن وثرواته. فكانت الرسالة واضحة للعيان في داخل الوطن وخارجه “لا تفسدوا”.
والفساد أنواع، مالي وإداري، وهو يستشري ويتفاقم بشكل مخيف وفي كل المجالات، وقد أصبحت الرشوة والمحسوبيات (الواساطات) والمجاملات بكل صورها وخدمة المصالح الخاصة، هي الطريق السريع لإنجاز المعاملات والربح السريع. ولا شك أنها ممارسات ينبغي القضاء عليها ومحاربتها بكل الطرق والوسائل الممكنة، بما في ذلك أيضا الوازع الديني العميق والمتأصل في نفوس الجميع.
فالمفسدون في الأرض وأيضا المقصرون في مهام أعمالهم وغير الملتزمين بمسؤولياتهم وواجباتهم وغيرهم، والذين تنطبق عليهم الصفات الرديئة هم في كل الحالات يرتكبون جرائم في حق بلدانهم، ويجب معاقبتهم بأشد العقوبات.
لذا على الحكومات أن تتخذ الإجراءات الحازمة بحق الفساد والفاسدين واجتثاثهم من المؤسسات الحكومية وغيرها، والقضاء على مختلف أسباب الفساد، وكل شيء له علاقة به من بعيد أو قريب، ومضاعفة العقوبة لأن الفساد يشكل ضربة للمجتمع وإصلاحه صلاح للمجتمع، فعلينا تصحيح المسار، من خلال محاربة الفساد عبر مجموعة من السياسات الفاعلة لوقف هذا الأخطبوط الهدام. ونحن في دولة القانون والمؤسسات ليس لدينا ما نتستر عليه، وأبواب محاكمنا مشرعة ومفتوحة للجميع وحق التقاضي متاح كذلك، وكل متهم عليه مواجهة القضاء. والمتهم بريء حتى تثبت إدانته، وليس هناك اتهامات دون أدلة وبراهين، وقانون الجزاء العماني واضح وشامل بكل التفاصيل، فعلينا عدم الاستعجال في إطلاق التهم وتشويه صورة المتهمين قبل صدور الحكم النهائي.
نختلف أو نتفق مع ما يدور في التواصل الاجتماعي، إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أن ما يتم فعله يعتبر جريمة يحاسب عليها القانون، ومعاقبة كل فرد مشارك فيها بشكل آو بآخر بحكم القانون والعدالة.
أي قضية شأنها شأن أي قضية تحدث عندنا أو في دول أخرى، إلا أن القضاء عليها يتم من خلال تطبيق العدالة، فمن أساء استعمال السلطة الممنوحة إليه، وتمادى في الفساد والتلاعب بالمال العام وتعظيم المصلحة الشخصية، نتيجة ضعف الرقابة وغياب العقاب فعليه أن يحاكم وفق المبادئ والقيم التي تتطبق في هذا الإطار وفقا للقانون ودون هوادة.
والفساد لا يعني اختلاس مال عام فقط أو غشا أو تلاعبا بالبناء أو الطرقات أو بيع بضاعة فاسدة أو.. أو..، بل هو موجود في القطاع الحكومي والخاص وفي مؤسسات المجتمع المدني وغيرها، وأحيانا في التعيينات القيادية الإدارية خصوصا عندما يتم ذلك، بناء على العلاقات الشخصية والعائلية بعيدا عن المعايير العلمية والأكاديمية المستحقة والأداء الوظيفي، وعندما يحظى الأقرباء والأصدقاء بالتوظيف والترقيات ويتم تهميش المواطن الكفء والأفضل، وعندما يستحق البعض علاوات وبدلات ومكافآت ومميزات ويُحرم منها آخرون، وعندما يمنح البعض مسميات لا تسمح بها قدراتهم وخبراتهم نتيجة نقص الخبرة أو الكفاءة أو الدرجات العلمية وغيرها الكثير، فإن ذلك كله يعد صورا من الفساد الذي ينبغي التصدي له.
وفي المقابل فإن السمعة الطيبة لكل موظف حكومي أو في القطاع الخاص، هي ثروة أخلاقية ووطنية لا تقدّر بثمن، وهي أهم من ثراء الفاسد وأمثاله، والوطن يملك الكثير والكثير من الشباب الخلوق النظيف في عمله ولا يقبل المساس بنقاء وظيفته ولا يسمح أن يعبث بالمال العام أو تقبل رشوة، أو محاباة فرد على فرد في المعاملات، وسيبقى الوطن ناصع البياض كما أراد له قائد وباني هذه النهضة الرائدة والمنجزات العظيمة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ أيده الله.
والإدارة الناجحة تحتاج إلى تطبيق العدالة والقانون في كل شيء، كما أن تطبيق مبدأ الثواب والعقاب، مهم جدا، وكذلك مراقبة الدوائر وأعمالها والخدمات التي تقدمها وهي ضرورة حتمية لمعرفة أماكن القوة والضعف والتلاعب وثغرات الفساد، وهي أمور ضرورية لتوفير الحياة الكريمة للمواطن والمقيم على هذه الأرض الطيبة. لذا علينا عدم التواني في معاقبة ومحاسبة كل من تثبت إدانته في التعدي على المال العام واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، ومن له تظلمات من أي قرار فعليه اللجوء إلى القانون والسير في الخطوات التي تثبت حقه وبراءته في النهاية ..
فالفساد آفة عالمية ومجتمعية تستنزف الطاقات بكل أشكالها، وتوسع دائرة الفقر في أي بلد، وتواجه كل الدول بلا استثناء، ويشكل خطرا على المجتمع وأمنه، وكتاب (الأمم المتحدة: تاريخ الفساد)، فيه الكثير من الفضائح والقضايا، ومؤشر مدركات الفساد لعام 2018 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية أشار إلى أن السلطنة من الدول المتقدمة في محاربة الفساد بكل أنواعه وحصلت على المركز الثالث على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كأقل الدول فسادا ومحاربة لهذه الآفة، لتبقى عمان بلد الأمن والأمان والقانون ودولة مؤسسات رائدة في هذا المجال، ولله الحمد.

batamira@hotmail.com

إلى الأعلى