الأربعاء 23 أغسطس 2017 م - ٣٠ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. سوريا والعراق: جيش إرهابي بري وجوي قادم

شراع .. سوريا والعراق: جيش إرهابي بري وجوي قادم

خميس التوبي

لا نزال نعيد التأكيد أن بعثرة المنطقة وإعادة تركيبها هما لصالح كيان الاحتلال الصهيوني وتأمين بقائه ليكون رأس الحربة في استمرار واستدرار المصالح الغربية عبر بوابة التدخلات في الشؤون الداخلية لدول المنطقة وإدارة الصراع العربي ـ الصهيوني من خلال تواصل صناعة الأوهام والأحلام. وأثناء تفجر مؤامرة ما سمي بـ “الربيع العربي” كانت كل الوثائق والتقارير المسربة تؤكد أن وراء مخطط بعثرة المنطقة متطرفين صهاينة من أمثال برنار هنري ليفي وبرنارد لويس. وما عجَّل من تبلور المخطط هو الإثباتات التي قدمها كيان الاحتلال الصهيوني لنظرية “أوهن من بيت العنكبوت” التي أطلقها حسن نصر الله الأمين لعام لحزب الله في وصفه للكيان الصهيوني وسط الإشادة بانتصارات المقاومة، حيث كان الإثبات الأول الذي أعطاه كيان الاحتلال الصهيوني في العام 2000 بهزيمته في جنوب لبنان وخروجه منكسرًا ذليلًا على يد المقاومة اللبنانية، ليردفه بالإثبات الثاني في صيف العام 2006 بتلقيه الهزيمة النكراء وتمريغ صورة “الجيش الذي لا يقهر”، ثم قدم إثباتًا آخر في نهاية 2008 وبداية 2009 في عدوانه على قطاع غزة رغم القوة الغاشمة والدعم غير المحدود من الرصاصة إلى “أُم القنابل”، محولًا بذلك النظرية إلى حقيقة ثابتة.
إذًا، لم يكن إدخال المنطقة في أتون الفتنة الكبرى “الطائفية والمذهبية” والمسماة أميركيًّا “الفوضى الخلاقة” وإنتاج جيوش بالوكالة في صورة تنظيمات إرهابية ورعايتها ودعمها بما يلزم سوى مرتكز لهذه الفتنة الكبرى (الفوضى الحلاقة)، في استعاضة واضحة للحروب العسكرية المباشرة بعدما ثبت فشلها في تحقيق الانتصارات والأهداف الناجزة. ولذلك لا غرو أن نشاهد العلاقة العضوية تتبدى مظاهرها على مسرح (الفوضى الحلاقة) بين التنظيمات الإرهابية وبين الاحتلال الصهيوني وحلفائه وعملائه، حيث واقع هذه التنظيمات الإرهابية وحقيقة هذه العلاقة العضوية يشيران إلى الدور المسند إلى هذه التنظيمات بتمزيق دول المنطقة وخاصة تلك التي يرى فيها الصهاينة خطرًا يهدد “كيانهم العنكبوتي” وتشكيل حوائط إرهابية تتولى حماية حدود الكيان الصهيوني واستنزاف القوى المقاومة وإنهاكها، حيث يبرز هذا الدور بصورة لا تقبل الشك في سوريا والعراق ولبنان وليبيا وتونس ومصر، ويتأكد هذا الدور من خلال:
أولًا: تقديم ما يسمى تنظيم “داعش” على أنه الدهماء التي تتهدد ليس المنطقة فحسب، وإنما العالم بأسره، وتبرير تشكيل تحالف يضم أكثر أربعين دولة لمحاربته، أثبتت الضربات الجوية التي يشنها التحالف ضد هذا التنظيم الإرهابي أن لها هدفين؛ الأول: رسم المسارات التي يجب أن تسلكها جحافل التنظيم الإرهابي. والثاني: تمكين التنظيم من المدن والمحافظات المستهدفة؛ بدليل سيطرة ما يسمى “داعش” على محافظة الأنبار بالعراق، وتمكن التنظيم من إحكام سيطرته على المدن الخاضعة له على النحو المشاهد في الموصل وفي صلاح الدين والأنبار بالعراق، ومحافظات الرقة ودير الزور وإدلب ومدينة عين العرب بسوريا، بل إن التنظيم الإرهابي بات يحاصر العاصمة العراقية بغداد من ثلاثة اتجاهات رغم نفي الحكومة العراقية تهديد “داعش” لبغداد واقترابه منها. ويأتي ذلك في الوقت الذي يستمر فيه دعم التنظيم بالمال وبالسلاح وبيع النفط العراقي والسوري المسروق لصالحه بدليل بقاء مصافٍ عراقية تحت سيطرة التنظيم، وتولي تركيا ـ أردوغان بيع النفط المنهوب لكيان الاحتلال الصهيوني، وبالتالي جني الأطراف الناهبة والداعمة من هذا السطو أموالًا كبيرة، بينما يتم تدمير مصافي النفط وآباره في سوريا بحجة قطع التمويل الذي يحصل عليه “داعش” من النفط السوري المسروق، فأي عقل يقبل هذه المفارقة؟
ثانيًا: تقديم بقية التنظيمات الإرهابية الأخرى في مقابل “داعش” على أنها “معارضة معتدلة” في سوريا، لتبرير دعمها. ولما كان الصانع للإرهاب والداعم له هو أيضًا من يتولى عملية التصنيف والفرز لمجاميع الإرهاب، فلا غرابة أن يُصْدَمَ العقل بتصنيف الإرهاب إلى “متطرف” و”معتدل”.. ووفقًا لهذا المزاج، على العقل أن يقبل قسرًا أن ما يسمى “جبهة النصرة” الإرهابية هي جبهة “معتدلة” وأنها رأس الحربة للمعارضة “المعتدلة”، وعليه أن يقبل أن علاقتها العضوية بكيان الاحتلال الصهيوني، وتوليها حماية حدوده واستنزاف المقاومة اللبنانية، وضرب الاستقرار في لبنان بإثارة الفتنة بين مكونات المجتمع اللبناني من ناحية وبين الجيش اللبناني والمقاومة من ناحية ثانية، وأن كل ذلك يسير تحت مظلة دعم “المعارضة المعتدلة”، وعلى الرافضين لهذه العلاقة وهذا الدعم أن يبلوا القرارين الأمميين 2170 و2178 ويشربوا ماءهما واللذين يصنفان ما يسمى “داعش والنصرة” تنظيمين إرهابيين وينصان على محاربتهما وقطع التمويل عنهما.
لقد قلت في مقالات سابقة إن القرارين الأمميين (2170 و2178) هما لإضفاء الشرعية على التدخل العسكري المباشر والتدخل في شؤون دول المنطقة، ولإضفاء الشرعية على التنظيمات الإرهابية (الجيوش بالوكالة) وتبرير الدعم لها، وما تصدير خطر “داعش” إلى واجهة الأحداث إلا العنوان العريض للتدخل والنفاذ إلى المنطقة، وما يجري تحته هو تفاصيل مراحل التنفيذ التي ستتطلب كل مرحلة ـ كما قلت سابقًا ـ تحركًا قانونيًّا أو سياسيًّا أو عسكريًّا يتناسب معها لتحقيقها. ولذلك يبدو أننا اليوم أمام مرحلة جديدة بإعلان الولايات المتحدة عزمها تدريب “الإرهابيين” الذين تسميهم بـ”المعتدلين” على الطيران الحربي واعتباره أحد التحركات التي تتطلبها المرحلة خصوصًا بعد الرفض العراقي القاطع لأي قوات برية أجنبية أو عربية ورفضها المشاركة العربية في الضربات الجوية، وكذلك التهديد الإيراني والتحذير الروسي ـ السوري من انتهاك السيادة السورية بقوات برية أو ضرب مواقع الجيش العربي السوري، في الوقت الذي يقال إن ضباطًا عراقيين سابقين في الجيش العراقي المنحل يقومون بتدريب عناصر “داعش” على طائرات حربية استولوا عليها في مطار الطبقة بمحافظة الرقة. وفي تقديري أن هذا هو إحدى نتائج اللقاءات التركية ـ الأميركية العسكرية والسياسية، وترجمة للإصرار التركي على الإطاحة بالحكومة السورية أولًا ثم “داعش”، وإقامة مناطق آمنة، بجانب إصرار أنقرة على توليها تدريب مجامع إرهابية تحت كذبة “المعارضة المعتدلة” والتي تم تسويقها على أنها شروط تركية للقبول بالمشاركة في التحالف؛ أي أننا أمام مرحلة يتم فيها إنتاج جيش إرهابي بري وجوي وتقديمه على أنه “معارضة معتدلة” لإقامة مناطق حظر طيران واستهداف مواقع الجيش العربي السوري والمواقع الرسمية السورية ولمواجهة التحذيرات الإيرانية والروسية والسورية، ولتدارك أي تداعيات مباشرة بين دول التحالف والمحور المستهدف. ومن غير المستبعد أن يسير التدريب التركي للإرهابيين بشقيه البري والجوي، وربما هذا أحد الأسباب لرفض أنقرة إعطاء تحالف الولايات المتحدة قاعدة إنجرليك لاستخدامها في عملياته.
على أن الأهم في هذه الفتنة الكبرى (الفوضى الحلاقة) هو إنجاز المشروع الصهيوني الأخطر الجارية أحداثه الآن ضد المسجد الأقصى إما بتقسيمه زمنيًّا ومكانيًّا، وإما بمواصلة هدم أساساته؛ والاستيلاء على مدينة القدس وتهويدها بشكل كامل، حيث يجري إشغال جميع العرب والمسلمين بالفتنة المذهبية والطائفية الكبرى وتعظيم أوراها بدخول الإرهابيين المتحالفين مع الصهاينة وحلفائهم وعملائهم على خط إشعال الحرائق جويًّا وبريًّا ليتمكن الصهاينة من إنجاز مشروعهم التصفوي للقضية الفلسطينية. ويبدو أن هناك استعجالًا صهيونيًّا نحو ذلك ومسابقة الزمن لقطع الطريق على أي اعترافات أوروبية بالدولة الفلسطينية، مدفوعين في ذلك بالمساهمة المباشرة من قبل المحسوبين على العروبة والإسلام والمتاجرين بالقضية الفلسطينية.

إلى الأعلى