السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رسالة إلى ضمير الكٌتاب العرب

رسالة إلى ضمير الكٌتاب العرب

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. إننا مطالبون ككتاب عرب – كون هذا الطرح موجها إليهم على وجه التحديد – وعلى أساس أنهم جزء لا يتجزأ من قوة الأمة الإسلامية والوطن العربي، وفي هذه المرحلة العصيبة والحرجة التي نمر بها، وعالمنا العربي الغالي على وجه الخصوص، بالتوحد وتوجيه خلافاتنا بجميع أشكالها وأنواعها وألوانها الى أعدائنا، وأكثر من أي وقت مضى،”
ـــــــــــــــــــــــــ
كم هي لحظات مؤلمة، تلك التي نشاهد فيها أقلام بعض بني جلدتنا، وهي تتوجه عن قصد أو عن غير قصد، بالنقد الهدام والسعي لتشويه صورة العالم العربي في أعين أعدائه والحاقدين عليه، والشامتين في الحال الذي آل إليه، في وقت كان يفترض فيه أن تسعى تلك الأقلام، إلى وضعه في المكانة الحقيقية التي يفترض أن يكون عليها، (انظر مقالنا – بلاد العرب أوطاني)، وكأن العالم العربي هو نتوء سرطاني شاذ في جسد الأمة الإسلامية لا بد من التخلص منه، بالرغم من أن الحقيقة عكس ذلك.
فكلنا يدرك مكانته السماوية ومنزلته العالمية الجغرافية، وقيمته الحضارية والإنسانية بالنسبة لهذه الأمة ككل، وان كان البعض منا قد عانى من مرارة الوضع العربي الراهن، بسبب العديد من الظروف المحيطة التي شكلت صورته السوداء الحالية، فذلك لا يعني أن تتحول أقلامنا إلى خناجر مسمومة في خاصرة جسدنا العربي، وهي حقيقة نشهدها كثيرا هذه السنوات من خلال مقالات وكتابات بعض الكتاب والصحفيين العرب على صفحات المجلات والصحف والدوريات، أو من خلال شاشات التلفاز ومحطات الإذاعة، بحيث تكفلت أقلام بعض بني ديننا وعروبتنا بدور أعدائه، وذلك من خلال شن حملات الإساءة والتشويه والتحريف والتقسيم والتجزئة.
وللأسف الشديد – فإن ذلك كان من أبرز الأسباب التي رسمت صورة الرجعية والتخلف الحضاري والضعف العربي الثقافي، والذي بدوره امتد إلى المحيط السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فكيف نلوم الغرب وكتابه ومثقفيه إن هم اعتدوا على ديننا الإسلامي وثقافتنا الإسلامية والعربية ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بما يخرج من أفواههم العفنة من كلمات النقد والقذف والتجريح والتشويه لكل لتلك المقدسات !؟، ما دام كتابنا وأدباؤنا ومثقفونا ومن كان يفترض بهم أن يقفوا للدفاع والذود عن كل ذلك، هم من سهل ذلك التشويه والنقد والابتزاز والاستهزاء، وذلك من خلال تمييع الصورة الحقيقية للإنسان العربي ودوره القيادي في العالم الإسلامي، ومحاولات الفصل الدائم ما بين خارطة العالم الإسلامي والعالم العربي، وإطفاء شمعة الأمل في وجه اليقظة الإسلامية والعربية في المستقبل.
نعم … مخطئ كثيرا من يتصور أن جراح العالم الإسلامي والعربي يتسع فتقها بأسباب خارجية فقط، ومخطئ أكثر من يعتقد أننا مهددون بالغزو الثقافي الغربي أكثر من خطر الخطاب الطائفي والتفتيتي الداخلي، الكامن في ضعف إرادتنا السياسية، أو تضعضع وترهل إيماننا بقدرتنا على التغيير وصنع الواقع بقوة، متناسين أن هناك من بين أبناء جلدتنا في الداخل من هم اشد فتكا وخطرا على ديننا وثقافتنا وعروبتنا من أعدائنا الخارجيين، وعلى رأسهم أولئك الذين يدعون الدفاع عن الحرية والديمقراطية ومحاربة الديكتاتوريات العربية من خلال تشويه صورة العالم العربي في أعين الغرب، وذلك بتقزيم دوره الحضاري ومكانته العالمية، فإلى الذين يجلسون إلى مكاتبهم ينتقون كلمات النقد والتشويه والتمييع والإساءة إلى كل ما هو عربي، إلى ضمير هؤلاء أتوجه بهذه الرسالة، قائلا لهم، بأن هذه الأمة ستنتصر من خلال هذا الجزء من العالم – ونقصد العالم العربي – ومهما وصل الأمر بنا في العراق وسوريا وفلسطين ولبنان وغيرها من دولنا العربية، فإن الغد يبشر – إن شاء الله – بصحوة تحطم كل ما تحاولون تحريفه وتشويهه في هذا الجزء من العالم.
صحيح أن هناك أوضاعا متردية، ولكن ذلك يستدعي التوازن والضمير في النقد، فلا فرق فيما يعانيه الأديب في عالمنا الإسلامي، والذي يفترض من باب إسلامه وحبه لهذا الدين العظيم، أن يدفعه ذلك الإخلاص إلى الخوف على هذه الأمة العظيمة، والحرص على سلامتها والذود عن حماها ومكانتها بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، بالرغم من كل المعاناة والظروف الصعبة التي يمر بها، وخصوصا حين يحاول مد يديه لانتشال ما تبقى من شتات ذلك الجسد المقسم، والذي بات هذه السنوات يعاني مختلف أنواع أمراض العصر، بداية من الاحتلال الأجنبي العسكري والسياسي والثقافي والاقتصادي المقيت، ومرورا بالنزاعات الطائفية والمذهبية والقومية والأيديولوجية، وليس انتهاء بما يمكن أن نطلق عليه بالفصام النكد ما بين الحاكم والرعية، والجراح الذي وضعته الأقدر في مواجهة مع نفسه، وذلك من خلال مروره بتجربة استئصال ورم خبيث مميت من جسد عزيز عليه، فهو بذلك أمام صراع نفسي لا حدود له بين مخاوفه وعواطفه من فقدانه، وضرورات فصل كل تلك المشاعر من خلال موقعه كطبيب جراح.
وبالتالي فإن ولاءه وانتماءه لهذه الأمة ككل، سيلزمه الحرص والإخلاص لهذا الجزء من العالم الإسلامي – ونقصد – العالم العربي، بالرغم من مشاعر الاستياء والامتعاض التي نشاهدها على وجوه الكثيرين، من الحال المزري الذي تمر به الأمة الإسلامية بوجه عام، والعالم العربي بوجه خاص، وليس ذلك إلا لكون هذا الجزء من كيان الأمة الإسلامية كان وما زال وسيظل” مهد الإسلام ومشرق نوره ومعقل الإنسانية، وموضع القيادة العالمية … فكان هذا العالم بعد البعثة المحمدية سفير الإسلام، ورسول الأمن والسلام، ورائد العلم والحكمة، ومشعل الثقافة والحضارة”، وهذه هي الرسالة التي كان يفترض أن يحملها العالم العربي على عاتقه إلى كل أنحاء العالم، ومن هذا المنطلق كان الحرص على استقراره وأمنه وسلامته من أهم الواجبات الدينية والشرعية والأممية التي يفترض أن يتكاتف جميع أبناء هذه الأمة على تحقيقها، وخصوصا الطبقة المتعلمة منهم كالعلماء والأدباء والشعراء والمثقفين.
وهنا يأتي الدور الذي يجب أن يلعبه الأديب والكاتب والمثقف في عالمنا الإسلامي بوجه عام والعربي على وجه الخصوص، ونقصد دور المرأة الحضارية التي ينظر من خلالها العالم إلى قضايا أمته ووطنه، ولن يكون ذلك متاحا بالطبع سوى إن استطاع أن يفصل ما بين صوت العقل وصوت العاطفة، بحيث يفترض به أن يقف بحزم وقوة أمام إشكالية معاناته النفسية والمهنية والإنسانية، وذلك من خلال محاولاته تضميد جراح وطنه، واستئصال أورامه الخبيثة التي يشاهدها تأكل ثرواته ومقدراته وخيراته، ولكنه يدرك تمام الإدراك، من انه بالرغم من حقيقة أن الوضع الراهن الذي تعيشه هذه الأمة بجميع امتداداتها الجغرافية، وعلى رأسها هذا العالم العربي الغالي، والذي كان وسيظل قلب العالم الإسلامي النابض، ووطن أمم لعبت أكبر دور في التاريخ الإنساني، يمر بمفترق طرق هو الأصعب والأخطر منذ عقود طويلة خلت، إلا انه مطالب في نفس الوقت، ببعث روح الأمل في ذلك الجسد، وبث دماء الحياة والنضال والكفاح والتجديد بشرايينه، فلا يجره حنقه على الأوضاع العربية الراهنة، وكراهيته لأشكال التجزئة والظلم والمعاناة التي يعيشها، إلى الانسياق وراء تيارات التقزيم والتقسيم والتجزئة والتشويه، لأنه جزء مهم من منظومة الدفاع عن هذا الجسد وتخفيف معاناته وجراحه وأورامه الخبيثة.
وإذا كنا هنا نتحدث عن نظرة مهنية وطنية بحتة، يفترض أن يتحلى بها كل الاختصاصيين والمهنيين كل في مجال عمله للتصدي والوقوف أمام مختلف الطفيليات التي تقتات على الفوضى والخلافات والتقزم الحضاري، وذلك في محاولة لتهميش دور الوطن العربي العزيز على وجه الخصوص من جهة، فمن جهة أخرى يفترض أن نقف جميعا – نحن أبناء هذا الوطن العربي ـ كل بقدر استطاعته للعمل على تحقيق الغاية السامية التي أوكلها الله لهذا الجزء من العالم، وهي توحيد العالم الإسلامي في أمة واحدة، لا فرق فيها بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى، كما كانت على عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم، يجمعهم الإسلام وكلمة الحق، ويوجههم الإيمان وتعاليم الإسلام إلى تلك الغاية، وهي على وجه التحديد ما يخيف الغرب هذه الأيام، بحيث نلاحظ هذه الهجمة الشرسة على كل ما هو عربي، وفي هذا السياق يقول المبشر لورانس براون :- من انه إذا اتحد المسلمون في امبراطورية عربية، أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرا، أو أمكن أن يصبحوا أيضا نعمة له، أما إذا بقوا متفرقين، فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير.
وختاما فإننا مطالبون ككتاب عرب – كون هذا الطرح موجها إليهم على وجه التحديد – وعلى أساس أنهم جزء لا يتجزأ من قوة الأمة الإسلامية والوطن العربي، وفي هذه المرحلة العصيبة والحرجة التي نمر بها، وعالمنا العربي الغالي على وجه الخصوص، بالتوحد وتوجيه خلافاتنا بجميع أشكالها وأنواعها وألوانها إلى أعدائنا، وأكثر من أي وقت مضى، فالظلام الحالك الذي نعيشه اليوم، ومهما طال مكوثه بيننا لا بد أن يتلوه شروق للشمس، فلا نقلل من صعوبة هذه المرحلة التاريخية، ولا نعطيها حجما هو أكبر من حجمها الحقيقي، بل على العكس من ذلك، فإن دورنا جميعا في هذه المرحلة هو السعي للبحث عن نقطة الالتقاء بين عالمينا الإسلامي والعربي، وشخصيا لا أتصور بأن هناك أفضل من سلاح الإيمان بالله والتمسك بتعاليم الإسلام باعتبارها عزة العالمين الإسلامي والعربي، فإن ابتغينا العزة بغيرها أذلنا الله.

إلى الأعلى