الأحد 17 نوفمبر 2019 م - ٢٠ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / «الوطن» بالتعاون مع الادعاء العام: تعرّف على جرائم الاتجار بالبشر (الجزء الرابع)
«الوطن» بالتعاون مع الادعاء العام: تعرّف على جرائم الاتجار بالبشر (الجزء الرابع)

«الوطن» بالتعاون مع الادعاء العام: تعرّف على جرائم الاتجار بالبشر (الجزء الرابع)

مُساعد المدعي العام/ ناصر بن عبدالله الريامي
هكذا نكون ـ بتوفيقٍ من المولى عزوجل ـ وصلنا إلى الجزء الرابع من سلسلة هذا الموضوع التعريفي التوعوي، الذي خصَّصناه لجرائم الاتجار بالبشر.
وكنا قد عرضنا في الحلقات الثلاث المنصرمة مفهومًا عامًا للاتجار بالبشر، من حيث التعريف الوارد في البروتوكول المعني، ثم التعريف الذي أورده المشرع الوطني.
وحيث أن المقال يتّضحُ دومًا بالمثال، فلقد استعرضنا مجموعةً من الأمثلة، منها المتعلقة بالاستغلال الجنسي عامةً، وتلك المرتكزة على الممارسات الشبيهة بالرق، كزواج القاصرات، أو زواج المبادلة (الأخوات أو البنات)، وكذا أمثلة متصلة بالعمل القصري.
وما ينبغي ملاحظته، في هذا الصَّدد، هو أن ليس كلّ عملٍ قسريٍّ يشكلُ جريمة الاتجار بالبشر ذلك لأن العمل القسري، بحدِّ ذاتِه يُعد فعلاً مُجرَّمًا بمقتضى قانون العمل.
ولا يصح قانونًا إخضاع الجريمة لقانون مكافحة الاتجار بالبشر إلا إذا ثبت اقتراف الجاني فعلاً من الأفعال التي أوردها المشرع في تعريفه لجريمة الاتجار بالبشر (استخدمَ شخصًا، أو نقله، أو آواه، أو استقبله)، واقترن الفعل بوسيلةٍ من الوسائل الواردة في مادة التعريف ذاتها، وهي:(عن طريق الإكراه، أو التهديد، أو الحيلة، أو باستغلال الوظيفة، أو النفوذ، أو باستغلال حالة استضعاف، أو باستعمال سلطة ما على ذلك الشخص) وأن هذا الاقتران في الفعل والوسيلة حدث لأجل الاستغلال، وهو القصد الجنائي الخاص في جريمة الاتجار بالبشر.
ومن صور الاستغلال (العمل القسري) مثال: فإذا ما كانت الوقائع، محل النظر، تشير إلى أن المتهم تأخر في دفع الأجر للعامل أو أنه لم يدفع له الأجر لبضعة أشهرٍ، فإن حكم اللزوم العقلي، لا يؤدي بنا إلى تلقائية القول بتحقق جريمة الاتجار بالبشر، والعكس من ذلك هو الصحيح، إذ يؤدي بنا إلى القول بتحقق مخالفة عمالية ولا ترتقي المخالفة إلى الاتجار بالبشر، ما لم يستقم الركن المادي للجريمة (الفعل والوسيلة)، وفق البيان المتقدم.
فإذا اقترن فعل عدم دفع الأجر بالتهديد مثلاً أو بالحيلة، كأن يوهم المتهم الضحية بأن أوراقه الثبوتية غير مُكتملة، وأنه بذلك أضحى مُعرّضًا للإبعاد من قبل سلطات الضبط القضائي، وأن عليه ـ والحال كذلك ـ العمل تحت مظلته، بأجرٍ زهيد، أو بمقابل المأكل والمسكن فحسب.
ـ مثال آخر: بمناسبة سفر شخص وزوجته إلى دولةٍ أجنبية، لأجل الدراسة، قرر الشخص اصطحاب ابنة شقيقه المتوفى، ذات الاثنى عشرَ ربيعًا، لتساعدهما والأسرة في الأعمال المنزلية، ورعاية طفلتهما.
أجبرت الضحية على العمل لساعاتٍ طوال، في الطهي وتنظيف البيت ورعاية الأطفال.
في البداية، تم إلحاقها بالتعليم المدرسي، وبسبب الشكوى المتكرّرة منها، أخرجت من المدرسة، للتفرّغ للعمل المنزلي دون دفع الأجر، وكان المتهم وزوجته يهددانها دائمًا، حال التقصير في عملها، بالإلقاء بها في الطريق، في تلك الدولة التي لا أحد لها سواهما.
وفي غياب المتهمين، تحدثت الضحية مع أحد الجيران، الذي بدوره أبلغ السُّلطات، التي قدمت المتهمين إلى القضاء بتهمة الاتجار بالبشر، وحصلت الضحية على تعويضٍ مقداره (60) ألف دولار أميركي، (من أدبيات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة).
ـ مثال (3): ومن القضايا التي عُرضت على القضاء الأميركي، قضية تخلص واقعاتها في قيام أختين وزوجيهما، من دولةٍ أفريقية، بإغراء فتاتين ـ إحداهما تبلغ من العمر 14 سنة، والأخرى 17 سنة من نفس الدولة التي ينتمون إليها ـ للسفر معهم إلى واشنطن، للعناية بأطفالهم، وللقيام بالأعمال المنزلية، مقابل تمكينهما من الدراسة هناك.
أخلت الأسرة بالوعد الخاص بتمكينهما من التعليم، وبدلاً من ذلك، احتجزتهما في البيت، وكان عليهما العمل لأكثر من أربع عشرة ساعة يوميًا، دون دفع أجرٍ لهما، وذلك كله، تحت وطأة التهديد والضرب.
تمكنت الفتاتان من الهرب والوصول إلى السلطات، فحكم على المتهمين بالسجن لمدة تراوحت بين خمس سنوات إلى تسع سنوات وتعويض الضحيتين، بمبلغٍ وقدره خمسة وعشرين دولارًا أميركيًا لكلتيهما، (النقيب عبدالكريم، 2017، ص 74).
ـ مثال (4): تشيرُ حيثيَّات هذه القضية إلى أن نورا، البالغة من العمر (27) عامًا، كانت تُعاني من ضائقةٍ ماليةٍ شديدةِ الحَرج، في موطنها، الكوت ديفوار، المعروفة بـ(ساحل العاج)، في أفريقيا الغربية.
تعرَّفت على سيدةٍ عربية، التي وجدت من ظروفها لقمةً سائغةً للاستغلال.
رتبت لها للعمل في الخدمة المنزلية، لدى صديقةٍ لها في دولةٍ عربية، وما عليها لأجل الاستفادة من الفُرصة، إلا أن تدفع قيمة تذكرة السَّفر فقط.
ولحاجة نورا الماسة للوظيفة، اقترضت المبلغ وسلَّمته للوسيطة، وتمّ بالفعل تسفيرها.
فور وصولها دولة المقصد، حجزت ربة العمل جواز سفرها، وأرغمتها على العمل لساعاتٍ طوال، دون منحها وقتًا للراحة، وأحيانًا كانت توصلها إلى منزلِ والدتها لتنظيفه، وكان الضَّربُ أمرًا عاديًا.
لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، وإنما امتنعت ربة العمل عن صرف راتبها، بحجةِ اخضاعها للإختبار، ضمانًا لوجودِ ما يكفي لشراء تذكرة سفر لها، إذا ما اضطرَّت إلى تسفيرها، قبل انتهاء العقد.
كان من المقرَّر أن لا تتجاوز فترة الاختبار عن شهرين فقط إلا أن الحال بقي على ما هو عليه لمدّةِ أربعة أشهر، دون أن تستلم شيئًا من راتبها.
هذا الوضع، دفع بنورا إلى الهرب من منزل ربة العمل، واللّجوء إلى إحدى منظمات المجتمع المدني العاملة مع المهاجرين، التي ساندتها في اقتضاء حقوقها من ربَّة العمل. (الاتجار بالبشر في المغرب، 2015).
ـ مثال (5): سميرة، امرأة عربية، تبلغ من العمر (35) عامًا.
مثلما حدث مع نورا، اضطرتها الحاجة إلى قبول العمل في الخدمة المنزلية في إحدى دول الخليج، مقابل أجرة تعادل (250) دولاراً.
سعدت سميرة بالعرض، فطُلب منها أن تدفع مبلغًا لتغطية قيمة التذكرة، وتأشيرة العمل، ففعلت ذلك بالكاد.
لدى وصولها دولة المقصد، استقبلها رب العمل في المطار، واستلم منها جواز سفرها وأجبرها، فور وصولها البيت، على العمل طوال اليوم، دون فترةِ راحة؛ بل كان يُتوقَّع منها تقديم الخدمة لأفراد الأسرة في أيِّ وقتٍ، وإن عادوا إلى المنزل في وقتٍ متأخرٍ من الليل.
عندما طلبت استعادة جواز سفرها من رب الأسرة، أوهمها بأن النظام لديهم يحتّم بقاء جوازات سفر خادمات المنازل بحوزة رب العمل (الكفيل)، وكانت تتعرَّض للسَّبِّ والإهانةِ، بل وللضربِ أحيانًا.
فوق هذا كلُّه، امتنع رب العمل عن دفع الراتب المُتَّفق عليه، وإنما دفع نصفه فقط، وعندما ناقشته سميرة، قال لها بأنه غير مُلزم بما عُرض عليها في الخارج، وإذا لم تقبل، فسيعيدها فورًا.
حاجتها الماسة للمادة، لإعالة أسرتها، جعلتها تقبل بما يُعرض عليها.
استمر رب الأسرة في دفع هذه الأجرة الهزيلة لمدة أربعة أشهرٍ فقط، وبعدها انقطع عنها بالكُليّة لمدة (11) شهرًا، وهو الأمر الذي دفع بسميرة إلى الهرب من المنزل، واللجوء إلى الشرطة، التي باشرت الإجراءات القانونية، لاستعادة حقوقها المسلوبة.(الاتجار بالبشر في المغرب، 2015).
لاشك أن هكذا قضايا تُشكِل عملاً قَسريًّا، بالمخالفة لقانون الاتجار بالبشر وليس لقانون العمل فحسب، ومن العبث، والحال كذلك، أن نخضع المجني عليهم للتسوية.
* المراجع:
ـ دراسة الاتجار بالنساء والأطفال في المغرب، هيئة الأمم المتحدة، مارس 2015م.
ـ النقيب د.عبدالكريم محمد، الاستغلال في جرائم الاتجار بالبشر، وزارة الداخلية، مركز الدراسات والاستطلاع، دولة الإمارات العربية المتحدة.

إلى الأعلى