Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

إعادة تحديد أولويات الداخل الوطني لمواجهة التحديات الدولية

محمد بن سعيد الفطيسي

تقع سلطنة عمان في بيئة جيوسياسية مليئة بالاضطرابات والفوضى والأزمات المختلفة. وتجاور وحدات سياسية ذات تداخل مباشر مع أخطر الملفات المشتعلة في الشرق الأوسط كما هو حال الملف النووي الإيراني وملف الصراع في اليمن على سبيل المثال لا الحصر. ومن المتوقع أن يرتفع سقف تلك المخاطر خلال السنوات القليلة القادمة. وغيرها العديد من الأسباب التي يفترض أن تدفع إلى العمل الممنهج لإعداد الجبهة الوطنية عبر مختلف أشكال الاستعداد وذلك للتأقلم مع تلك المتغيرات من مختلف الجوانب, خصوصا الجانب الذهني والنفسي، كون أغلب الصراعات التي يمكن أن تؤثر على الجبهة الوطنية الداخلية لأي بلد تبدأ بأساليب الحروب النفسية، وأخطرها على الإطلاق تحطيم إرادة الشعوب وثقتها في الداخل الوطني، وقد أكد على ذلك حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ أعزه الله ـ بقوله “(التنطح للسياسة الخارجية والتعامل معها بشكل موسع بدون سياسة داخلية قوية هو قفزة عن الأهم إلى المهم. وهذا ما ابتعدنا عنه. لقد كان الرأي هنا هو أنه إذا ما أردنا التعامل مع سياسات العالم الخارجية فيجب أن تكون الجهود الداخلية العمانية جبهة قوية)( 1)
يضاف إلى ذلك أهمية الفهم الاستشرافي والإحاطة المسبقة بواقع تلك المتغيرات الدولية والذي سيوفر المزيد من الأوراق الرابحة للأجهزة والمؤسسات العمانية ذات الاختصاص، والتي بلا شك ستساعدها على التقليل من مخاطر وآثار حتمية ولا محالة أنها واقعة على البيئة الوطنية العمانية خلال السنوات المقبلة كما هو حال مختلف دول العالم بلا استثناء، خصوصا دول الشرق الأوسط، ومن أبرز تلك المسارات التي بدأت بالتأثير على خريطة العلاقات والسياسات الدولية، وكذلك شكل ومضمون خريطة التفاعلات العابرة للحدود الوطنية، استفحال المنافسة بين القوى الدولية على تصدير الأزمات والصراعات بهدف توسيع دائرة الاستثمار والمبيعات العسكرية كبديل اقتصادي للمنافسة على النفط كمصدر لإمداد خزائن تلك الدول بالمال الذي تحتاجه من جهة. وللسيطرة على دول معينة عبر تفتيتها داخليا ونشر الفوضى بين مكوناتها الوطنية من جهة أخرى، ما يمكن أن يغير من موازين القوى الدولية ويرفع مستويات التنافس العسكري وميزانيات التسلح.
كذلك التحولات الجذرية الحاصلة في قضايا النفوذ ومساعي الهيمنة، ورغبات الحصول على القوة والسلطة في الشرق الأوسط بين القوى الناشئة أو الدول الصغيرة ( 2), ما يمكن أن ينتج عنه من تغيرات جذرية في موازين القوى الدولية والإقليمية وقضايا الصداقات والعداوات وتشكيل التحالفات والتكتلات الأمنية والعسكرية والسياسية، وأثر ذلك على المكانة الإقليمية والمصالح الجيوسياسية لسلطنة عمان من جهة، وكذلك الأمن الوطني العماني من جهة أخرى، خصوصا أن كل ذلك سيغير كثيرا من خريطة وهياكل البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط.
كذلك ارتفاع سقف المخاطر الناتجة عن التغيرات في العصر الرقمي الجديد، خصوصا ما يتعلق منها بمخاطر الإرهاب عبر استخدام شبكة الإنترنت والحرب النفسية والتجسس ودخول المواطنين كفاعلين مؤثرين بشكل مباشر في التغيرات الدولية، والتي ستستخدم فيها التكنولوجيا المتقدمة ووسائل التواصل الاجتماعي، ما سيعيد تشكيل مستقبل الدول والأفراد على رقعة الشطرنج الدولية بوجه عام ودول الشرق الأوسط على وجه الخصوص، وبلا شك فإن سلطنة عمان ومواطنيها ستكون واحدة من تلك الدول التي ستتأثر عبر مراحل بتلك التغيرات الدولية العابرة للحدود الوطنية انطلاقا من نظرية تأثير وتداخل التفاعلات والتبادلات الدولية مع البيئة الوطنية أو الداخلية للدول.
إذًا بات من الضروري والمهم للغاية إعداد وتهيئة الجبهة الوطنية الداخلية لكل الاحتمالات الأمنية والعسكرية والسياسية المستقبلية، والسعي لسد ما يمكن من ثغرات ومواطن الضعف والخلل التي يمكن أن تتسبب بمشاكل وعثرات لا شك أنها ستكون غاية في الخطورة في أوقات الصراع والأزمات الدولية العابرة للحدود الوطنية، والتي بدأت ترتفع نسبها من حيث الكم والكيف، يضاف إلى ذلك أن التعامل مع هذه الأزمات بعقلية رجل السياسة أو الأمن أو العسكر التقليدية لن تجدي في مقبل السنوات تحت ضربات العولمة وتكنولوجيا المعلومات وحرب الأزرار ودخول المواطنين كفاعلين في التأثير على الأحداث والصراعات والأزمات العابرة للحدود الوطنية. بل بات من الضروري العمل على ما يطلق عليه بالمرئيات الاستباقية والاحترازية أو الاستشرافية التي يتم تعزيزها بأحدث الأدوات والتوجهات العلمية والتكنولوجية المتطورة.
على ضوء ذلك يجب أن يتم العمل في هذا السياق على مستويين، أولهما جانب توفير المعرفة والمعلومات الأكاديمية والعلمية والاستخباراتية حول واقع ومستقبل النظام العالمي القائم على التشكل اليوم، من حيث المتغيرات والتحولات والتوجهات المحتمل وقوعها بناء على المعطيات المتوافرة لدى المحللين ورجال الاستخبارات والباحثين المتخصصين، وهي جوانب يمكن أن تهتم به الجامعات والكليات المتخصصة بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية والشؤون الأمنية والعسكرية ومراكز البحوث والدراسات، بالتالي ستتوافر لدينا حينها الرؤية المطلوبة إلى حد ما حول شكل ومضمون البيئة التي سنتعامل معها من الناحية الأمنية والعسكرية في المستقبل، سواء البيئة الدولية منها أو الإقليمية.
أما الجانب الآخر والذي لا يقل أهمية عن الجانب الأول، وأقصد جانب تقوية وتدعيم الجبهة الوطنية الداخلية بمختلف شرائحها الشعبية والرسمية لتلقي آثار وانعكاسات تلك المتغيرات والتحولات التي ستحدث في النظام العالمي وستنعكس آثارها على البيئة الوطنية العمانية الداخلية على اعتبار أنها من أهم دعائم البيئة المحلية التي تتفاعل مع مكوناتها الداخلية لتحدد عبرها كيفية تبادلاتها مع البيئة الدولية. وذلك بهدف الوصول إلى أبرز وأهم مواطن القوة والضعف، وكذلك دعائم صناعة القرارات الاستراتيجية في أوقات الأزمات والصراعات والمتغيرات الأمنية والعسكرية العابرة للحدود الوطنية والتي من المؤكد حدوثها خلال العقود القليلة القادمة والتي بلا شك ستتأثر بها سلطنة عمان بمختلف شرائحها ومكوناتها الرسمية والشعبية. وتلك الممكنات والدعائم الوطنية هي: الشعب، المؤسسات الحكومية، القيم الوطنية، الإرادة الوطنية، الثقة العامة، مراكز الأبحاث، الأوساط الأكاديمية، جماعات المصالح والنفوذ، وسائل الإعلام.
حيث إنه ومما لا شك فيه أن (جميع دول العالم لديها بيئة محلية أو بيئة داخلية تتفاعل داخل ذاتها لتحدد كيفية تفاعلها مع البيئة الدولية، وإذا أخذنا البيئة المحلية والبيئة الدولية معا، فهما تشكلان البيئة الاستراتيجية، وفي نهاية المطاف فإن الهدف المنشود هو تكوين النظرة الكلية الشاملة)(3 ) وتتداخل اليوم السياسات الخارجية للدول مع السياسات المحلية بشكل كبير ومعقد أكثر بكثير مما مضى نظرا لوجود العديد من العوامل الحديثة كالعولمة بمختلف أشكالها، وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني على سبيل المثال لا الحصر، ما أثر بشكل كبير على الاستقرار والأمن الداخلي من جهة، وكذلك معيشة المواطنين وحياتهم اليومية من جهة أخرى.
ويعد فقدان أو ضعف إحدى تلك الدعائم الداخلية من أخطر العقبات والتحديات التي يمكن أن تشكل بحد ذاتها خطرا جسيما على الاستقرار والأمن القومي لأي بلد كما سبق وأشرنا، بل ومن المؤكد أنها ستضعف البناء الوطني ككل، فهي أشبه باللبنات أو الطوب المكون لهياكله، وليس ذلك في هذا العصر فقط، بل كانت وستظل في مختلف العصور من حيث الأهمية الاستراتيجية، وبمعنى آخر، إن أي حكومة لا تأخذ بحسبانها أهمية هذه الدعائم وتهتم بها كأولوية من أولوياتها السياسية في صناعة القرارات الاستراتيجية ستخسر مع الوقت قوتها الشعبية وتماسكها الوطني، وبالتالي ضعفها ووهنها أمام ضربات تلك الآثار والانعكاسات الناتجة عن المتغيرات والتحولات في النظام الدولي العابرة للحدود الوطنية، وستكون النتيجة النهائية لذلك بالطبع تعفنها من الداخل، (فالبرابرة لم يدحروا روما، بل تعفنت هي من الداخل. إذ فقد الناس الثقة بثقافتهم وبمؤسساتهم، وراحت فئات النخبة تتصارع للسيطرة على السلطة، وتزايد الفساد، وعجز الاقتصاد عن النمو بطريقة كافية)(4 )
وهو ما أكده حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في العديد من المواقف والمحافل الإقليمية والدولية، حيث اعتبر قوة وترابط وتفاهم الجبهة الوطنية أو الداخلية لأي بلد صمام الأمان والاستقرار الرئيسي له، وأن في ضعفها وانهيارها أو ترهلها خطرا جسيما يهدد وجودها وبقاءها ككل، لذا عد جلالته ـ أعزه الله ـ أن (أفضل النظم السياسية هي تلك المستمدة من خصوصيات الشعوب ومن تراثها وثقافتها وإرثها الاجتماعي والسياسي ) وذلك لقدرة تلك العوامل على ربط مكونات البناء الوطني مع بعضها البعض. كما اعتبر أن بناء وقوة السياسية الخارجية لأي دولة لا بد أن ينبع من مكونات وعوامل القوة الناتجة عن استقرار وثبات وقوة السياسة الداخلية، وهو ما أكده بقوله (إذا أردت أن تكون قويا في الخارج فعليك أن تكون قويا في الداخل).
بالتالي فإن الخطر الحقيقي والذي يمكن أن يشكل التهديد الأهم لأي وطن لا ينبع في حقيقة الأمر من الخارج، وحتى وإن نبع ذلك يوما وحدث فإنه لا يمكن أن ينجح ما لم يجد له بيئة داخلية متاحة ومهيأة وهو ما أكده جلالته ـ أيده الله ـ بقوله (إنني أعتقد اعتقادا جازما أن الخطر على الخليج يكمن في محاولة زعزعة استقراره من الداخل بتصدير الإرهاب إلى داخل دوله… إن محاولة تقويض الأمن الداخلي لدول الخليج ربما يكون الهدف الأكثر توقعا … خصوصا أن تقويض الأمن الداخلي يمكن أن يفتح الباب على مصراعيه لعوامل التدخل الخارجي، إني أعتقد أن ذلك هو مكمن الخطر الأول، ولعل ذلك هو ما يدخل في احتمالاتنا رغم أن مسقط أكثر دول المنطقة استقرارا وتوازنا)( 5)
ــــــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ لقاء مع السلطان قابوس . صحيفة السياسة الكويتية . بتاريخ 11/12/1985م . س6/ع1669, نقلا عن ناصر ابو عون . صحفيون في بلاط صاحب الجلالة , – محاورات السلطان قابوس مع وسائل الاعلام العربية والاجنبية – مؤسسة السبلة للحلول الرقمية / سلطنة عمان ص 378
2 ـ انظر في هذا الموضوع , محمد بن سعيد الفطيسي , منطق الهيمنة عند الدول الصغيرة ( وجهة نظر سياسية معاصرة ) مجلة العلوم السياسية والقانون – دورية دولية محكمة – المركز الديموقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية , المانيا / برلين , ع 7, ص 299
3 ـ هاري ار .يارغر , الإستراتيجية ومحترفو الأمن القومي , مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية , دراسات مترجمة رقم (43) , ط1 / 2011, ص 153
4 ـ رمزي ماكمولين , الفساد واضمحلال روما ( نيوهافن: مطبعة جامعة ييل ) ط1988م .
5 ـ جريدة عمان العمانية , س5/ع 1420 , بتاريخ 4/4/1985م , ص 1+3


تاريخ النشر: 14 أكتوبر,2019

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/354524

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014