Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

إطلالة على تجربة أنور سونيا التشكيلية ..نصف قرنٍ من حياكة الأضواء

c2

الأمجد بن أحمد إيلاهي شاعر وناقد تشكيلي تونسي
يتصدّر أنور سونيا واجهة المشهد التشكيلي في عُمان والشرق الأوسط منذ ما لا يقل عن ثلاثة عقود. آمن بالألوان سبيلا مطلقًا للتعبير. وسار على دأب الكبار يرسم منعرجات حياتهِ غير آبهٍ لغير خيارهِ الأوحد، ألَا وهو الفنّ. الفنُّ الرّاسخ والمبنِي على أهداف شديدة الرّهافة والدّقة؛ رهافة الفرشاة والألوان مقابل قسوة العالم، ودقّة بصر وبصيرة الفنّان إزاء هامشيّة اليوميّ المعاش وتشتّت الرؤية والرّؤى.
نقفُ تشكيليّا أمام تجربة مهمّة أسالت حبرًا كثيرًا على مدى نصف قرنٍ من الاشتغال على بنية المحتوى الفنّي للأعمال التشكيليّة. والتي مرّت بعديد المراحل حال صاحِبِها. ونقفُ انسانيّا لنُعاينَ خمسين عامًا وهَبهَا أنور سونيا لإثراء المشهد الثقافي. وهو علاوة على ذلك كلّه صانع أضواء وألوان، يحاربُ العتمة بفرشاة وينتصر. ولعلّهُ، ومن باب النّبل الإنساني الوقوف باحترام أمام الذين حرّروا مساحات جمالية كبيرة من سجن المخيال، وأخرجوها من الذاتيّة العمياء إلى الموضوعيّة المبصرة المتبصّرة، ومن عتمة الذاكرة إلى أضواء الإنشائية والتكوين.
وقد التقيتُ أنور سونيا في أعمالهِ التي اكتشفتُها في المنهج التعليمي للصفّ العاشر حيث أقومُ بتدريسها ضمن وحدة الفنون العمانية، وإنّه من المبهج لشخصي أن أرى تكريمًا بهذا الحجم لمسيرة فنّان مازال على قيد الحياة والعطاء. ثم التقيته في شخصهِ فنّانًا جميلا لا يتخلّف عن معارض الشباب، ناصحًا ومشجّعا ودائم الابتسامة.
وقد بدأت مسيرة الفنان التشكيلية منذ سبعينات القرن الماضي حيث عاد إلى السلطنة قادما من البحرين مسقط رأسه. وتفرّد بأسلوبه الفنّي الذي اختلف جذريّا مع الذين صنفوه في خانة الواقعية، وذلك استنادا إلى كونه ينقل مشاهد من الموروث الثقافي العماني. وبالرغم من أن أعمال “سونيا” التي نقل فيها صورا من اليومي في حياة العمانيين عبر رسم الوجوه والأسواق والحالات الاجتماعية، إلا أن الانطباعية تظهر جليّا في اختياره للألوان، وعبر حركة الفرشاة على مسطح اللوحة. وتعددت التقنيات بتعدد الأعمال حيث نلحظ أن التجربة التشكيلية مع أنور سونيا تتغير في كل مرحلة من حياته ولكنه يحافظ على ثوابت بالنسبة لأسلوبه المليء بالحركة، هذا الأسلوب الذي اختار البيئة العمانية جوهر بحث. حيث تأتي بعض أعماله المشهدية حاملة ومُحمّلة بالحركة اللونية عبر التضاد أحيانا ومن خلال الظلال اللونية في أحايين أخرى. وعبر رسم الأسواق والمارّة لا ينس الفنّان اختيار نقطة داخل الوحدات الشكلية المتقاربة والمتلاصقة أحيانا ليُظهر المنظور اللوني عبر انبعاث الضوء وانعكاسه على أشكاله البشرية وما يحيط بها.
أعتبر أن أنور سونيَا لم يكن ينقل الحياة العمانية من خلال أعماله، وهذا ما يخدع مشاهدين كثرا. ولكنّه كان ينقلُ مشاهد من مخياله، أي توظيف تقنيات السينما في الفنون التشكيلية. وهذا أسلوب الانطباعيين عموما حيث كانوا يتأملون المشهد في الطبيعة ثم يرسمون ما علق بذاكرتهم كما ذكر بول سيزان.
وأنور سونيا، ليس انطباعيّا صرفًا. فقد تنقّل تشكيليّا بين عديد المدارس من باب التجريب. والحقّ أن التجريب خلال آواخر القرن العشرين كان سِمَة الفنون التشكيلية المحضة (الرسم والخزف والنحت). وقد تنَافَذَت المدارس وتداخلت ولم تعد متّصلة إلا في ما يذكره تاريخ الفنون. أما واقعيّا فقد خلّصت الحداثة الفن من المدارسيّة والقوانين ليغدو حرّا من الضوابط. ولعلّ أنور سونيا قد أدرك ذلك في تجاربه التجريدية الأخيرة حيث ركّز على الفكرة وعلى ثنائية الإخفاء والظهور، إذ تغطي المساحات اللونية أجزاء كبيرة من العمل وتتلاشى مظاهر المشهدية.
أنظرُ خلف الألوان وأنقّبُ في ملامح شخوص “أنور”، أحاول أن أستحضر ما يفعلهُ علماء الأركيولوجيا لتوليد التاريخ من الصّخر. أجِدُ أرواحًا كثيرة، حركة خطّية واتجاهات لونيّة تُحددها الفرشاة بلطخات تُذكّرنَا ببعض أعمال فان غوغ، ذاتيّة أنور سونيا ترتسمُ في كل عمل من أعمالهِ. واستطاع الفنان عبر رسم مشهدية الوجوه وبلورة الحركة الجسدية لمختلف المراسم في المجتمع، أن يأبّد اللحظة. اللحظة العابرة في الزمن، ربما هي معركته ضد النسيان. هكذا، فقط هو الفن يستطيع أن يوقف هجمة الوقت. أتأمل لوحات أنور بكثير من الحلم، ألوانه التي تأخذ شكلها متباينة أحيانًا مع الواقع في مغازلة خفيفة للشّجن. هناك بعد خفيّ لا يمكن ادراكه حسيّا. لذلك لا أملك سلاحًا لمواجهة رؤيته للعالم، سوى الخيال. وهكذا أصبحُ قارئا من جملة قرّاء كثر، وهذا ما أكّده “أمبيرتو ايكو” حين عرّف العمل الفني بكونه ما تعدّدت فيه القراءات. أنور سونيا فنان ابن بيئته، يرسم بشغف، ويحبّ أن يشتغل على الالوان ليصنع لحظة زمنية. في أعمال أنور طبول وأفراح ونساء يثرثرن، وشيوخ وظلال مارّة. هو عينٌ توثيقية فاحصة بأسلوب متفرد.
أعرف أني لم أفِ أعمال الفنّان حقّها في التحليل، وذلك لطبيعة المقال. ولكنّي خصّصتُ لتجربة أنور سونيا مساحة من الكتاب الذي أشتغل على انجازه والذي يتناول نصف قرن من الفن التشكيلي العماني.


تاريخ النشر: 15 أكتوبر,2019

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/354623

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014