الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 م - ٢٢ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / مقترحات .. تلامس أوجاع الصحافة الورقية

مقترحات .. تلامس أوجاع الصحافة الورقية

محمد عبد الصادق

ما زال شلال الهموم يحاصر الصحافة الورقية من كل اتجاه، فبعد تراجع معدلات التوزيع وانصراف كثير من القراء عنها واتجاههم لشبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي؛ ليحصلوا على معلوماتهم ويستقوا أخبارهم، وما ترتب على ذلك من تراجع حصة الصحف الورقية في سوق الإعلانات، التي كانت الصحف تعتمد على عوائدها في تدبير المال اللازم لشراء مستلزمات الطباعة وتكاليف التشغيل وتأمين الأجور والمرتبات لمئات الصحفيين والعمال والإداريين الذين التحقوا بالمهنة خلال السنوات الغابرة؛ عندما كانت عفية .. واعدة، عندما كان من يلتحق ببلاطها مثار حسد الآخرين، عندما كان يطلق عليها السلطة الرابعة التي يسعى الكل لنيل رضاها وخطب ودها، وتجنب الصدام معها أو استعدائها.
لم تسلم الصحافة الورقية من تخلي الجميع؛ سواء كان القارئ أو الجهات الحكومية أو الخاصة، فالإعلانات الحكومية التي كانت تحتل مساحة بارزة في الجريدة اليومية، تراجعت لدرجة مخيفة وأصبح لكل جهة حكومية موقع “سايت” على الإنترنت تنشر من خلاله أخبارها وملاحق التوظيف وطلبات التوريد والمناقصات، ونفس الشيء مارسته مؤسسات القطاع الخاص، وبعد أن كانت شركات الاتصالات والبنوك ووكالات السيارات تتصارع لتحتل إعلاناتها الصفحات الأولى والداخلية وتصدر ملاحق دعائية توزع مع الجريدة الورقية، وكانت عقود الإعلانات بالصحف الورقية بندا ثابتا لا يمس في ميزانياتها.
أعطت هذه الشركات ظهرها للصحافة الورقية واتجهت إلى الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي للدعاية لمنتجاتها، متناسية دورها الاجتماعي في حماية وسيلة إعلامية عريقة، طالما كانت سيفا ودرعا يحمي الثوابت الوطنية ويدافع عن المواقف السياسية التي تتبناها الدولة، وكانت في المقدمة تقود جهود التوعية ورفع الوعي الوطني، خلال معركة البناء والتنمية، بجانب دورها الثقافي والتنويري في تثقيف المواطن وإرشاده لما ينفعه ويحقق مصلحة الوطن، وحرصها على نشر الخبر الصادق الموثق الذي يستند إلى الأرقام والبيانات الرسمية المستمدة من الجهات المسؤولة في الدولة.
مع استفحال الأزمة، واستمرار تراجع الإيرادات، وجد القائمون على الصحف الورقية أنفسهم يقفون بمفردهم وصدورهم عارية في مواجهة نزيف الخسائر، بعدما صارت الإيرادات عاجزة عن تغطية الأجور والمرتبات لمئات العاملين، لجأوا في البداية لإلغاء الإصدارات المتخصصة التي كانت تصدر بصفة دورية ثم تلا ذلك تخفيض عدد صفحات الجريدة اليومية لأكثر من النصف، كل هذه الإجراءات لم تكن كافية لوقف التدهور في الأوضاع الاقتصادية للصحف، ولم يكن هناك بد من تخفيض عدد العاملين لتستطيع الصحف الاستمرار في الصدور، ورغم ذلك ما زال الأفق ملبدا بالغيوم، ومستقبل المهنة في مهب الريح ولا يُعرف مصير المهنة في الأيام القادمة، فهي بين يدي الله.
هناك تجارب لدول شقيقة جديرة بالطرح ربما تحل إشكالية أجور الصحفيين بالصحف الورقية، لعل أهمها في مصر التي ينشط بها قرابة 9 آلاف صحفي، غير آلاف العمال والإداريين الذين يعملون في الصحف الحكومية أو الخاصة، حيث نجحت نقابة الصحفيين المصريين منذ ثمانينيات القرن الماضي في تأمين دخل مستقر لأعضائها، تحت مسمى “بدل التدريب”، وبدأ باتفاق بين النقيب الراحل إبراهيم نافع والحكومة المصرية على تخصيص مبلغ يصرف شهريا لجميع الصحفيين أعضاء النقابة، وأخذ هذا المبلغ يتزايد حتى أصبح يمثل 50% من دخل الصحفيين حاليا، يحصل عليه الصحفيون العاملون بالصحف الحكومية أو الخاصة، كما يحق للصحفي المفصول من عمله الحصول على هذا البدل عن طريق النقابة.
وهناك أفكار بسيطة يمكن أن تخفف أزمة الصحافة الورقية ولو مؤقتا، مثل إصدار طابع أو دمغة حكومية يخصص دخلها لدعم الصحافة الورقية، السماح للصحف الورقية باستغلال بعض الطرق السريعة أو داخل المدن لوضع إعلانات “الآوت دور”، إعطاء تراخيص للصحف لممارسة نشاط تنظيم المعارض الاستهلاكية وتنظيم المؤتمرات وإنشاء معاهد تدريب تقنية وإدارية، عودة وزارة التربية والتعليم لاقتناء الصحف الورقية، وتوفيرها في مكتبات المدارس والجامعات، لتصقل مهارات القراءة وتزيد حصيلة المعلومات العامة لدى الطلاب.
في أوروبا وأميركا فرضت دول كثيرة ضرائب عالية على شركات “تويتر” وفيس بوك” و”يوتيوب” مقابل الإعلانات التي تبثها هذه الشركات واستغلالها بيانات المستخدمين، دون استئذان وبث الإعلانات بمقابل زهيد، في منافسة غير متكافئة مع وسائل الإعلام التقليدية، ما أغرى المعلنين بالتوجه لهذه المنصات، بديلا للإعلان بالصحف الورقية التي توقف كثير منها عن الصدور، وتحولت أخرى لموقع إلكتروني يحرره خمسة أو عشرة صحفيين، وما زالت هناك صحف تحاول الصمود من خلال تطوير المحتوى، وإدخال خدمات صحفية جديدة، والرهان على المهنية والمصداقية، المفقودة في صحافة الإنترنت.

إلى الأعلى