الأربعاء 12 أغسطس 2020 م - ٢٢ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الرئيس ترامب وصراع المؤسسات الأميركية
الرئيس ترامب وصراع المؤسسات الأميركية

الرئيس ترامب وصراع المؤسسات الأميركية

لأول مرة منذ فترة طويلة يحدث هذا الخلاف ما بين مؤسسة الرئاسة والبنتاجون، إذ بعد أقل من يوم على تصريحات الرئيس الأميركي ترامب الخاصة بعدم خوض الولايات المتحدة معارك نيابة عن الأكراد، والتي جاءت بعد قيامه بسحب عدد من الجنود من على الحدود التركية خوفا من تعرضهم للضربات الجوية التركية، طالبت وزارة الدفاع الأميركية “البنتاجون” تركيا بوقف عمليتها العسكرية في شمال سوريا، بزعم أنها ستكون لها عواقب وخيمة على أمن المنطقة حسب تصريحات وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر الذي عرض على تركيا الوساطة مع التنظيمات المسلحة الكردية من أجل توفير الضمانات الكفيلة بتحقيق الأمن على الحدود التركية السورية.
ولم تقتصر الإدانات الأميركية لتصريحات ترامب وللتحركات التركية على وزارة الدفاع، بل وانتقد كذلك نواب في الحزب الجمهوري داخل الكونجرس الأميركي تخلي الولايات المتحدة عن الحليف الكردي، وتعريض أمن الولايات المتحدة للخطر، وذلك على أساس أن التخلي عن الأكراد من شأنه أن يسهم في عودة تنظيم “داعش” من جديد.
كما وصرح وزير الدفاع الأميركي السابق جيم ماتيس بأن تنظيم “داعش” لم يهزم في سوريا ومن شأن تخلي الولايات المتحدة عن دعم الأكراد أن يسهم في نهضته مجددا، خصوصا إذا لم تواصل الولايات المتحدة حربها ضده.
ويعكس هذا الصراع عمق الاختلاف في الرؤى والتوجهات الخاصة بصنع السياسة الخارجية الأميركية، إذ في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس ترامب إلى الحصول على رضا المواطن الأميركي الذي يعتقد أنه لا مصلحة له في دخول الولايات المتحدة صراعات خارجية نيابة عن دول وقوى أخرى، تنظر المؤسسات الأميركية وعلى رأسها البنتاجون إلى الأمور من زاوية مختلفة، تتعلق بالأمن القومي الأميركي من جهة وبدور ومكانة ونفوذ الولايات المتحدة في العالم الخارجي من جهة أخرى، وهي مسائل قد تتأثر بل تأثرت بالفعل بسبب سياسات ترامب المتهورة والتي تفتقد إلى الحكمة والمرونة وبعد النظر.
ورغم أن الرؤيتين تصبان في صالح الولايات المتحدة في النهاية، إلا أن إحداهما قاصرة وتضر بالمصالح الأميركية على المدى البعيد، فتلك الرؤية هي التي تسببت في ضياع النفوذ الأميركي في المنطقة وحلول النفوذ الروسي والصيني مكانها، وهي التي أفقدت الشركاء الإقليميين والدوليين الثقة في الشريك الأميركي، ومنعت الاتحاد الأوروبي من التوافق مع الولايات المتحدة لأول مرة منذ فترة طويلة بشأن الملف النووي الإيراني، وأساء لصورة ومكانة الولايات المتحدة في أوساط الشعوب العربية بشكل لا مثيل له منذ زمن طويل.
ولكن بعيدا عن تلك الرؤى والاستراتيجيات التي لا نفع لنا منها، بعد أن ثبت أن الاعتماد على الولايات المتحدة وغيرها من القوى الغربية بات كالمستجير من الرمضاء بالنار، فتلك الدول لا تتحرك قيد أنملة إلا إذا كان هذا التحرك يصب في صالحها ويعود بالنفع على شعوبها، ويقوي مكانتها ويزيد حجم نفوذها، ويأتي ذلك للأسف الشديد على حساب حقوق شعوبنا ومصالح دولنا، وتضيع في إثره ثرواتنا ومقدراتنا، لتبقى الشعوب العربية تعاني القتل والفقر والتشريد.
وهنا يثور التساؤل: إلى متى ستظل إرادتنا مرتهنة للخارج، وحريتنا وأمننا واستقرارنا لعبة في يد القوى الخارجية التي لا تكف عن العبث معنا، تلك القوى التي لعبت وتلعب الدور الأكبر في تقسيم وتفتيت دولنا العربية وتحويلها إلى دويلات صغيرة متصارعة؟ فما يحدث لسوريا وليبيا واليمن لن يتوقف، فالمخططات الصهيو ـ أميركية لن تبقى على دولة عربية كبيرة، وستعمل على أن تنتقل عدوى التقسيم إليها، ما لم تكن لنا وقفة حاسمة مع أنفسنا نحسم فيها خلافاتنا ونوحد جهودنا وقوانا لمواجهة تلك الهجمة الشرسة ووقفها مهما كانت التحديات التي تبذل في سبيل تحقيق ذلك.

د.أسامة نورالدين
كاتب وباحث علاقات دولية
Onour95@gmail.com

إلى الأعلى