الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / المطر في الثقافة الشعبية العمانية الأهازيج والأمثال الشعبية .. أنموذجا

المطر في الثقافة الشعبية العمانية الأهازيج والأمثال الشعبية .. أنموذجا

يحضر المطر بصورة قوية في الثقافة الشعبية العمانية، وهو حضور غير عادي، تم توظيفه في الحكاية الشعبية والأهازيج والأمثال الشعبية والقصيدة العامية، ونظرا لأن الحديث عن هذا التوظيف والحضور يتطلب مساحة كبيرة من الكتابة، فسنكتفي في هذه المساحة المتاحة بتناوله حضوره في الأهازيج والأمثال الشعبية،
المطر في الأهازيج
فيما يخص الأهازيج فإن المجتمع العماني ومنذ زمن بعيد كان يستخدمها في جميع أمور حياته تقريباً، فتلك الأهازيج الشعبية مرتبطة بعادات المجتمع العماني ومتأصلة في حياته ولا يكاد يستغني عنها. هناك أهازيج شعبية موسمية تؤدى على مدار العام في المناسبة التي تخصها فهي كثيراً ما تذكرنا بطفولتنا التي عشناها وعاشها الجيل الذي قبلنا، والتي للأسف اندثرت في أيامنا هذه ولم يستمتع بها الجيل الحالي، ذكريات جميلة لا تنسى، كانت الحياة بسيطة وكانت البساطة والعفوية في كل أمور الحياة .
فمع تباشير قدوم الشتاء كانت تمرّ سحابةٌ سوداء كثيفة على منطقةٍ معينة وقد يصحبها مطرٌ غزيرٌ، بينما لا يصل مطرُها إلى منطقةٍ تجاورها، فيقولون في ذلك: “المطر متفرق”، فما تمرّ عليه تلك الغيوم يصيبه الغيث وما لا تمرّ عليه يظلّ بلا مطر، ويأتيه نصيبه في مراتٍ لاحقة، فيقولون “الخير جاء” أي المطر قادم بإذن الله، فهم دائماً يحدوهم الأمل بأنهم سيحصلون على نصيبهم حتى لو تأخر لبعض الوقت.
وهنا أذكر عبارات جميلة مستبشرة بنزول الغيث، فقد كانت جداتنا يرددن عندما يرين السّماء مُلبدة بالغيوم عبارات منها: “الغيم يحوم والرّب رحوم” نعم الرب رحوم دائماً والمطر دليل رحمة لذا عند نزول المطر يتبادل الجميع في عمان جملة “مبروك عليكم الرحمة”. وكانت ولازالت لسقوط قطرات المطر فرحة عظيمة في نفوس أهل عمان، خاصة أن مواسمه قليلة، فهم يستبشرون عند هطول الأمطار بالخير والنماء والبركة، ولهذا فهو يسمونه “الرَّحمة” فيتساءلون عند اللقاء باللهجة المحلية: (موه أنتوه والرحمة) ، فيأتي الرد سريعا مستبشراً برحمة الله تعالى: (رحمة الله بادة) أي أن الغيث قد نزل عندهم أيضا، وقد تعلمنا ونحن صغار عندما كنا نرى الغيوم ونتوقع نزول الغيث أن نردد هذا الدعاء باستمرار : ” اللهم ارزقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين” وتكون فرحتنا كبيرة عندما ينزل الغيث بعد ترديدنا لهذا الدعاء. وقد يشتد المطر فيكون مصحوباً بالبرق والرعد، وتسميه العامة “المطر مرعد” ، أما المطر المصحوب بالبرد فيُسمّى في بعض المناطق “بسيل بو حصى” فهم يشبهون حبات البرد المتساقطة بحبات الحصى، فيخرج الأطفال ويجمعون بعض حبيباته المتناثرة على الأرض، أما الرذاذ الخفيف الذي يبلل وجه الأرض فهو “بْخَاخ”،” تسمية العامة النفاف” فإذا زاد على ذلك فهو “رْشَاش”؛ أي رَشَّات ناعمة من المطر.
وكان للأطفال فرحتهم الخاصة بالمطر حيث يخرجون من بيوتهم بعد توقف المطر ويلعبون بماء المطر ويخوضون فيه. وعادة ما يردِّدون بعض الأهازيج التي تعبِّر عن فرحهم وسرورهم بهذا المطر. ونتذكر هذه الأهازيج البسيطة العفوية التي تخص موسم المطر ، والتي كان منها :
* «حمامة نودي نودي»:
حمامة نودي نودي سلمي على سعودي
سعودي راح مكة إيجيب ثوب العكة
ويحطه في صندوقي صندوقي ماله مفتاح
والمفتاح عند الحداد والحداد يبي فلوس
والفلوس عند العروس والعروس تبي رجل
والرجل يبي أولاد والأولاد يبون حليب
والحليب عند البقر والبقر يبون حشيش
والحشيش يبي مطر
والمطر عندالله لا إله إلا الله
محمد رسول الله
بيت العجوز احترق
صبوا عليه جدر مرق
قوم صل ما قدر قوم تعشى هي والله”،
* «طق يا مطر طق»:
ومن أجمل أناشيد موسم الأمطار كان يتغنى بها الأطفال عند هطول المطر :
طق يا مطر طق
بيتنا جديد، مزرابنا حديد
طق يا مطر، طق يا مطر، طق يا مطر طق
الكل فرحان..
طق يا مطر، طق يا مطر، طق يا مطر طق
ماكو دوام، وكل شي تمام
طق يا مطر، طق يا مطر، طق يا مطر طق
حلوى ورهش، إقعد وفرفش
طق يا مطر، طق يا مطر، طق يا مطر طق
السكري ملعون، صك المليون
طق يا مطر، طق يا مطر، طق يا مطر طق
عيش يوبه دنياك، وهد كل شي وراك
طق يا مطر، طق يا مطر، طق يا مطر طق
* «طاح المطر»:
طاحت عليه نفه ..
قوموا اشترولي دفه
طاح المطر برعوده ..
كسر حوي سعوده
طاح المطر بيد الله …
كسر حوي عبدالله
طاح المطر من فوق ..
كسر حوي بن طوق
* «سيل سيل سيليه»:
سيل سيل سيليه
يا رب بالسيل ، يوناس
يهبط وادينا قبل الليل
يا رب زيدوووووووووه نحن عبيدوه
سيل سيل سيلية
حمامه فوق لومية
طاح السيل طاح القش
طاح مسعود من فوق القش
المطر في الأمثال الشعبية العمانية
مثلما تغنت الأهازيج الشعبية العمانية بالمطر، كان للأمثال الشعبية نصيب لا بأس به من التعبير عن لغة السماء، وبما أن الأمثال الشعبية تمتلك خاصية أن قائلها فرد مجهول إلا أنها عبرت عن روح الجمع، فخصت المطر مثله مثل الظواهر الإنسانية والطبيعية التي حاكتها الأمثال الشعبية، فأتت أمثال المطر إما مستقلة به كظاهرة، وإما كمطر يصاحبه العديد من الأعمال الزراعية وغيرها، أو يتضمن أحوالا وقيما اجتماعية..الخ. عبر هذه الحكمة المختزلة “الأمثال” نرى كيف عبرت عن الحس الشعبي للهم اليومي للإنسان العماني وارتباطه بالطبيعة، وبما حولها، وما يأمله من الغد والمستقبل. ويستطيع الباحث من خلال الأمثال أن يرصد العديد من الظواهر الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ويحلل أحوال الناس آنذاك، وكذلك الباحث في اللهجات المحلية سيجد ثروة تعينه على بحثه من خلال الأمثال الشعبية، ومن هذه الأمثال ما يلي:
* «من حبه الله سقاه »:
هذا المثل أبلغ حكمة لعلاقة الله بالإنسان فحب الله للإنسان يتمثل بأن يمطره ويسقيه ويسقي من حوله من الناس والحيوانات والنباتات، والعكس إذا ما غضب الله من الإنسان يحجم عنه المطر فيهلكه عطشا وجفافا أو يمطره طوفانا، وغرقا لا قدر الله.
لذا سارعت البشرية قديما لإيجاد وسائط مقربة للإله أكانت عبر الكهنة أو عبر تقديم القرابين وفي الإسلام عبر المسلم عنها بصلاة الاستسقاء والاستغفار والتهليل والتكبير ليوصلوا رسالة إلى الله أن يحبهم ويغفر لهم ويرحمهم: أي أن يستقيهم.
* «غريق الماء، ولا غريق الظمأ»:
هذا المثل له طابع المفاضلة للتخيير بين أمرين صعبين وبطبيعة الحال يتمنى أهون الأمرين .
* «اسكن على الماي ولا تسأل عن الرزق»:
هذا المثل يعني إن الذي يقيم بالقرب من الماء فان رزقه مضمون إذ حيث يوجد الماء يوجد الطعام بوفرة.
* «ما دام السيل يسكب الحصى رطب»:
أي طالما المطر ينزل تظل الأرض وما عليها من الحصى طرية رطبة.
* «قاروت العالي إذا طلع الفلج قالت حالي» :
إشارة إلى قاروت العالي وهي قرية من قرى داخلية عمان تقع في وادي بني رواحة،وقد اعتاد أهلها على القول بأن مصادر المياه سوف تجف لو أن جماعة أخرى استحوذت على تلك الينابيع التي تنبع من ذاك الوادي .
* «ما شي شرجه ضاقت بسيلها»:
يعني أنه ليس من الصعوبة جمع شيئين مترافقين إذا كان الهدف أو الغرض من اتخاذهما هو غرض واحد،”وماشي شرجه ما لها مجرى ماء منحدر، “والشرجة” مفرد شراج وهي الشعاب التي تنسكب من خلالها المياه أثناء سقوط الغيث.
* «قطرة، وقطرة تصير وادي»:
دوما سمعنا الأمهات ينصحن أبناءهن عند تبرمهم من أي شيء قليل ، فنجدهن يقلن هذا المثل ، وهو يدل على أن الخير الكثير يأتي من الشيء القليل الذي نراه أحيانا تافها.
* «إذا حضر الماء بطل التيمم»:
المثل جاء ليبين أنه في وجود الماء، لا توجد حاجة إلى التيمم.
* «حد يرهن مزرابه وقت السيل»:
هذا المثل جاء مرشدا وحافزا للإنسان على عدم التفريط بالحاجات التي تعتبر ضرورية له.
* «مطر ما يبلك ما يهمك»:
إشارة إلى الاهتمام بالأمور التي تحقق من خلالها الاستفادة والمنفعة.
وهناك الكثير من هذه الأمثال وهي تنظم علاقة الفرد بالآخرين في المجتمع أو في البيئة التي حوله، وتساعده على أداء دوره الاجتماعي بطريقة أفضل وهي كتالي:
* كما حمامة بالنها السيل
* لاحقتنه رشت السيل
* شالنها السيل وتصيح بالعطش
* أنا سكبت الماي على السرا لا أنا بالماي ولا أنا بغي السرا
* لا تعاشر بادي ولا تسكن فبطن وادي
* إن شفت سهيل ضم عمرك يا قليل الحيل
* الحيمر أبو الغترات
* طلوع الكوي يابرد هوي
* طلوع الثر ياء إزرع البر يا فهيم
الأمثال مخزون ثقافي كبير
إن مسؤوليتنا تجاه الحفاظ على هذا الإرث الثقافي والمخزون الشعبي من الأمثال كبيرة جدا، ليست عبر جمعها ونشرها فقط، بل عبر تداولها وإحيائها، فالمثل كما ذكرنا مجهول المؤلف، لذا لا بد من تزويد الأمثال الموجودة بجرعات من خبرتنا وتجاربنا عسانا نقدر على نقل مخزون أجدادنا إلى الأجيال اللاحقة. 

فهد بن محمود الرحبي

إلى الأعلى