الأربعاء 13 نوفمبر 2019 م - ١٦ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الصمت وحفظ اللسان

الصمت وحفظ اللسان

إنّ من ولاء الايمان وحسن الاسلام والسلامة من العطب في المال والنفس والعرض ودليل حسن الخلقة وطهارة النفس الصمت وحفظ اللسان.
ومعنى الصمت هو الإمساك عن قول الباطل كله، ومعنى حفظ اللسان هو صومه عن الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور واللغو الذي لا خير فيه وغير ذلك مما نهى عنه الشارع الحكيم. قال الجاحظ في تهذيب: من الاخلاق الفاضلة: اللهجة وهي الاخبار عن الشئ على ما هو به، وهذا الخلق مستحسن ما لم يؤد إلى ضرر مجحف.
وقال أحد العلماء: الخير كله في ثلاثة: في السكوت والكلام والنظر، فكل سكوت لا يكون فكرة فهو سهو، وكل كلام لا يكون حكمة فهو لغو، وكل نظر لا يكون عبرة فهو لهو.
وقال أحد الزهاد: أربعة تؤدي إلى أربعة: الصمت إلى السلامة والبر إلى الكرامة والجود إلى السيادة والشكر إلى الزيادة.
وكان السلف ـ رضوان الله عليهم ـ يقولون: إياك وفضول الكلام فإنه يظهر من عيوبك ما بطن ويحرك من عدوك ما سكن. وكانوا يقولون أيضاً من كثر كلامه كثر خطأه، ومن كثر خطأه قل ورعه، ومن قل ورعه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه دخل النار، ولهذا أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بالصمت والسكوت، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ..).
ووضح (صلى الله عليه وسلم) في أحاديث أخرى أن النجاة كل النجاة في السكوت والصمت، فعن عبدالله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال رسول (صلى الله عليه وسلم):(من صمت نجا)، وعن حارث بن هشام ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أخبرني بأمر اعتصمت به فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(أملك هذا واشار إلى لسانه)، وعن عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه أرتقى الصفا فأخذ بلسانه فقال: يا لسان قل خيراً تغنم واسكت عن شر تسلم، من قبل أن تندم، ثم قال سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:(أكثر خطأ ابن ادم في لسانه)، وعن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ فسأله عن عمل يقربه من الجنة ويباعده عن النار، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): (لقد سألت عن عظيم وأنه ليسير على من يسره الله عليه، وجاء من موعظته له (صلى الله عليه وسلم):(ألا أخبرك بملاك ذلك كله، قلت: بلى يا نبي الله فأخذ بلسانه، فقال: كف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتلكم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصاد ألسنتهم)، وعن عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ وفي رواية: ما النجاة غدا؟ قال:(أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وأبك على خطيئتك)، وعن سفيان بن عبدالله الثقفي ـ رضي الله عنه ـ قال: قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال:(قل ربي الله ثم استقم، قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا).
والسكوت والصمت وقلة الكلام وإمساك اللسان عن اللغو والرفث والمجادلة والهراء وغير ذلك من آفات اللسان هذا ما كان الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ما يوصون به، فقيل لعيسى ـ عليه السلام ـ دلنا على عمل ندخل به الجنة، قال:(لا تنطقوا أبداً، قالوا: لا نستطيع ذلك، فقال: فلا تنطقوا إلا بخير)، وقال أيضاً ـ عليه الصلاة والسلام:(طوبى لمن بكى على خطيته وخزن لسانه ووسعه بيته)، وقال سليمان بن داود ـ عليهما السلام:(إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب).
وحفظ اللسان وطول الصمت طريق إلى الجنة والفوز بها، فعن سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة).
نعم فطريق النجاة والفوز والفلاح طول السكوت وحفظ اللسان ومن ثم كان الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ يقول:(اللسان قوام البدن، فإذا استقام اللسان استقامت الجوارح وإذا اضطرب اللسان لم تقم له جارحه).
ولذا كان التابعون ـ رضوان الله عليهم ـ يرون حفظ اللسان حفظ للدين فقال الحسن:(ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه).
ومن هنا فعلى الانسان أن يكون نطقه ذكراً أوتسبيحاً وخيراً وأمراً بمعروف أو نهياً عن منكر، كما أمر بذلك الله حين قال:(لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء ـ 114).
اللهم احفظ ألسنتنا من اللغو والرفث والعبث وكل قول يغضبك .. اللهم آمين.

اعداد ـ محمد عبدالظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الامين

إلى الأعلى