الأربعاء 13 نوفمبر 2019 م - ١٦ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / دلالة اللفظ وعلاقته بالسياق القرآني (نماذج تحليلية كاشفة من القرآن الكريم) (2)

دلالة اللفظ وعلاقته بالسياق القرآني (نماذج تحليلية كاشفة من القرآن الكريم) (2)

.. وفي معنى التقطيع للنار، وإسالة أجزاء منها جراء شدة الاحتراق، وأنها لا تبقى على حال بل تتمزق أشلاء وينتهي منها بعضها، نجد ذلك واضحا في كلمة (تلظى) من في قوله تعالى:(فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى، لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (الليل 14 ـ 16)..
فهي نار تتقطع من شدة الغيظ، كما وضحتْها كذلك آية سورة الملك:(تكاد تميَّز من الغيظ)، وأصلها من الناحية اللغوية والمعجمية والصرفية:(تتلظى)، غير أنها من شدة تلظِّيها سقط منها بعضُها، هذا هو المتمثِّل في سقوط تاء المضارعة، كأن السياق يتقطَّع هو نفسه ليدل على شدة توقُّد النار، وأنها تتقطع من شدة أوارها، ولهيبها، واتِّقادها، ورأينا أن أجزاءها تتمزَّق تلظِّيا، وانهيارًا من شدة حرارتها، والسامع لتلك الكلمة، والمتأمل في دلالتها يكاد يَخِرُّ مغشيًّا عليه؛ من هول ما يتخيَّل، ومِنْ فظاعة ما يرى، ويتصوَّر، حيث يرى الفعل يتمزق ليدل على سياقه ويبرز دلالاته الإيمانية حيث تلاقت القاعدة الصرفية والنحوية مع الدلالة القرآنية والسياق المنقول إلينا.
وفي سياق الكبر والصلف تأتي العبارات محمَّلة بكل ألوان الجحود، والكبرياء، وبكل أصناف العنهجية، والصلف، فعندما جاء فرعون وجنوده بغيًا وعَدْوًا وراء سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ ومن آمن معه، ولم يكن أمامهم إلا البحر، حتى قال أتباعُ سيدنا موسى له:(العدو خلفنا، والبحر أمامنا، ولا حيلة لنا. فقال: لا، إن معي ربي سيهديني)، كما حكى القرآن في قوله تعالى:(فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الشعراء 61 ـ 68)، فقال بملء فيه الشريف:” كلا…” ، على ما تعطيه الكاف واللام التي تخرج من جوانب الفم من ثبات وعمق في الصدق، مع اليقين والقوة، فيدل هذا القول منه على عمق يقينه بربه، وصدق اتصاله بمولاه، ثم يحكي القرآن هذا الكِبْر من فرعون عندما وصل منتصف البحر بجنوده، وهو يظن أنه مدركٌ موسى، وأنه لا محالة مجهِزٌ عليه، انظر ما حكاه القرآن الكريم، وما صدر عن فرعون اللعين المتكبر الصلف الذي لم يشأ أن يسارع بالإيمان، مع أنه يغرق الآن، وسينتهي، لكنَّ الكبر جعله يتأخر في التوب والأوب، ونراه قد استخدم كل الوسائل في تأخير طلب العفو، والصفح من الله، وعدم المسارعة بالاعتراف بوحدانية الله، وظل يراوح مكانه، مستعملاً كل ألوان التأخير، وتدخلت قواعد التجويد، والنحو والصرف لبيان هذا الكبر، وإبراز تلك العنجهية، وتوضيح هذا الكبرياء في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى تواضع، وحسن اتصال بالله، ومسارعة في سلوك سبيل التوبة، لكنْ، انظر إلى ما قاله القرآن، وحكاه في هذا السياق الذي يَشِي بضعف عقل المتكبر، وقلة حيلته، وعدم وجود رؤية واضحة في رأسه، لكن الكبر هو الذي أضاعه، وأهلكه، يقول الله تعالى:(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) (يونس 90 ـ 92).

د/جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى